تدنّي القراءة عند العرب.. هل من حلّ؟!

| تحقيقات |

تدنّي القراءة عند العرب.. هل من حلّ؟!
يقرأ الفرد في أرجاء العالم العربي سنويّاً ربع صفحة فقط، ولا يتعدَّى معدَّل القراءة عربيّاً ستّ دقائق في السّنة، بينما يبلغ متوسّط قراءة الفرد الأوروبي نحو 200 ساعة سنويّاً، ومعدّل ما يقرأه الأمريكي 11 كتاباً، والبريطاني 8 كتب.

هذا ما أظهره تقرير الأمم المتّحدة حول عادات القراءة في العالم، وتقرير آخر أصدرته مؤسّسة الفكر العربي.

هذه الأرقام وإن كانت مخيفةً بعض الشّيء، فهي تبرز مدى التصحّر الفكريّ الّذي وصلنا إليه في عالمنا العربيّ، بعد أن كان المصدّر الأكبر للعلوم والمعارف.

فما هي أسباب هذا التدنّي في المستوى الثقافيّ للفرد العربيّ؟ وما هي الآثار المترتّبة على الانحدار المستمرّ لنسبة القراءة؟ وهل هناك من حلّ؟

الأميَّة، الفقر، غياب السياسات التشجيعيّة والتحفيزيّة من قبل المعنيّين، تطفو على واجهة الأسباب التي تحول بين القارئ والكتاب، بينما يحلّ غلاء الكتب وانخفاض عدد المكتبات العامّة في المرتبة الثّانية، حيث تغيب عادة القراءة لدى الشباب العربيّ، وتنحصر قراءاته في المقرّرات المدرسيّة والمناهج التعليميّة.

الأميَّة العربيَّة

في تقرير “يونسكو” عن اليوم العالمي لمحو الأميّة العام الماضي (2015)، نجد في العالم العربيّ واحداً من كلّ خمسة بالغين يعاني الأميَّة، أي أنّ ما نسبته 19 في المئة أميّون.

إضافةً إلى الأرقام السّابقة، هناك 5 ملايين طفل في سنّ التعليم الابتدائي لا يزالون خارج أسوار المدرسة، ونسبة 60% منهم من الفتيات. هذا ما كشفه تقرير آخر أعدّته المنظّمة، يتناول الأوضاع التعليميّة في العالم العربي للعام 2015.

لا بدَّ من دقِّ ناقوس الخطر الثقافيّ العربيّ، فالقراءة تأتي في المرتبة الأخيرة في لائحة اهتمامات المواطنين العرب، الّذين يعيش الكثير منهم وضعاً اقتصاديّاً صعباً، حيث إنّ أغلب مجتمعات العالم العربيّ تعاني الفقر. والعلاقة بين الفقر والأميّة علاقة مترابطة، كما أنَّ النّزاعات والحروب الّتي ترزح تحت وطأتها الشّعوب العربيّة، تساهم بشكلٍ ملحوظٍ في شلل الحالة الثقافيَّة في المنطقة.

هنا يتجلّى دور الدّولة الكبير في تنشيط عادة القراءة لدى أبناء المجتمع، وذلك عن طريق تشجيع الدّراسات والبحوث العلميّة ودعمها، تزويد المراكز الحكوميّة بالإصدارات الثقافيّة المختلفة، إقامة معارض الكتاب، تأسيس المكتبات المتنقّلة والثابتة المجّانية في المدن وأماكن التجمّعات، ضبط أسعار الكتب… هذه الحلول وغيرها، من الواجب على الدّول العربيّة اتخاذها في مواجهة هذا التصحّر الذي ينتشر بين أبنائها كالنّار في الهشيم، قبل أن يعود بهم الزّمن إلى العصر الجاهليّ!

مسؤوليَّة مَن؟!

لا بدَّ من التوجّه إلى الفرد، والتّشديد على أهميّة القراءة كنافذة وعي تضيء عقول البشر، وهذه الرّسالة التي جاء بها الإسلام هي رسالة العلم والمعرفة، إذ إنّ أوّل آية نزلت على النبيّ(ص) هي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق: 1].

القراءة فعل مكتسب موروث من المحيط، لذلك لا بدّ من الانطلاق من الأسرة، فالكاتب الرّوماني وخطيب روما، شيشرون، يقول: «بيت بلا كتب، جسد بلا روح». وللأهل دور أساس في تشجيع أطفالهم على المطالعة، إلّا أنَّ التّشجيع على القراءة له أسلوبه، وأسوأ الطّرق المتّبعة، هي دفعه إلى الإحساس بأنّ القراءة فرض واجب يخلو من المرح. والمرحلة المفصليَّة في تعليم الأطفال هي مراحل التّعليم المبكرة، حين يتحوّل الطفل من تعلّم القراءة إلى القراءة من أجل التعلّم. من المهمّ وضع مكتبة في المنزل، فهي تسهم مساهمةً فاعلةً في جذب الأبناء نحو الكتاب، والأهمّ أن يقوم الأبوان بالقراءة أمام أطفالهم، حتى يرثوا منهم حبّ القراءة.

إضافةً إلى الأسرة، يظهر فشل الأنظمة التربويّة في المدارس، والّتي ما زالت تعتمد أسلوب التّلقين والحفظ، بعيداً عن الأساليب الجديدة التي تحفِّز الطالب على امتلاك مهارات التّحليل والنّقد، هذه الأساليب الّتي تفرض علاقة سيّئة مع الكتاب، وتخلق نفوراً لدى التّلميذ يرافقه خلال دراسته، وبالتالي يبتعد عن المطالعة ولا يراها سوى واجبٍ إضافيّ.

بالقراءة ترتفع الأمم

الكتاب هو طوق النَّجاة لأمَّتنا، فالقراءة تعظ العاقل وتنبِّه اللَّبيب، وتفتح أبواب العلم والمعرفة، وتوسِّع دائرة الفكر، لنتوصَّل من خلاله إلى النظريّات والاختراعات الّتي تسهم في رفع المكانة العلميّة لأوطاننا بين الأمم. هلمّوا بنا نخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم.

“إذا أردت أن ترى منزلة أمّـة من الأمم من الحضارة، وتقِـيس حظّـها من الثّقافة، فانظر إلى منزِلة القراءة فيها، وموضوعها من سلّـم اهتماماتها”، مقولة تبرز خسارتنا الفادحة، فأزمة القراءة الّتي يشهدها الواقع العربيّ الإسلاميّ هي أزمة عميقة في الثّقافة، تتداخل فيها العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي أدّت إلى تكريس التبعيّة والاستهلاك على حساب الإبداع والإنتاج المعرفيّ، ما أدَّى إلى تهميش دور الكتاب وتقليص عدد القرّاء.

 

التعليق


*