الإصلاح ومشروع الصدر النهضوي

104-1

إن مشروع الإصلاح الداخل ديني يختلف في آلياته ومنهجياته عن ذلك الإصلاح الخارج ديني , والتصدي للمشاريع الإصلاحية يتطلب قراءة لمعطيات الواقع من جهة وملاءمتها مع الآليات الأصلح في تحقيق الهدف من مشروع الإصلاح من جهة أخرى.

لا تبنى مشاريع الإصلاح على نظرية الصدمة مطلقا ، ولا على الإصلاح المرحلي والمتدرج مطلقا ، فالمنهج القرآني قد واءم في آلياته الإصلاحية سواء التغييرية أو الثورية الانقلابية بين معطيات الزمان والمكان وتلك الآليات لتحقق الأهداف الإلهية في ارتفاع القابليات وأوعيتها ووعيها ، إلا أنه مارس الصدمة في مشروعه لكنها ممارسة محسوبة بدقة تناسبت مع المرحلة وحققت الأهداف ونقلت الوعي نقلة نوعية اتسعت بها القابليات لتلقي الحقيقة .

فردود الأفعال لا تعتبر خطوات إصلاحية لأنها تحمل في داخلها مشروع أزمة , بل تحمل أسباب فشلها وعدم تحقيقها للأهداف, بينما المشاريع التي تطرح كبديل حضاري متماسك وفق حجج وأدلة جذرية ، والمشاريع التي تصنع الحدث وتكشف زيف المحيط بدون مواجهة بل وفق قاعدة ” منطقهم الصواب ” ,هي مشاريع إصلاحية قادرة على الصمود في وجه أعتى الرياح العصية ، لكننا إلى الآن لم نلحظ ولادة هكذا مشاريع أو أنها ولدت ووئدت في مهدها لموت صاحبها أو لعدم أمانه من توارث تلك المشاريع . أو لوجود خلل في معالجة المواضيع التي تحتاج واقعا تغيير وإصلاح أو وجود خلل في الآليات والمنهجيات في العمل الإصلاحي برمته.

أو اعتماد المشروع الإصلاحي على رد فعل وليس على معالجة جذرية تقوم بمعالجة الخلل في ذهنية الناس وتقدم لهم منهجا في كيفية التعاطي مع الدين ووسائل معرفته وتنمي لديهم حس المسؤولية لتحمل الأمانة الإلهية في استخلافهم في الأرض وتوضح لهم دورهم الوظيفي ومسؤوليتهم في معرفة عقائدهم وآليات ومنهجيات بناء العقيدة , ليتحولوا من مقلدة للرجال إلى بحاثة يميلون أينما مال الدليل فمن أدخله الرجال إلى الدين أخرجه الرجال من الدين ما يروى في الأثر.

إضافة إلى حاجتنا لقراءة تاريخ المصلحين ومشاريعهم الإصلاحية وآلياتها وأدواتها ومدى تغييرها للواقع وأسباب فشلها إن فشلت , كون ذلك يساعدنا في الاستفادة من تجاربهم ومعرفة نقاط الضعف والخلل لعدم الوقوع في مثيلاتها.

بل نحتاج أيضا استنطاق القرآن لمعرفة منهجه في الإصلاح وقراءة مسيرة الأئمة في مواجهة الانحرافات والخرافات والتحريفات والتلفيقات لجسد الدين والشبهات لمعرفة أيضا المنهج في التغيير والإصلاح لدى الأئمة.

فمشروع الإصلاح من وجهة نظري هو مشروع فعل وليس ردود فعل حتى لا تزيد خسائرنا ونزداد انكفاءا على الذات من جهة ويزداد الضعف من جهة أخرى , لأن لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه في الاتجاه,فأي محاولة حقيقية اليوم يجب أن تصب على معالجة ما كشفته مشاريع الإصلاح السابقة من خلل وإعادة بناء صحيحة وهادئة وتتنوع بين التدرج من جهة والصدمة والدفعية من جهة أخرى, لكن وفق دراسة دقيقة لكل طريقة وتوقيت استخدامها لتكون فاعلة وناجزة ومحققة لأهداف الإصلاح المنشودة.

