يوم الغدير: الولايةُ الحقَّة في خطِّ عليّ(ع)

%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%aa-%d9%85%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%871

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(1).

ويقول سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(2).

ويقول عزّ وجلّ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(3).

يوم الولاية

وهكذا نلتقي بذكرى يوم الغدير، يوم الولاية بمعناها الروحيّ والحركي والثقافي والتأريخي الّذي لا يتجمّد في زمن معيّن، ولكنّه يمتد امتداد الحياة.

هذا اليوم هو الّذي استجاب فيه رسول الله(ص) لأمر الله له، بأن يبلّغ الولاية التي تمثّل القاعدة التي ينطلق فيها الإسلام من جديد، في امتداده في خطّ الدعوة والحركة والثقافة والجهاد، تماماً كما كانت النبوّة انطلاقةً لانفتاح الإسلام على العالَم.

ونحن لا نريد أن ندخل في مفردات ما حدث، ولكنّنا نريد أن نقف وقفة تأمّل في كلّ تأريخ عليّ(ع) مع رسول الله(ص)، فقد نخرج بنتيجة أنّ رسول الله(ص) أوحي إليه ـــ إذا جاز التعبير ـــ وحياً روحيّاً ونفسيّاً قبل الرسالة، ووحياً رساليّاً بعد الرسالة، أن يعدّ عليّاً الإعداد الذي يجمع له فيه كلّ العناصر التي تجعله امتداداً لرسول الله في كلّ شيء إلاّ النبوّة.

فكيف نفهم ذلك؟ كيف نفهم أنّ المسألة لم تكن مفاجأة بالنّسبة إلى الرسول(ص)، ولم تكن حدثاً لا ينتظره، بل كانت معنى يعيشه ويتطلَّع إليه في المستقبل.

تعهّد عليّ(ع) طفلاً

فلم تكن صدفةً أن يختار النبيّ عليّاً في طفولته الأولى ليربّيه، ولم يختر أخوته الآخرين، وقد كان له أكثر من أخ، فلقد اختار عليّاً من بين إخوته واحتضنه، وكان رفيقه في صباه، يذهب حيث يذهب، ويجلس حيث يجلس، وكان يلقي إليه منذ الطفولة في كلّ يوم خلقاً من أخلاقه ـــ كما يقول عليٌّ نفسه عن تلك المرحلة ـــ وكان يربّيه على صورته، ونستطيع أن نفهم من صفتَيْ الصدق والأمانة اللّتين كانتا عنوان رسول الله(ص)، أنّهما عنوان عليّ(ع) أيضاً.

ففي حديث الإمام الصّادق(ع)، وقد جاء أحد أصحابه وقال له: “علّمني شيئاً أبلغ به الحظوة عندك”، قال: “انظر إلى ما بلغ به عليّ من الحظوة عند رسول الله فافعله، فإنّه بلغ ذلك بالصّدق والأمانة”(1). كان يربّيه ليكون على صورته، وكان يعلّمه أن يتأمَّل كما كان(ص) يتأمّل، وأن يتعبّد كما كان هو يتعبّد، وكان عليّ(ع) تلميذاً رائعاً وبارّاً، حيث يقول: “كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه”، فلا يبتعد الفصيل عن أمّه، وإنّما يخطو بخطواتها، ولقد كان عليّ كذلك، يقتفي أثر النبيّ(ص)، اتّباعاً في الفكر، واتّباعاً في التأمّل والروّح والخلق والعادات والسّلوك.

ابنُ الإيمان

لذلك نستطيع أن نقول إنّ طفولة عليّ(ع) الواعية المنفتحة كانت صنع رسول الله(ص)، فلم يؤمن عندما دعاه النبيّ للإيمان إيمان الأطفال، كما يحاول بعض المؤرّخين أن يقول، بأنّ أوّل مَن آمن من الأطفال عليّ، فطفولة عليّ(ع) كانت طفولةً شابّة، ذلك أنّ طفولة الطفل هي طفولة وعيه لا طفولة سنّه، فهناك من الأطفال مَن هم شبّان في وعيهم وعقلهم، وهناك من الشيوخ مَنْ هم أطفال في عقلهم ووعيهم، فالطفولة الجسديّة لا تستتبع دائماً الطفولة العقليّة، فما بالك والمعلّم هنا رسولُ الله(ص)، وما أعظمه من معلّم!

فعندما دعا(ص) عليّاً إلى الإسلام، كان الإسلام في عقله معنى قبل أن يكون ديناً بالمعنى الانتمائي، لأنّ الإسلام كان يعيش في عقل رسول الله(ص) وروحه وإحساسه وشعوره قبل أن يرسله الله برسالته، فلقد أعدَّه الله تعالى للرسالة، فجعل رساليّته في عقله وإحساسه قبل أن يقول له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}(1).

