فلسفة الحضارة عند العلامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي

القي هذا البحث في المؤتمر الذي أقامه مركز ابن إدريس الحلي في شهر نيسان (ابريل) عام 2014 في النجف الأشرف في العراق حول (تجليات التجديد الفكري من السيد محمد باقر الصدر الى العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي).
القي هذا البحث في المؤتمر الذي أقامه مركز ابن إدريس الحلي في شهر نيسان (ابريل) عام 2014 في النجف الأشرف في العراق حول (تجليات التجديد الفكري من السيد محمد باقر الصدر الى العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي).
أُلقي هذا البحث في الملتقى الفكري الأول الذي أقامه مركز ابن إدريس الحلي في شهر نيسان (أبريل) عام 2014 في النجف الأشرف في العراق حول (تجليات التجديد الفكري من السيد محمد باقر الصدر الى العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي).

بقلم: د. ابراهيم العاتي

في اوائل التسعينيات من القرن الماضي وتحديدا عام 1993 اقام قسم الدراسات والبحوث في الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية في لندن، وبالتعاون مع مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط في جامعة لندن، مؤتمرا عن موضوع مهم بدأ يطرح بقوة في تلك الأيام، وهو عن الحضارة المعاصرة، هل هي في حوار ام صراع؟ وقد اثير هذا الموضوع في ضوء انهيار العالم الشيوعي، وما حققه الحلفاء من نصر سهل في حرب الخليج الثانية على جيش صدام المنهك في حرب السنوات الثمانية ضد ايران، فذهب بعضهم امثال هنتنغتون وفوكوياما الى صراع الحضارات ونهاية التاريخ، وذهب آخرون الى حوار الحضارات. فأين يقف المسلمون من هذه التطورات؟

وقد كتب الشيخ الفضلي بحثه هذا ليتضمنه الكتاب الذي كان سيصدر عن ذلك المؤتمر. وقد طرح فيه جملة افكار جوهرية عن امكانية تفوق المسلمين مدنيا (*).

