إمكانية تفوق المسلمين مدنياً

الفضلي

قد لا يتأتّى لنا أن ننطلق في الحديث عن موضوعنا هذا إلاّ بعد أن نمهّد له بما يحدد مفهوم الحضارة في لغتنا العربية المعاصرة ، و ذلك لنتبيّن محور البحث بوضوح و جلاء ، فنتحرّك منه و إليه في مسيرة توصلنا إلى غايتنا دونما عثار أو تعثّر .
كذلك لابدّ لنا من أن نمهّد له بما يكشف لنا عن مدى نجاح التجربة التاريخية للحضارة الإسلامية ، لما يلقيه هذا النجاح من ضوء على ما نحن بصدد الإعراب عنه من إمكانية صمود المسلمين أمام إثارات و مؤثرات التحدي الحضاري الغربي القائم ، و لما يساعد عليه من تمتين الرجاء و تقوية الأمل في نفوس المسلمين ، و هو يحدوهم إلى أن يضعوا حضارتهم في مركزها الطبيعي الذي يمنحها التقدّم و الازدهار مرة أخرى ، لكي تخرج من هذا الواقع المعاش و هي أقوى قدرة و أمضى إرادة على تحقيق رسالتها التي هي النهوض بالبشرية إلى مستويات أعلى في العطاء الفكري المثمر ، و مستويات أعلى في التجسيد الحي للعدالة الإنسانية في واقع هذا العالم المضطرب الذي يعاني غير قليل من عدم وضوح المستقبل و ما سيصير إليه هذا الإنسان بسبب تفاعله مع ما يفرزه هذا الصراع الحضاري الراهن ، فأقول :
إن لكلمة (حضارة) في لغتنا العربية المعاصرة معنيين ، أحدهما قديم ، يمتدّ في بدايات استعمالها فيه ـ كما يبدو من التعريف المعجمي له ـ إلى بدايات استعمال اللغة العربية الجاهلية ، و ثانيهما حديث معاصر ، انتقل إليها بتأثير التفاعل الاجتماعي و التقارض اللغوي بين مجتمعنا العربي و المجتمعات الغربية ، و بين لغتنا العربية و اللغات الأوربية ، و بخاصة الإنجليزية و الفرنسية ، و عن طريق الترجمة العلمية لمصطلحات و مفاهيم العلوم الإنسانية و الاجتماعية .
و في ضوء هذا لنا أن نسمي المعنى القديم بالمعنى اللغوي ، و المعنى الحديث بالمعنى العلمي .
و في تعريف المعنى اللغوي لا يختلف معجم عربي عن معجم عربي آخر في أن مفهوم الحضارة يقابل مفهوم البداوة ، و أن كلمة حضارة تضاد كلمة بداوة ، و كذلك مشتقاتهما ، فكلمة (حاضرة) تضاد كلمة (بادية) ، و مفهوم (حضر) يقابل مفهوم (بدو) ، لأن أجدادنا العرب كانوا يقولون في قديم استخداماتهم اللغوية الاجتماعية ، و كذلك في جديدها المعاصر لمن لا يزال يعيش في امتداد ذلك الواقع القديم : (فلان من أهل الحاضرة) و (فلان من أهل البادية) و (فلان حضري) و (فلان بدوي) .
و منه أفاد المعجم العربي حيث يقول في تعريفاته لمشتقات هذا الجذر اللغوي : (الحضر خلاف البدو) و (الحاضر خلاف البادي) و (الحضارة خلاف البداوة) و (الحاضرة خلاف البادية) 1 .
و هذه المقابلة و المضادة تعني أن تعريف أحد المتقابلين و المتضادين يلزمه تعريف الآخر بسلب معناه عنه ، فَلْنَرَ ـ في ضوء هذا ـ ماذا تعني البداوة لنعرف من خلال سلب معناها معنى الحضارة .
يقول المعجم : البداوة : هي الإقامة في البادية 2 .
و على أساس منه ، و في ضوء ما ذكرنا ، عرّف المعجم الحضارة بالإقامة في الحاضرة أو الحضر 3 .
و يعرّف المعجم العربي الحضر بأنه : المدن و القرى و الأرياف 4 .
و تعلل تسمية الإقامة في المدن و القرى و الأرياف بالحضارة ـ كما يستنتج من التعريفات المعجمية ـ لأن أهلها حضروا الأمصار و سكنوا الديار التي يكون لهم بها قرار .