فمحاولة هدم ما هو موجود قبل تشييد بناء رصين هي محاولة لإخراج الناس من الدين أفواجا,لأن الإصلاح الداخل ديني يتطلب دقة عالية ودخول في داخلياته لإعادة بناء المفاهيم والأفكار والعقول وأثناء هذا البناء سيذهب الزبد جفاء تلقائيا وستلفظه العقول وترفضه, أو بطرح بدائل حقيقية وواقعية دون مواجهة ما هو موجود بحدية وطريقة احترابية وإنما طرح بديل أكثر منهجية وعقلانية يفرض وجوده على الساحة العلمية ولو بعد حين , فيتم لفظ القديم من ذاتياته.

 حركة الشهيد المجدد محمد باقر الصدر الإصلاحية كانت هادئة من خلال طرحه لمنظومات فكرية جديدة في التعاطي مع المواضيع الفقهية ومع القرآن,فطرح التفسير الموضوعي كمكمل للتفسير ألتجزيئي دون أن يقوض هذا البناء, وطرح الأسس المنطقية للاستقراء كونه ناقدا قويا للمنطق الأرسطي إلا أنه استخدمه كأداة في كثير من أبحاثه الفقهية والأصولية والعقلية والفلسفية ولكنه طرح بديلا كمشروع قادر على تحقيق أهداف أكثر مواءمة ومواكبة للعصر.

كان منهج السيد الشهيد محمد باقر الصدر رض يعتمد على بناء مشروع نهضوي يضع الإسلام في مصاف الجهات الريادية القادرة على الإجابة عن التساؤلات العصرية الكبرى.

فكان اقتصادنا وفلسفتنا ورسالتنا وغيرها من المشاريع التي طرحت نفسها أمام مشاريع الغرب الفكرية، وناقشت قضايا كبرى تشكل ثغرات في جسد هوية الأمة الإسلامية ومسلماتها وثوابتها.

ورغم وجود كثير من المناهج المطروحة في التصدي لمنتج الغرب الفكري، إلا أن الشهيد الصدر كما وصفه الاستاذ في حوزة النجف مازن المطوري في مجلة الاستغراب : القاعدة التي انطلق منها الصدر في تعاطيه مع نتاج الغرب لا تتضمن أزمة هوية، وإنما ينطلق من مسلمة أن الانتاج المعرفي الداخلي هو السييل الوحيد والصراط السوي لتحقيق هويتنا، وأن التعاطي النقدي والحواري مع فكر الآخرين هو الذي يجتاز عقدة الشعور بالدونية أمامهم . ففي تشخيص الصدر أن أزمة المعرفة في العالم الإسلامي تكمن في غياب الإنتاج الداخلي الذي يحقق الذات، فضلا عن استيراد مناهج الآخرين ورؤاهم المنتَجَة ضمن الإطار المناسب لمناخاتهم.

الاستغراب – مدخل إلى منهج لنقد الغرب – مازن الماطوري – ص ١٢٢

فقد تم التعاطي مع الغرب وأفاقه الفكرية ضمن عدة انتجاهات :

  • الرفض التام لكل نتاجه الفكري والفلسفي والانكفاء على الذات واتباع منهج التبرير .
  • القبول لكل نتاج الغرب الفكري والفلسفي بطريقة التبعية المطلقة .
  • طريقة الترقيع والمواءمة بين بعض افكار الغرب ونصوص الاسلام حيث قام أصحاب هذا المنهج غالبا بتطويع النص وترقيعه ليتواءم مع نظرية غربية في مجال ما.
  • ردود فعل على أفكار غربية استطاعت عمل اختراقات في الساحة الاسلامية وامتلكت قدرة على اقناع كثير من المسلمين بها فهزت وجدانهم الداخلي وخلخلت حوائط عقائدهم .

إلا أن منهج الشهيد الصدر كان يرتكز على إظهار اقتدار الاسلام وإعادة حضوره الواعي من خلال استخراج مشاريع نهضوية بمنهج قراءة للنصوص يحاكي إشكاليات العصر .

فكان مشروعه النهضوي الذي أعاد حضور الاسلام بقوة في ساحات الانتاج الفكري والمنازلات العقلية القادرة على إبراز القدرة والمكنة والريادة.