ويمهد الشيخ الفضلي لبحثه بتعريف مصطلحي الحضارة والمدنية فيقول: إن علماء الاجتماع والانثروبولوجي ينقسمون الى فريقين في المقارنة بين مفهوم الحضارة ومفهوم المدنية، وبالتالي بين مفهوم التحضر والتمدن، فريق يرادف بينهما، فالحضارة- في رأيه- هي المدنية، والمدنية تعني الحضارة، وفريق يفارق بينهما، ومنه ما ذهب اليه بعضهم حيث عرف الحضارة بذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة، المعتقدات، الفنون، الاخلاق، والقوانين والعادات التي اكتسبها الانسان من مجتمعه… اما المدنية فهي جميع المنجزات او مجموعة الإنجازات التي تميز طابع الحياة في المدينة المنظمة او الدولة المنظمة.
والحق ان هذا التمييز بين مفهومي الحضارة والمدنية يعود للفيلسوف الالماني (شبنغلر) الذي جلاه بشكل واضح في كتابه (سقوط الغرب)، وخلاصته ان الحضارة تختص بالجانب الروحي والفكري والديني والنشاط الفني المبدع، بينما تختص المدنية بجوانب التقدم التكنولوجي والصناعي والاقتصادي والعمراني وما شابه. ويرى شبنغلر ان الحضارة حينما تبلغ مرحلة المدنية فانها تدخل فصل الشتاء وتكون آيلة للسقوط بسبب جفاف منابعها الروحية. وعلى الرغم من ان الشيخ الفضلي لم يشر الى شبنغلر على وجه التحديد ولكنه اعتمد على مصادر علماء الاجتماع والانثربولوجيا الذين يمتلكون الرؤية نفسها للحضارة أمثال ماكس فيبر والفريد فيبر.
وبعد هذا التمييز بين الحضارة والمدنية يخلص الشيخ الفضلي الى ان الحضارة والمدنية مرحلتان متقدمتان في تطور المجتمع البشري، وان التقدم الانساني يقوم على دعامتين، هما:
1- التقدم في الجانب الثقافي: الفلسفة والعلم والادب والفن
2- التقدم في الجانب التقني: الآلة والعمران واستثمار الطبيعة
وباختصار فالحضارة هي الجانب المعنوي للحياة، والمدنية هي الجانب المادي للحياة.
يرى العلامة الفضلي ان الحضارة الاسلامية نشأت في بداياتها الأولى في المدينة المنورة، وتمثلت في التالي:
أ- العقيدة الإسلامية، التي هي – في واقعها- نظرة عقلانية عن الكون والحياة والانسان.
ب- التشريع الاسلامي، الذي هو نظام حياة الانسان المسلم فردا ومجتمعا ودولة.
ج- النظام الاخلاقي الاسلامي، الذي يرتفع بسلوك الانسان المسلم الى مستوى الفضيلة، وربطه بمبدأ الخير الأسمى، وهو رضا الله تعالى.
د- الدولة الاسلامية، التي هي تطبيق لما تقدم في واقع حياة المسلمين.
وفي العصر العباسي حيث ازدهرت الحضارة الاسلامية كانت التجربة الثانية.
ففي مجال الفكر كانت الفلسفة الاسلامية الى جانب الفلسفات الأخرى التي استقبلها المسلمون عن طريق الترجمة، وأقبلوا على دراستها للافادة منها، وعلى نقدها لتصويب ما يفتقر منها الى تصويب.
والى جانب ذلك تطورت العلوم الاسلامية الاخرى كالقراءات والتفسير والحديث والفقه واصول الفقه وسواها. كما نضجت في هذا العصر علوم الطب والصيدلة والفلك والرياضيات وغيرها.
واستمر الامر بين مد وجزر حتى بدايات القرن العشرين حيث سقطت الدولة العثمانية، وسيطر الغربيون على معظم البلاد الاسلامية عسكريا واقتصاديا وثقافيا، وبقي الامر هكذا حتى النصف الثاني من القرن العشرين حيث بدأ التحرر من تلك الهيمنة. وبعد قيام الثورة الاسلامية في ايران، احتدم الصراع فكريا وسياسيا واقتصاديا بين الحضارة الاسلامية والغربية.
وهنا يأتي دور المقارنة المقارنة لنعرف واقع كل من الحضارتين الآن، وبعد ذلك نتعرف مدى امكانية الحضارة الاسلامية في الصمود والتقدم.
فالغربيون يتفوقون مدنيا سواء في التكنولوجيا في مجالها التقني والصناعي ام في اقتصادياتها في عالمي الشركات الكبرى في الصناعة والزراعة ..الخ، لكنهم اصيبوا بشيء بوهن في الجوانب المعنوية والخلقية والروحية.
اما المسلمون فيعانون من ضعف في الجانب المدني (تكنولوجيا، صناعات ثقيلة، شركات عالمية كبرى، ..الخ). ولكنهم يملكون من الثروات الطبيعية والمواد الخام الكثيرة مما يؤهلهم للتقدم المدني. كذلك الموقع الاستراتيجي المهم للعالم الاسلامي.
ثم يخلص الشيخ الفضلي في الموازنة بين واقعي الحضارتين الى أن الغربيين يتفوقون مدنيا لأنهم يملكون الصناعات الثقيلة والشركات العالمية الكبرى والمؤسسات الثقافية المنتشرة للبحث والانتاج الفكري، اكثرمما هو لدى المسلمين. لكنهم يتأخرون حضاريا لانهم لا يمتلكون الفلسفة التي تربط الانسان بخالقه، فتعطيه رواء الروح واستقرار النفس، كذلك لا يملكون الالزامات الاخلاقية.
أما المسلمون فيتفوقون حضاريا لأنهم يمتلكون الفلسفة التي تربط الانسان بخالقه فتمنحه غذاء الروح وهدوء النفس والأمل الثابت بالانتصار (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، كذلك لديهم النظام الاخلاقي الالزامي الذي يضبط سلوك الانسان فيعطيه التوازن في تصرفاته بما يحفظ له حقوقه ويلزمه بعدم الاعتداء على حقوق الآخرين. كذلك عندهم التشريع العادل، غير انهم يفتقدون القدر الكافي من المدنية، لكنهم بدأوا يتحركون لاستكمال متطلباتها.
وبناء على كل ما تقدم فان الرصيد الروحي والمادي يمكن المسلمين من الارتفاع الى مستوى القدرة الفاعلة ومستوى الارادة المصمم الى تحقيق التفوق في الجانب المدني ايضاً.
اما الغربيون فلا يوجد عندهم اي تحرك نحو انتشال الواقع الحضاري مما تردى اليه، لأن الفكر السائد لديهم لا يزال ينحو نحو الهيمنة والسير على رقبة الانسان الضعيف.
لقد طرح الشيخ الفضلي تلك الافكار قبل اكثر من عشرين عاماً، فهل تحققت توقعاته في ان يحقق المسلمون تفوقا او مجرد تقدم في الجانب المدني؟ ان الواقع الذي يعيشه المسلمون لا يؤيد ذلك، فقد اضحت دولهم وتجمعاتهم –باستثناء فئات قليلة- اسيرة حروب مذهبية وطائفية تستنزف جل طاقاتها المادية والمعنوية، ولا تترك لها مجالاً لتحقيق اي تقدم على صعيد الحضارة او على صعيد المدنية.
لكن تاريخ الامم يثبت ان التقدم الحضاري لا يسير بخط مستقيم وانما تنتابه حالات من النكوص والتدهور، غير انها تبقى عابرة ومؤقتة في معيار الزمن، خاصة اذا كانت اسبابها قد زرعت من قبل جهات معادية لا تروق لها وحدة المسلمين وارتقاؤهم في سلم الحضارة. ولذا تبقى توقعات العلامة الفضلي صحيحة الى حد بعيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بحث مخطوط لدى الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية (لندن)

 

التعليق


*