و بالمقابلة فالبداوة تعني التنقّل و الترحّل في البادية .
و عليه : فإننا إذا حاولنا أن نستخدم لغة الجغرافيا الحديثة ، نقول : الحضارة تعني الاستقرار الاستيطاني ، و بخلافها البداوة فإنها تعني عدم الاستقرار الاستيطاني .
و في التعبير المعجمي المتقدّم ( لهم بها قرار ) ملمح إلى هذا المعنى .
و من المعلوم ـ تاريخيًا ـ أن من أهم معطيات الاستقرار الاستيطاني ، أو بالأحرى : أن من أهم مستلزماته ، هو التمدّن .
فهذا الملمح الذي أشرتُ إليه يشير إلى المعنى الحديث للحضارة الذي هو التمدّن .
و قد يكون لطريقة الاختصار التي التزمها المعجميون العرب القدامى في تعريفاتهم لمعاني الألفاظ تأثير على ذلك .
و الحضارة بهذا المعنى تعطي أنها مرحلة متقدّمة من مراحل التطوّر الإنساني ، وصل إليها الإنسان بعد أن قطع أكثر من مرحلة في طور البدائية و البدوية .
و من أبرز من أشار إلى مراحل تطوّر الجنس البشري هو العالم الأنثروبولوجي لويس موركن في كتابه عن ( المجتمع القديم ) الذي نشره في عام 1877 م ، و الذي عنونه بـ ( بحوث في التقدّم البشري منذ عهد التوحّش و هلال فترة البربرية إلى فترة المدنية ) ، فقد قسّم المراحل إلى ثلاث ، هي :
1ـ مرحلة التوحّش ، و هي مرحلة الجمع و الصيد .
2ـ المرحلة البربرية ، و هي مرحلة الزراعة المستقرّة .
3ـ مرحلة المدنية ، و هي المرحلة التي اخترع فيها الإنسان حروف الكتابة ، و عرف الكتابة فانتقل بها من المرحلة البربرية الأمّية إلى بداية التمدّن .
و من أهم عناصر و مقوّمات التمدّن :
1ـ العقلانية في التفكير .
2ـ الخلقية الفاضلة في السلوك .
3ـ العمران الفنّي في التصميم و الإنشاء .
4ـ استثمار موارد الطبيعة زراعيًا و صناعيًا .
5ـ إنشاء المؤسسات الثقافية .
و من هنا أضافت المعاجم اللغوية العربية الحديثة هذا العنوان لدلالة الحضارة .
ففي ( الهادي ) : « الحضارة : خلاف البداوة ، و يقال : فلان من أهل الحضارة ، أي من سكان المدن و القرى .
و الحضارة في معناها الحديث هي التمدّن » 5 .
و في ( الصحاح : معجم اللغة و العلوم ) : « الحضارة Civilization : ضد البداوة ، و تقابل الهمجية و الوحشية ، و هي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني .
( و ) جملة مظاهر الرقي العلمي و الفني و الأدبي التي تنتقل من جيل إلى جيل في مجتمع أو مجتمعات متشابهة » 5 .
و يقول البروفسور دينكن ميتشيل Pr . Duncan Mitchell في ( معجم علم الاجتماع ـ ترجمة د . الحسن ) ـ ص 67 ط2 ـ : « إن جميع التعاريف الأنثروبولوجية لاصطلاح الحضارة تأثرت بطريقة أو أخرى بتعريف البروفسور إدوارد تايلر Edward Tylor للحضارة » ، الذي عرف بأنه « اهتمّ بدراسة الحضارة البشرية أكثر من اهتمامه بأي موضوع آخر » 6 .
عرّف تايلر الحضارة : « بأنها ذلك الكل المعقّد الذي يتكوّن من مجموعة المعتقدات و الأفكار و الآراء و القيم و المقاييس و المعارف و الفنون و الفلسفة و الأديان و القوانين و الأخلاق و جميع القابليات و المهارات التي اكتسبها الإنسان من مجتمعه » 7 .
و يمكننا أن نعرف الحضارة بتعريف آخر يجمع التعريفين القديم و الحديث و باختصار ، و ذلك بأن نقول : الحضارة : هي التوطّن .
فهو يقابل البداوة لأنها لا توطّن فيها ، ذلك أن البدوي في البادية في تنقّل دائم لالتماس مواضع النجع حيث مساقط الغيث و منابت الكلأ ، و لأن التوطّن تستتبعه اللوازم التي ذكرتها في أعلاه كعناصر للتمدّن .