بل استطاع الشهيد الصدر أن يبرز “الأنا” الاسلامية ليس تحت ضغط أزمة الهوية، بل من خلال الاعتداد بالذات وتقديمها كنموذج ريادي، ونقد الآخر نقدا علميا منهجيا وإبراز ضعفه الفكري والفلسفي من خلال هذا النموذج الريادي النهضوي.

“وكان السيد الشهيد في تعاطيه مع فكر الغرب لم يجد حرجا في إعلان منهج الإسلام العام وطريقته في التفكير هي الطريقة العقلية، على الرغم من أن المعرفة الغربية في العصور المتأخرة شهدت كسادا في المنهج العقلي فيما صادر التمركز باتجاه المنهج التجريبي، كما ولم يجد حرجا في إعلان مفهوم حضارتنا عن العالم والوجود مفهوم إلهي، بالرغم من أن توجها كبيرا في الغرب انتهى من تأليه الإنسان إلى مسألة موت ( الإله) .” مصدر سابق

فالشهيد محمد باقر الصدر لم يكون تلفيقيا ولا توفيقيا في منهجه الذي تعاطى به مع الغرب كما هو حال كثير من المفكرين المسلمين، بل كان تأصيليا نقديا، أسس للنظريات الإسلامية في المجالات التي طرحها الغرب كنقاط ضعف في جسد فهم المسلمين للإسلام، ومن خلال هذا التأصيل المنهجي أظهر نقده للغرب من خلال إبراز نقاط ضعفه القاتلة والتي بانت تهافتاتها عند الصدر من خلال منهجه النقدي التأصيلي.

لقد اعتمد الصدر منهحا نقديا حواريا ابتعد فيه عن عقدة الهوية والإحساس بالدونية حيث امتثل قول الله تعالى : ” قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى  أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” سبأ – ٢٤

بين الحضارتين ( الشرق والغرب)

طبعا هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين هي القاعدة والبنية الفكرية لكلاهما والتي على أساسها يتم البناء والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف .

“إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية  والاقتصادية . فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية . فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرساله التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة” الشهيد محمد باقر الصدر – رسالتنا

ويقول في مورد أخر ” الافكار التي تتكون منها كل حضارة ذات رسالة تخضع لمقاييس تلك الرسالة وتتجنب مناقضتها سواء أكانت مستنبطة منها أم لا”

وهو ما يوضح مسألة مهمة جدا ان منشأ المعرفة الغربية مادي فلسفيا فبالتالي كل ما يترشح عنه يكون مبنيا على هذا الأساس لأنه يعتبر الحس والتجربة فقط مصدره للوصول للحقيقة وهما بطبيعة الحال مصدران محدودان لا يمكن احاطتهما باللامحدود.

ويذكر أيضا الشهيد تصنيفا رائعا في السنن القرآنية لعناصر المجتمع بين الغرب والاسلام في كتابه السنن القرآنية ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر

الأول: الإنسان

الثاني : الأرض أو الطبيعة على وجه عام

الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان

ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان

الأولى صيغة رباعية

والثانية صيغة ثلاثية

الصيغة الرباعية

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في إطار المجتمع وإنما خارج عن إطار المجتمع وتعتبر هذا الطرف – أي الصيغة الرباعية – مقوما من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية

وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف.

والطرف الرابع هنا هو المستَخْلَف أي الله

الصيغة الثلاثية

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع

تجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع اي الله.

هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة ، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه، أما ذو التركيبة الثلاثية التي غيبت الله فالانسان هو محورها ومصادر معرفته حددناها بالحس والتجربة وبالتالي لكم أن تتخيلوا ماذا سيترشح عن هذا الانسان المحدود .

مع التأكيد هنا على توصيف الحالة وليس تقييمها لان هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.

ومن هذا الفهم انطلق الشهيد السيد محمد باقر الصدر في خوض غمار مشروعه النهضوي في التأسيس لنظريات إسلامية تنتقل بالاسلام من فقه الأحكام إلى فقه النظريات، يقدم الاسلام كنظام شامل للحياة وفيه إجابات تأسيسية على الاشكاليات الحالية والقادمة، لما يحمله من ثوابت وما يؤكد عليه من دور العقل في استقراء الواقع على ضوء هذه الثوابت .

إيمان شمس الدين

التعليق


*