منطق الاعتذار

الصيغة المتبعة غالبا في الاعتذار هي كالتالي: “أعتذر إن كنت قمت بما يؤذيك” أو “أنا آسف إذا كنت قمت بما أزعجك”. ما سأحاول أن أقوم به هنا هو تحليل هذه الصياغات للتعرف على ما تقوله بدقة وهل تعبر فعلا عن اعتذار أم لا.

في البداية لا بد من القول إن الجمل السابقة هي جمل شرطية. جمل شرطية لأنها تقوم أساسا على ربط الاعتذار بما بعد كلمة إذا. أي ربط الاعتذار بوقوع الأذى. أي أن المتحدث هنا يقول: “إذا كنت آذيتك فأنا آسف”. هذه الصيغة لا يوجد فيها اعتراف بوقوع الأذى وبالتالي فهي ليست اعتذارا. بمعنى أن المتحدث هنا يطلق عبارة عامة أنه آسف إذا وقع منه خطأ ولكنه لا يقول إنه وقع منه خطأ حتى الآن. في المنطق العبارة الشرطية عبارة نظرية وليست عبارة عن الواقع. بمعنى أن العبارة الشرطية هي عبارة صورية لا تكون لها دلالة على الواقع إلا إذا تم ربطها بعبارة إمبيريقية. هذا يعني أن العبارة السابقة يجب أن تضاف لها العبارة التالية لكي تكون فعلا عبارة اعتذار: أنا آسف إذا كنت أخطأت بحقك وأنا فعلا قد أخطأت في حقك.. إذن أنا آسف. أو بعبارة مختصرة: أنا آسف لأنني أخطأت في حقك.

لا معنى للاعتذار بدون الاعتراف بالخطأ أو على الأقل للقلوب الكبيرة المستعدة للاعتذار حتى ولو لم تخطئ فإن الجملة الشرطية السابقة تفسد المعنى. عبارة “أنا آسف” لوحدها عبارة متجاوزة لكل شروط الاعتذار من أساسها. إذن عبارة “أنا آسف لأنني أخطأت في حقك” و”أنا آسف” عبارات اعتذار بينما عبارة “أنا آسف إذا كنت أخطأت في حقك” ليست تعبيرا عن الاعتذار. العبارة الأخيرة في أحسن أحوالها هي إعلان عن التزام أخلاقي نظري. أي إعلان عن كوني مستعدا للاعتذار إذا وقع مني الخطأ. هذه دعوى نظرية مجردة تحتاج لربطها بالواقع لكي تصبح اعتذارا لشخص بعينه عن حدث بعينه.

السؤال هنا هل الشخص “المُعتذر له” يريد التزاما أخلاقا نظريا أو أنه يريد التزاما عمليا موجها لشخصه المحدد نتيجة لواقع أو وقائع محددة؟ يبدو لي أن الالتزام النظري لوحده لا يكفي لأن الأخلاق بطبيعتها عملية مرتبطة بشكل مباشر بالسلوك. الالتزام النظري بلا قيمة حقيقية إذا لم تتم ترجمته إلى التزام واقعي. في عين المعتذر له المسألة أشد قسوة: هي أو هو يعلم أن تم الخطأ عليه وكل ما يحصل عليه هو إعلان نظري لا يُلزم صاحبه بشيء. بمعنى أن المعتذر نظريا يمكن أن يقول التالي بدون أن يقع في تناقض: أنا آسف إذا كنت أخطأت بحقك. لكنني لم أخطئ في حقه ولذا فأنا لست بآسف. الصيغة النظرية تعطي هذا المعتذر فرصة للتراجع أو الخروج من أي التزام مرتبط بالاعتذار النظرية.

باختصار الصيغة الشرطية ليست صيغة اعتذارية باعتبار أنها لا تتناقض مع رفض وقوع الخطأ وبالتالي رفض الاعتذار. الصيغة الشرطية للاعتذار لا تقدم للمعتذر له أي التزام خاص يجعل من الاعتذار ذا قيمة ومعنى. الاعتذار بطبيعته شخصي يحمل موقف فرد أو جماعة تجاه فرد أو جماعة. الاعتذار خطاب مباشر مرتبط، لذا فهو يحتاج إلى عبارة وجودية وليست عبارة نظرية.

في المنطق، حتى الحديث، يمكن تقسيم العبارات إلى عبارة كلية وعبارة وجودية. العبارة الكلية تأخذ هذه الصيغة: كل البشر يموتون. العبارة الوجودية تأخذ الصيغة التالية: فلان مات. العبارة الوجودية تتحدث عن شخص معين، وبالتالي فهي تصف الواقع مباشرة عكس العبارة الكلية النظرية التي لا تتعلق بشخص بعينه وتحتاج إلى مقدمة إضافية لكي تدل على شخص بعينه. “كل البشر يموتون” ونضيف “فلان من البشر” إذن فلان يموت. العبارة الاعتذارية بالصيغة الشرطية تحتاج هذا الرابط بين الصورة والواقع. هذا الربط معقد جدا وتتداخل فيه كثير من العوامل النفسية والاجتماعية ومنطق القوى. بمعنى آخر أن هناك حسبة معقدة بين الالتزام الأخلاقي النظري بالاعتذار وبين تحويل هذا الالتزام إلى التزام شخصي. هذه الحسبة تعيدنا إلى معضلة الفصل بين الفكر والواقع وبين القول والعمل.

التعبير عن الاعتذار بالصيغة الشرطية بدلا من الصيغة العملية الشخصية ليس مجرد إساءة في التعبير، بل يمكن أن يكون تعبيرا دقيقا عن موقف فكري ونفسي محدد. الاعتذار ليس سلوكا سهلا في كل الأحوال، وهناك قوى انفعالية تعمل بشدة ضد فكرة الاعتذار وتجمل مسؤولية الأخطاء الفردية. هذه الصيغة الشرطية تلبي حالة ضبابية تومئ بالاعتذار ولكنها لا تقوم به وتفتح لصاحب العبارة طريقا مفتوحا للتراجع والخروج من أي التزام في أي لحظة. هذا التحليل يحتاج إضافة ومزيد توضيح لنتعرف أكثر على لماذا يبدو الاعتذار صعبا ومؤلما لكثير من الناس، وما هي القوى التي تعمل ضده، وما هي المقولات الفكرية والسلوكيات الاجتماعية وقواعد التربية التي تجعل من الإنسان غير قادر على الاعتراف والاعتذار وتحمل مسؤولية سلوكه تجاه الآخرين. لعل هذا يكون محور حديثنا المقبل.

عبد الله المطيري
كاتب سعودي

التعليق


*