و هنا لابدّ من الإشارة ـ تمهيدًا للموضوع أيضًا ـ إلى أن علماء الاجتماع و كذلك علماء الأنثروبولوجي ينقسمون إلى فريقين في المقارنة بين مفهوم الحضارة و مفهوم المدنيّة ، و بالتالي بين مفهومي التحضّر و التمدّن ، فريق يرادف بينهما ، فالحضارة ـ في رأيه ـ هي المدنيّة ، و المدنيّة تعني الحضارة ، و فريق يفارق بينهما ، و منه ما ذهب إليه بعضهم حيث عرّف الحضارة بذلك « الكل المعقّد الذي يشمل المعرفة ، المعتقدات ، الفنون ، الأخلاق ، و القوانين و العادات التي اكتسبها الإنسان من مجتمعه .
أما المدنيّة فهي جميع المنجزات أو مجموعة الإنجازات التي تميّز طابع الحياة في المدينة المنظّمة أو الدولة المنظّمة » 8 .
كما حاول الدكتور ألفريد فيبر Alfred Weber التمييز بين الحضارة و المدنيّة ، فقال : « من الضروري التمييز بين ثلاث عمليات ، و هي : عملية المجتمع ، عملية المدنية ، و عملية الحضارة .
فالعملية الاجتماعية لها نتائج تنعكس في إنتاج أنواع مختلفة من البنيات الاجتماعية التي لها أصل واحد و طريقة واحدة في التغير من شكل لآخر . . فالعائلة ـ مثلاً ـ تتحوّل في جميع المجتمعات الإنسانية من عائلة ممتدة إلى عائلة نووية 9 .
بعملية المدنية يعني الدكتور فيبر نمو فروع المعرفة ، و تقدّم سبل السيطرة الفنية على القوى الطبيعية ، ذلك التقدّم المتماسك الذي له نظام منتظم ينتقل من شعب لآخر .
أما عملية الحضارة فإنها لا تسير في خط واضح المعالم ، كما تسير عملية المجتمع و عملية المدنية .
فالحضارة لا يمكن أن تفهم إلاّ إذا درست دراسة تاريخية تقتفي تطوّر أجزاء الحضارة و علاقتها الواحدة بالأخرى » 8 .
و قد نستطيع أن نقول ـ بعد أن عرفنا أنّ كلاًّ من الحضارة و المدنيّة مرحلة متقدّمة في تطوّر المجتمع البشري ـ إن التقدّم الإنساني يقوم على دعامتين ، هما :
1ـ التقدّم في الجانب الثقافي : الفلسفة و الأدب و الفن .
2ـ التقدّم في الجانب التقني : الآلة و العمران و استثمار الطبيعة .
و لنا أن نسمي الأول الجانب الحضاري ، و نسمي الثاني الجانب المدني ، فنعرّف و نميّز بين الحضارة و المدنيّة .
و إذا أردنا الاختصار بالعبارة نقول :
ـ الحضارة هي الجانب المعنوي للحياة .
ـ و المدنيّة هي الجانب المادي للحياة .
في ضوء هذه التّفرقة نستطيع أن نتعرّف الفرق بين واقع حضارتنا الإسلامية المعاصرة ، و واقع الحضارة الغربية المعاصرة ، و بيسر و وضوح .
و سيأتي هذا فيما بعد ، على أن أسمح لنفسي بأن أستعمل كلمة ( الحضارة ) قبل الوصول إلى مفترق الطريقين بين الحضارتين بمعناها العام ، و الشامل لمعناها الخاص و معنى المدنيّة الخاص .
كما ينبغي أن نضع في عرفاننا و حسباننا أن الحضارات تتفاوت فيما بينها ، فلكل حضارة :
ـ نطاقها Aired
ـ و طبقاتها Couches
ـ و لغاتها Languages
و في هدي هذا التفاوت نستطيع أن نتميّز الحضارة الإسلامية من سواها .
و من المعلوم أن الحضارة الإسلامية نشأت في بداياتها الأولى في المدينة المنورة ، و تمثّلت في التالي :
1ـ العقيدة الإسلامية ، التي هي ـ في واقعها ـ نظرة عقلانية عن الكون و الحياة و الإنسان .
