الجانب الاجتماعي في العبادة

104-1

العبادة في الأساس تمثل علاقة الإنسان بربه، وتمد هذه العلاقة بعناصر البقاء والرسوخ،غير أنها صـيغت في الشريعة الإسلامية بطريقة جعلت منها في أكثر الأحيان أيضا أداة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وهذا ما نقصده بالجانب الاجتماعي في العبادة .

ففي العبادات ما يفرض بنفسه التجمع وإنشاء العلاقات الاجتماعية بين ممارسي تلك العبادة، كالجهاد، فـإنـه يـتـطـلـب من المقاتلين الذين يعبدون اللّه بقتالهم أن يقيموا فيما بينهم العلاقات التي تنشا بين وحدات الجيش المقاتل .

وفـي الـعبادات ما لا يفرض التجمع بنفسه، ولكن مع هذا ربط بشكل وآخر بلون من ألوان التجمع، تحقيقاً للمزج بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأخيه الإنسان في ممارسة واحدة .

فالفرائض من الصلاة شرعت فيها صلاة الجماعة التي تتحول فيها العبادة الفردية إلى عبادة جماعية، تتوثق فيها عرى الجماعة، تترسخ صلاتها الروحية من خلال توحدها في الممارسة العبادية .

وفـريـضـة الحج حددت لها مواقيت معينة من الناحية الزمانية والمكانية فكل ممارس لهذه الفريضة يتحتم عليه أن يمارسها ضمن تلك المواقيت، وبهذا تؤدي الممارسة إلى عملية اجتماعية كبيرة .

وحـتـى فـريـضـة الـصيام التي هي بطبيعتها عمل فردي بحت ربطت بعيد الفطر، باعتباره الوجه الاجـتماعـي لـهـذه الـفريضة، الذي يوحد بين الممارسين لها في فرحة الإنتصار على شهواتهم ونزعاتهم .

وفـريضة الزكاة تنشىء بصورة مواكبة لعلاقة الإنسان بربه علاقة له بولي الأمر الذي يدفع إليه الزكاة، أو بالفقير أو المشروع الخيري الذي يموله من الزكاة مباشرة .

وهـكذا نلاحظ أن العلاقة الاجتماعية تتواجد غالبا بصورة وأخرى، إلى جانب العلاقة العبادية بين الإنسان العابد وربه في ممارسة عبادية واحدة، وليس ذلك إلا من أجل التأكيد على أن العلاقة العبادية ذات دور اجتماعي في حياة الإنسان، ولا تعتبر ناجحة إلا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيها صالحاً.

ويـبـلـغ الجانب الاجتماعي من العبادة القمة فيما تطرحه العبادة من شعارات تشكل على المسرح الاجتماعي رمزاً روحيا لوحدة الأمة وشعورها بأصالتها وتميزها. فالقبلة أو بيت اللّه الحرام شعار طـرحته الشريعة من خلال ما شرعت من عبادة وصلاة، ولم يأخذ هذا الشعار بعداً دينياً فحسب، بل كان له أيضاً بعده الاجتماعي، بوصفه رمزاً لوحدة هذه الأمة وأصالتها، ولهذا واجه المسلمون عندما شـرعـت لـهم قبلتهم الجديدة هذه شغباً شديداً من السفهاء على حد تعبير القرآن (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، لأن هؤلاء السفهاء أدركوا المدلول الاجتماعي لهذا التشريع، وأنه مظهر من مظاهر إعطاء هذه الأمة شخصيتها وجعلها أمة وسطاً (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) .

السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده)

التعليق


*