عرض كتاب (الإسلام على مفترق الطّرق)

ktab

لطالما شكَّل السّؤال الحضاريّ الّذي طرحه كثير من المفكّرين المسلمين: لماذا تأخّرنا وتقدم الآخرون، الإشكالية الأساسيّة التي يطرحها ليوبولد فايس، في كتابه “الإسلام على مفترق الطرق”، في محاولةٍ لدرس سبب التخلّف الذي يغرق فيه المسلمون، وعدم قدرتهم على شقّ طريقهم وأخذ مكانهم بين الأمم، رغم أنهم كانوا لسنوات طويلة روّاد الحضارة الإنسانيّة والتقدّم.

وفايس، هو كاتب وصحفي وديبلوماسي ومفكّر يهودي اعتنق الإسلام وغيّر اسمه إلى محمّد أسد، وقد ولد فى الإمبراطورية النمساويّة العام 1900، وتوفّي فى إسبانيا العام 1992م.

يؤكّد محمد أسد فى كتابه أنّ الأمّة الإسلاميّة أشبه بإنسانٍ انقطع به السّبيل فى مفترق طرق، وأمامه لافتة مكتوب عليها “إلى المدنيّة الحديثة”، فإن سار فى تلك الطّريق، انقطع عن ماضيه وتاريخه، ولافتة مكتوب عليها “إلى حقيقة الإسلام”، وإن انتهج دربها، يستعيد مجد هذه الأمّة، كما يمكنه أن يتوقّف مكانه، وبالتالي سيموت جوعاً.

يُعتبر محمد أسد أحد أكثر مسلمي أوروبّا فى القرن العشرين تأثيراً، حيث اهتمّ بمتابعة أوضاع الأمّة الإسلاميّة منذ قرون، في محاولةٍ لمعرفة سبب تخلّفها، بحثاً عن الخروج من “التيه التّاريخي” الّذي سقطت فيه، وكلّما حاولت الهروب منه فشلت في ذلك.

ويعتبر أسد أنّ السبيل للخروج من التيه، هو استعادة الإسلام مرّة أخرى، دون أن نتأثّر بالحضارات الباهرة، أو محاولة التقريب بينها وبين الإسلام، فالإسلام فلك مستقلّ بذاته، ونظام اجتماعيّ استثنائي، لا يمكن أن ينحاز أو يتأثّر بالاشتراكيّة تارة، أو الرأسماليّة تارة أخرى، فإنّ وحدانيّة الله “لا إله إلا الله” التي يؤكّدها هذا الدين، يؤكّد معها وحدانيّة الإسلام. “لقد تحقّقت أنّ ثمة سبباً واحداً فقط للانحلال الاجتماعي والثقافي بين المسلمين، ذلك السّبب يرجع إلى الحقيقة الدالّة على أنّ المسلمين أخذوا شيئاً فشيئاً يتركون اتباع روح التعاليم الإسلاميّة، فنتج من ذلك أنَّ الإسلام ظلَّ بعد ذلك موجوداً، ولكنَّه كان جسداً بلا روح”.

إنّ الإسلام -كما يعتبر أسد –  بخلاف سائر الأديان، “هو فلك ثقافيّ مستقلّ، ونظام اجتماعيّ واضح الحدود. فإذا امتدّت مدنيّة أجنبيّة بشعاعها إلينا وأحدثت تغييراً في جهازنا الثقافي – كما هي الحال اليوم – وجب علينا أن نتبيّن لأنفسنا إذا كان هذا الأثر الأجنبي يجري فى اتجاه إمكانيّاتنا الثقافية أو يعارضها، وما إذا كان يفعل فى جسم الثقافة الإسلاميّة فعل المصل المجدّد للقوى أو فعل السّم”… “فالإسلام ليس عقيدة صوفيّة ولا هو فلسفة، ولكنّه نهج من الحياة حسب قوانين الطبيعة التى سنّها الله لخلقه، وما عمله الأسمى سوى التوفيق التامّ بين الوجهتين الروحيّة والماديّة في الحياة الإنسانيّة”.

ثم يقول الكاتب: “ما دام المسلمون مصرّين على النظر إلى المدنية الغربية على أنها القوة الوحيدة لإحياء الحضارة الإسلامية الراكدة، فإنهم يدخلون الضّعف على ثقتهم بأنفسهم، ويدعمون بطريقة غير مباشرة ذلك الزّعم العربى القائل بأنّ الإسلام “جهد ضائع”. وفى هذا العالم المملوء بالآراء الجديدة المتصادمة والتيارات الثقافية، لا يستطيع الإسلام أن يظلّ شكلاً أجوف. لقد انقضى نومه السّحريّ الذى دام أجيالاً، فيجب أن ينهض أو أن يموت. إنَّ المشكلة التي تواجه المسلمين اليوم، هي مشكلة مسافر وصل إلى مفترق طرق: إنه يستطيع أن يظلّ واقفاً مكانه، ولكن هذا يعني أنّه سيموت جوعاً، وهو يستطيع أن يختار الطّريق التى تحمل فوقها هذا العنوان: نحو المدنية الغربية، ولكنّه حينئذٍ يجب أن يودّع ماضيه إلى الأبد، أو أنّه يستطيع أن يختار الطّريق الّتي كتب عليها: إلى حقيقة الإسلام. إن هذه الطريق وحدها هي التي تستميل أولئك الّذين يعتقدون بماضيهم، وباستطاعتهم التطوّر نحو مستقبل حيّ، من خلال العودة إلى كتاب الله وسنّة رسوله(ص)”.

كتاب جدير بالقراءة والتأمّل في أفكاره، وخصوصاً في ظلِّ التدهور المستمرّ الّذي يشهده المسلمون حضاريّاً.

حسين السيّد

إنّ الآراء الواردة في هذا التّقرير، لا تعبِّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنَّما عن وجهة نظر صاحبها. 

 

RelatedPost

التعليق


*