2ـ التشريع الإسلامي ، الذي هو نظام حياة الإنسان المسلم فردًا و مجتمعًا و دولةً .
3ـ النظام الأخلاقي الإسلامي ، الذي يرتفع بسلوك الإنسان المسلم إلى مستوى الفضيلة ، و ربطه بمبدأ الخير الأسمى ، و هو رضا الله تعالى .
4ـ الدولة الإسلامية ، التي هي تطبيق لما تقدّم في واقع حياة المسلمين .
و قرأنا ـ تاريخيًا في أمثال سيرة ابن هشام ـ أن الرسول ( ص ) قام بإبرام أكثر من معاهدة ، و بعث السفراء السياسيين و الآخرين الثقافيين ، و أشاد المساجد ، و جعلها مواضع تعبّد و تهجّد ، و مراكز تعليم و تعلّم .
إلى أعمال أخرى كثيرة ذكرها مؤرخو السيرة النبويّة .
و كانت هذه هي التجربة الأولى و الرائدة للحضارة الإسلامية ، و قد بدأت من نقطة الصفر ، و في مجتمع غير مؤهّل التأهيل الكافي للنهوض بها ، و لولا قدرة النبي محمد ( ص ) الفائقة على التربية الخلاّقة و المبدعة لما استطاعت هذه التجربة أن تخرج من الامتحان في تحدياته الصعبة و المرّة بنجاح و نصر نموذجيين في مستواها من حيث تحقيق الغاية المنشودة .
و في العصر العبّاسي حيث ازدهرت الحضارة الإسلامية في مختلف المجالات الفكرية و العملية كانت التجربة الثانية .
ففي مجال الفكر كانت الفلسفة الإسلامية إلى جانب الفلسفات الأخرى التي استقبلها المسلمون عن طريق الترجمة ، و أقبلوا على دراستها للإفادة منها ، و على نقدها لتصويب ما يفتقر منها إلى تصويب .
و كان في مقدّمة الفلاسفة المسلمين الإمام جعفر بن محمد الصادق ( ع ) ، و حفيده الإمام علي بن موسى الرضا ( ع ) ، و حفيده علي بن محمد الهادي ( ع ) ، و أبو يوسف الكندي و أبو نصر الفارابي و ابن سينا و الغزالي و الخواجة الطوسي و غيرهم .
و من غير شكّ أن الفلسفة من أبرز معالم الرقي الفكري .
و كان إلى جانب هذا نشوء و تطوّر العلوم الإسلامية كالقراءات و التفسير و الحديث و الفقه و الكلام و أصول الفقه و سواها .
و كذلك نشوء و تطوّر علوم اللغة العربية كالنحو و الصرف و البلاغة و العروض و أصول اللغة و خلافها .
و بلغ الأدب العربي ـ في هذا العصر ـ بشعره و نثره قمّة مستواه الفني .
و مثله الفن و في كل مجالاته .
و أيضًا نضجت في هذا العصر علوم الطب و الصيدلة و الفلك و الرياضيات و غيرها .
و في العمران و ما يعبّر عنه من تصميمات هندسية رائعة يكفينا شاهدًا آثار العباسيين في بغداد و الفاطميين في القاهرة و الأمويين في الأندلس .
و في إطار التقييم لهذه التجربة الثانية للحضارة الإسلامية تعدّ من أروع التجارب الحضارية المتفوِّقة .
و إلى هنا ، و من الآن سأستخدم كلمتي حضارة و مدنيّة بمفهوميها الخاصين ، و سأستعمل بدل كلمة حضارة بمعناها العامّ كلمة تقدّم .
بعد سقوط الدولة العبّاسية مُنيَ التقدّم الإسلامي بشيء من الركود في الجانب الحضاري ، و بشيء غير قليل من الجمود في الجانب المدني .
و استمرّ الوضع هكذا بين مدٍّ خفيف و جزرٍ عنيف ، حتّى بدايات القرن العشرين الميلادي حيث سقطت الدولة العثمانيّة ، و سيطر الغربيون على معظم البلاد الإسلامية ، و جاء دور غزو الحضارة الغربية ، و قد استفاد الغربيون كثيرًا من الوضع الإسلامي الحضاري و المدني في ضعفه الذي آل إليه ، فازداد المدّ ضعفًا و الجزر عنفًا ، و أصبح المسلمون يعيشون ضغوط الغزو الغربي ، و يعيشون أفاعيله في التغيير من واقع حضارتنا لصالح حضارته ، و في محاولاته الصريحة و الجريئة لطمس معالم الحضارة الإسلامية .
