صناعة التاريخ

لسنا في صدد الحديث عن دور الأمة في كتابة تاريخها وتسطير أمجادها في حركة مبدعة خلاقَّة كما يتبادر ذلك من العنوان لأول وهلة .
بل المقصود من هذا العنوان هو كتابة التاريخ وتدوينه , ذلك العمل الذي يحفظ الماضي ويختزن ((الذكريات)) , وهو عمل كبير وهادف ومسؤولية خطيرة . أما أنه كبير وهادف فلما ذكرناه أعلاه , من انه سجل الذكريات ووعاء ((تجارب)) الأمة , وأما انه مسؤولية فلأن ((العبث)) به يعد جريمة , لأن العبث بالتاريخ يعني تشويهه وتزويره . والجميع يعرف ويحيط بمصاديق كثيرة للأوهام التاريخية , والوقائع المزورة , والحوادث المكذوبة ,قصد منها التضليل , تضليل ((السلف)) حينذاك و((الخلف)) الآتين بعدهم ونحن منهم بالطبع . وكواحد من آلاف الأمثلة نسوق قصة ((عبد الله بن سبأ)) ومغامراته وبطولاته التي يضج بها تاريخنا ((الإسلامي)) تلك الشخصية المختلقة والوهمية . وهذا المثال نذكره ليكون ((مدخلا)) صالحا للتنبيه إلى أمور جوهرية تمس حياتنا اليوم . وقد تشعر أو يشعر بعضنا – على الأقل – أن التاريخ يعيد نفسه . وكتب التاريخ التي عنت بالحديث عن مغامرات ((عبد الله بن سبأ)) أو مغامرات غيره وبطولاتهم ((الوهمية)) قد نجد لها بين ظهرانينا اليوم مثالاً لها , فثمة عناوين كبيرو تتقمص ((الأدوار)) وتتزيا برداء ((البطولات)) وهي ((وهمية)) لاحظَّ لها من الواقع إلا النزر اليسير , إن لم يكن ليس لها حظ منه على الإطلاق . ولكن المشكلة تكمن في ((التاريخ)) فقد يكتبه ((صُنَّاعُه )) غداًً كما هو دون الكشف عن حقيقته , ومدى فاعليته , فتستوي هذه العناوين بعناوين أخرى لها وزن كبير , وفاعلية على درجة كبيرة , فتضيع الحقيقة وتقلب في أذهان الآتين كما هي ((هكذا)) في رؤوس بعضنا اليوم .
ان كتابة التاريخ وتسجيل الحوادث والوقائع ورصد العناوين في حركة البشرية تفتقر الى وعي بهذه الحوادث والوقائع والعناوين , وإلى نزاهة وعفة وأمانة , وكتابة التاريخ بعيدا عن هذين الشرطين لعبت دوراً خطيراُ في تشويه الماضي وتزييفه. ودونك عشرات بل آلاف الأمثلة على ما نقول . فَكُثُرٌ هم الذين سجل لهم التاريخ من البطولات والمغامرات ما ليس لهم منها وزن ((بعوضة)) بل ((جناحها)) . وكثر هم الذين جنى عليهم التاريخ فضاعت بطولاتهم وأمجادهم , ليس إلا تحقيقاً وتلبية لرغبات ((سلطوية)) كان يعنيها أن تثير حول هؤلاء ((المجهولين)) !! جواً من العتمة والضبابية  لتفريق الناس عنهم وإقامة الحواجز والسدود دونهم .
ان ما ذكرناه هو فقط للتنبيه والتحذير من تزوير تاريخنا المعاصر مثلما زُوِّر تاريخنا الماضي . واننا لنعلم ان التاريخ سيكتب من بعدنا – كما كتب ما سبقه – أما بأقلام ((السمع والبصر)) وأعني أن يكتب المؤرخ ما يراه وما رآه الناس على حقيقته , دون تسرب العنصر الذاتي إليه . ولعلنا ندرك خطر ((إنتاج)) التاريخ في ((مصانع)) المزاج والخيال , لانه سيطل علينا مصنوعاً بأيدٍ غير أمينة ولا نزيهة . وها نحن نشهد التحريف والتزوير ونستشعر لمسات ((الوضع)) ونحس بصماته في وقائع وأحداث لم يمض عليها من الزمن إلا القليل . فهل نأمن على التاريخ ؟! كم نتمنى ذلك وشهادة الحق وحدها تكفل للتاريخ نزاهته , ألا فأشهدوها .

محمد طاهر الحسيني
رئيس مركز ابن إدريس الحلي للتنمية الفقهية والثقافية
افتتاحية مجلة القارئ – العدد الأول

التعليق


*