نحو فهم أعمق لدور علم الفلك في إثبات الهلال

moon

تعمَّق في السني الأخيرة الاتجاه الذي يتبنى معطيات علم الفلك في إثبات الأهلة وبداية الشهور تبعاً لذلك. وهو اتجاه لمعت فيه عدة أسماء لأعلام فقهية معروفة في الوسط الإسلامي الشيعي، من بينهم المرجع السيد محمد حسين فضل الله، الذي لم يكن الأول ممن دعا إلى الإفادة من هذه المعطيات، وإن كان له الدور الريادي في تعميق هذا الاتجاه والإفصاح عنه، بل وتطبيقه عملياً في حياة المسلمين، وبالأخص فيما يتصل بهلال شهري رمضان وشوال، وهلال شهر ذي الحجة، مما هو موضع ابتلاء المسلمين، وربما كان أول من أشار إلى دور الفلكي هذا، وعده في طرق إثبات الهلال الشهيد السيد محمد باقر الصدر، حيث ذكر في (الفتاوى الواضحة،ص:633) في جملة الطرق: “الخامس: كل جهد علمي يؤدى إلى اليقين أو الاطمئنان بأن القمر قد خرج من المحاق، وأن الجزء النيّر منه الذي يواجه الأرض (الهلال) موجود في الأفق بصورة يمكن رؤيته، فلا يكفي لإثبات الشهر القمري الشرعي أن يؤكد العلم بوسائله الحديثة خروج القمر من المحاق ما لم يؤكد إلى جانب ذلك إمكان رؤية الهلال“، وتبعه على ذلك من تلاميذه الشهيد محمد الصدر حيث ذكر في جملة ما يمكن إفادته من المراصد الحديثة – على حد قوله – من الناحية الفقهية: “أن يثبت أن الهلال كبير بحيث يكون قابلاً للرؤية، الأمر الذي يمكن به إثبات أول الشهر وإن لم يره بالعين المجردة أحد” (ما وراء الفقه ج2/117)، ولمعت أسماء لأعلام فقهية في الوسط الإسلامي السُنّي، من بينهم الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ أحمد محمد شاكر. .

وقد ألّف الشيخ بيّوض إبراهيم بن عمر الجزائري رسالة قيمة نشرت بعنوان (ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية) في الانتصار لهذا الرأي والاتجاه الفقهي. .

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ اتجاهاً فقهياً آخر ينفي إمكان التعويل على المعطى العلمي (الفلكي)، وهو الاتجاه السائد عند الفقهاء والمتفقهين، وإن كان هناك من يميّز بين مجالي الإثبات فلا أثر لقول الفلكي فيه – عنده – لإثبات الهلال وبداية الشهر، وبين مجال النفي حيث يكون لقول الفلكي أثر كبير في قيمة دعاوى الرؤية، إذ مع نفي الفلكي لإمكانية الرؤية فإنه يُجرد دعاوى الرؤية من الاعتبار وينفي صدقيتها. (انظر الشيخ إسحاق فيّاض: تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى، ج5/187).

ويحسن أن نشير إلى أنّ للبحث في شؤون الهلال جانبين، أحدهما بحث فقهي صرف لا شأن لغير الفقيه أو المتفقه في إبداء رأيه فيه، لكونه غير مؤهل علمياً، وذلك لجهة حصر هذا الاختصاص على المشتغلين به، فإن كان أحد من المشتغلين به فله ذلك وإلاّ فهو غريب وأجنبي عنه، ومن هذا الباب ما يجري من البحث في كون الشهر المأخوذ في الأدلة مما ورد في القرآن الكريم أو الروايات هو الشهر الفلكي الذي يتحقق ببداية الدورة المعروفة للقمر بالولادة أو هو الشهر العرفي الذي يتحقق برؤية الهلال وظهوره أو إمكان ظهوره للناس، ومن هذا الباب أيضاً ما يجري من البحث في كون الرؤية المأخوذة في الأدلة وسيلة وطريقاً للعلم ببداية الشهر على حدّ الطرق الأخرى، أو هي مأخوذة على نحو الموضوعية لتكون جزءً في موضوع الحكم الشرعي، فيكون تحديدها بيد الشريعة ذاتها، ومن ذلك أيضاً ما جري عند الفقهاء من أن المعتبر وحدة الأفق في إثبات الهلال، على نحو إذا رؤي الهلال في أفق كما في بلاد المغرب فإنه لا يكفي لوجوب الصوم أو الإفطار في غير هذا الأفق كما في إيران أو أنه لا يعتبر ذلك، بل يكفي رؤية الهلال في أفق ما للحكم بوجوب الصوم أو الإفطار وإن لم يُر في البلاد التي لا تشترك بهذا الأفق الذي رؤي الهلال في البلاد التي تقع على الأفق، وكذلك البحث في أن قول الفلكي غير معتبر لوجود دليل على عدم اعتباره، أو عدم الدليل على ذلك… وعليه فإن مثل هذه الأبحاث فقهية صرفة، وهي من اختصاص الفقيه والمشتغلين بالفقه. .

وفي السياق ذاته يمكن أن يقال إنّ هناك جانباً وهو الثاني من شؤون الهلال، وهو الجانب الذي يتصل بأحوال القمر، مما يدخل في اختصاص الفلكي وهو اختصاص لا يدخل في اختصاص الفقيه، لأنه ليس للفقيه الافتئات على اختصاص الفلكي، كما لا يحق للفلكي بما هو كذلك الافتئات على اختصاص الفقيه..

 

 

من كتاب: ثبوت الهلال طبقاً لقول الفلكي – دراسة فقهية في حجية قول الفلكي
للسيد محمد طاهر الحسيني
رئيس مركز ابن إدريس الحلي


التعليق


*