و حتّى النصف الثاني من هذا القرن العشرين حيث بدأ المسلمون يكافحون هذا الغزو الحضاري الغربي بتحريك ذلك الركود الذي أشرت إليه في أعلاه ، و ذلك بإنشاء المؤسسات الثقافية ، و محاولة الاستفادة من الوسائل و الأساليب الغربية في إعادة بناء الحضارة الإسلامية وفق متطلّبات المعاصرة .
و في الربع الثاني من هذا النصف الثاني نشط المسلمون في محاولة اختراق الحضارة الغربية في مواقعها الممنعة و مراكز انطلاقاتها القوية و هي البلدان الغربية ، فأنشأوا فيها المؤسسات الثقافية .
و منذ سنوات قليلة ، و بخاصّة بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران ، احتدم الصراع فكريًا و سياسيًا و اقتصاديًا بين الحضارتين الإسلامية و الغربية .
و هنا يأتي دور المقارنة لنعرف واقع كل من الحضارتين الآن و من بعد ذلك نتعرّف مدى إمكانية الحضارة الإسلامية في الصمود و التقدّم .
في الواقع الراهن لكل من الحضارتين شيء من التوازن ، و هذا ـ بدوره ـ يعطي الحضارة الإسلامية القدرة على الصمود ، و القدرة على التقدّم ، و من ثم القدرة على التحدّي الفاعل .
من غير شكّ أن الغربيين يتفوّقون مدنيًّا سواءً في التكنولوجيا في مجاليها التقني و الصناعي أم في اقتصادياتها في عالمي الشركات الكبرى في الصناعة و الزراعة و التجارة و العمران ، و عالم البنوك و مؤسسات النقد العالمية .
و من غير شكّ أنهم أصيبوا بشيء غير قليل من الوهن في الجانب الحضاري ، فحقوق الإنسان لم تعد هي حقوق الإنسان المعروفة في كل بلدانها و مناطق نفوذها ، و السمات الخلقية الفاضلة بدأت تتلاشى ، و ما انتشار تجارة المخدرات ، و ارتفاع نسب الطلاق ، و نسب الإجهاض ، و شيوع الأمراض الناشئة عن التحلل الجنسي كالإيدز ، و كثرة سرقات السطو المسلّح ، و أمثالها ، إلاّ بعض شواهد لهذا .
و في الجانب الإسلامي ، كذلك ، و من غير شكّ ، يعاني المسلمون من نقص في التكنولوجيا ، فالصناعات الثقيلة لا تزال قليلة ، إلاّ أن التحرّك إليها سريع ، و الشركات العالمية الكبرى تكاد تكون مفقودة ، و التحرّك إليها بطيء .
و لكن إلى جانب هذا يملك المسلمون من ثروات الطبيعة الخام المعدّة للتصنيع الشيء الذي يتجاوز حدود الوفاء بتموين احتياجات التصنيع ، أمثال : النفط و احتياطياته و مشتقّاته ، و المياه و التربة الخصبة الصالحة للزراعة ، و المعادن الأخرى كالحديد و الذهب و الفضّة و الماس و النحاس و الرصاص و الفحم و الفوسفات و اليورانيوم و الرمل الزجاجي . . و إلخ .
وكذلك لديهم المراعي و المواشي الثروة الموفرة .
و بالنسبة إلى استراتيجيات العالم الإسلامي فإنه يحتلّ موقعًا ممتازًا بين مناطق العالم :
ـ فأكثر الدول الإسلامية تطل على أهم طرق المواصلات البحرية في العالم بعضها على المحيط الأطلسي ، و بعضها على البحر الأبيض المتوسط ، و بعضها عليهما معًا ، و بعضها على البحر الأحمر ، و بعضها على الخليج الأخضر .
ـ و يتحكّم العالم الإسلامي بأهم الممرات المائية ، أمثال : مضيق جبل طارق ، و مضيق هرمز و مضيق باب المندب ، مضيق البوسفور ، مضيق الدرنيل ، و ممر ملقا ، و ممر بنتلاريا ( قوصرة ) ، و قناة السويس .
ـ و يتمتّع العالم الإسلامي بموقع ذي أهمّيّة كبيرة بالنسبة لخطوط الطيران الدولية ، حيث يمرّ معظمها بسماء الدول الإسلامية .
ـ كما أن مساحة دول العالم الإسلامي تبلغ ـ مجتمعة ـ 32 مليون كيلومتر مربع ، أي بما يزيد على مساحة الولايات المتحدّة الأمريكية و دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي .
و باختصار ، إن الموازنة بين واقعي الحضارتين تنتج :
1ـ أن الغربيين يتفوقون مدنيًّا لأنهم يملكون الصناعات الثقيلة و الشركات العالمية الكبرى و المؤسسات الثقافية المنتشرة ، للبحث و الإنتاج الفكري ، أكثر مما هو لدى المسلمين .
2ـ إلاّ أنهم ـ أعني الغربيين ـ يتأخرون حضاريًا لأنهم لا يمتلكون الفلسفة التي تربط الإنسان بخالقه فتعطيه رواء الروح و استقرار النفس ، كذلك لا يملكون الإلزامات الأخلاقية .
يضاف إليه : أن الأحداث السياسية و العسكرية أبعدتهم عن المحافظة على حقوق الإنسان التي نادوا بها و دعوا إليها .
و أن الحيرة في مستقبل ما ينبغي أن يكون عليه النظام تلفّهم لفًّا فكريًا قلقًا .
3ـ أمّا المسلمون فيتفوّقون حضاريًّا لأنّهم يمتلكون الفلسفة التي تربط الإنسان بخالقه فتمنحه غذاء الروح و هدوء النفس و الأمل الثابت بالانتصار ﴿ … إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ 10 .
كذلك لديهم النظام الأخلاقي الإلزامي الذي يضبط سلوك الإنسان فيعطيه التوازن في تصرّفاته بما يحفظ له حقوقه و يلزمه بعدم الاعتداء على حقوق الآخرين .
كذلك عندهم التشريع العادل .
4ـ غير أنهم يفتقدون القدر الكافي من المدنيّة .
إلاّ أنهم بدأوا يتحركون في استكمال متطلّبات المدنيّة لاستكمال جميع وسائل و أساليب التقدّم .
بعد هذا : إن الرصيد الذي يمتلكه المسلمون ـ اليوم ـ و المتمثّل في :
ـ فهمهم لواقعهم و واقع غيرهم .
ـ إدراكهم بأن لديهم الثروة الطبيعية التي يمكنهم اعتمادها في تحقيق التقدّم و التفوّق على من سواهم .
ـ علمهم بالتجربة الرائدة الناجحة لحضارتهم الإسلامية .
ـ و عيهم بفروق التشريع بين الإسلام و غيره في مجال تحقيق العدالة الإنسانية .
ـ إيمانهم بأن من ينتصر لله ينتصر الله له .
ـ إن هذا الرصيد الضخم هو الذي وضع المسلمين الآن موضع الصمود أما مختلف التحديات الغربية و التصدّي لها .
إن هذا الرصيد الضخم هو الذي دفع المسلمين الآن إلى أن يخطوا هذه الخطوات المسرعة في استكمال كل متطلبات التقدّم .
ففي حساب المعادلات السياسية : إن المسلمين ـ الآن ـ يتحرّكون للارتفاع إلى مستوى القدرة الفاعلة و مستوى الإرادة المصممة إلى تحقيق التفوّق في الجانب المدني أيضًا .
بينما لا نجد عند الغربيين أي تحرّك نحو انتشال الواقع الحضاري مما تردّى إليه ، لأن الإفراز الفكري لديهم لا يزال ينحو نحو السير على رقبة الإنسان الضعيف .

العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي

 

الهوامش:
1. انظر : محيد المحيط و المعجم الوسيط و الهادي إلى لغة العرب و غيرها ، مادة : حضر .
2. الهادي ، مادة : بدا .
3. م . ن .
4. انظر : المعجم الوسيط و المعجم العربي الحديث لاروس ، مادة : حضر .
5. a. b. مادة : حضر .
6. معجم علم الاجتماع 247 .
7. م . س . 247 ـ 248 .
8.  معجم علم الاجتماع 46 .
9. العائلة الممتدة : هي العائلة المنفردة التي لا تشكّل لبنة أو نواة في بناء المجتمع ، و بخلافها العائلة النووية التي هي لبنة أو نواة في تكوين البنية الاجتماعية .
10. القران الكريم : سورة محمد ( 47 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 507 .

التعليق


*