وهكذا نجد أنّ بعض رواة السيرة ينقلون أنَّ عليّاً سئل: “هل استشرت أباك عندما آمنت برسول الله؟”، فقال: “إنّ الله لم يستشر أبي عندما خلقني”(2)، فكيف أستشير أبي وأنا أريد أن أؤمن بالله وبرسوله وبرسالته ـــ إنَّ هذا الكلام ـــ على فرض صحّة الرّواية ـــ يدلّ على وعي للمسألة في كلّ أبعادها الفكرية والروحية.

ثم انطلق عليّ(ع) مع رسول الله(ص) بعد الرسالة كمسلم مسؤول عن حماية رسول الله، كما جاء في بعض كتب السيرة، وكان الرسول(ص) يرعاه في عمليّة الإعداد كما يحدّثنا عن نفسه، فما من آية تنزل إلاّ وعليّ أول من يسمعها، وأوّل من تتلمذ على رسول الله في معناها وآفاقها ومجالاتها، فهو يذكر في بعض أحاديثه في (نهج البلاغة)، أنّه كان يسمع رنّة الوحي عندما كان يأتي إلى رسول الله(ص)، كما حدَّث رسول الله عن ذلك بقوله لعليّ(ع): “إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى”(3).

الإعداد المتعدّد الجوانب

وكان الإعداد ثقافياً وروحياً، حيث بقي عليّ(ع) ملازماً لرسول الله(ص)، فعندما كان النبيّ يذهب إلى المسجد الحرامن كان عليّ(ع) يصلّي خلفه عن يمينه، وخديجة تقف خلفهما، حتى جاء أبو طالب وقال لجعفر: يا بنيّ، صِل جناح ابن عمّك. فلم يفارق عليٌّ(ع) رسول الله(ص) في عبادته، وكان يقول إنّ أوّل بيت في الإسلام هو البيت الذي ضمّه وضمّ رسول الله وخديجة، وليست المسألة العائليّة هي التي كانت تربط أفراد هذا البيت، بل هي المسألة الإسلاميّة التي يتحمّل الجميع مسؤوليّاتها: رسول الله(ص) بالدّعوة، وخديجة(رض) بمالها ورعايتها لرسول الله(ص)، وعليّ(ع) بإعداد قوّته ليشهر سيفه دفاعاً عن الإسلام، وعقله دفاعاً عن الحقّ، وحركته في الخطّ الّذي ينطلق منه وإليه، ولقد عرفنا أنَّ رسول الله(ص) أعطاه سرّه في الهجرة، وأراده أن يعبّر عن إخلاصه وتضحيته ليغطّي على  غيبته، فبات عليّ في فراشه، بعد أن اطمأنّ لا إلى سلامته هو، ولكن إلى سلامة رسول الله(ص)، وكان الوحيد الذي ائتمنه رسول الله(ص) على أن يؤدّي ودائعه إلى النّاس.

بطل الغزوات

وجاء إلى المدينة، وكانت التجربة الحربية في انتظاره؛ تجربة (بدر)، وتجربة (أُحُد) و(الأحزاب) و(حُنَين) و(خيبر)، وقد جعلته في الواجهة والصّدارة في كلّ تلك الحروب، فكانَ له ما لم يكن لغيره فيها من النّتائج الكبيرة الّتي أعطت الفتح للإسلام وللمسلمين، وكان رسول الله(ص) يتحدَّث عن جهاد عليّ(ع) في مواطن شتّى، فنحن نقرأ هتاف “لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار”، ونقرأ في معركة (الخندق): “برز الإيمان كلّه إلى الكفر كلّه”(1) ونقرأ: “ضربة عليّ خير من عبادة الثّقلين”(2)، ونقرأ كذلك: “لأعطِيَنَّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه”، ما يدلّ على أنَّ رسول الله(ص) كان في كلّ معركة من معارك الإسلام، يحاول أن يؤكِّد دور عليّ الطّليعيّ العظيم في عمليّة النصر.

تلميذ الرّسول(ص)

وكان يتثقّف على يديّ رسول الله(ص)، حتى قيل إنّ نساء النبيّ(ص) كنّ يغرن من عليّ، لأنّه كان يشغل رسول الله عنهنّ، عندما يتناجيان أو يتشاوران في أمر، حتى قال عليّ(ع) وهو يتحدّث عن تجربته الثقافية مع رسول الله(ص) وتتلمذه على يديه: “علّمني رسول الله ألف باب من العلم، يُفتَحُ لي من كلّ باب ألف باب”(3). وقد رعاه رسول الله(ص) في عقله وروحه وحركته وزهده وإخلاصه للإسلام، وانفتاحه على الواقع الإسلاميّ كلّه، لأنّه مكّنه من أن يرى ويسمع ما يسمع، ويتحرَّك مع النبيّ في كلّ التّجارب التي مرّت عليه، وبهذا كان نفسه، لأنّه كان صورةً عنه، ورسول الله(ص) هو الّذي صنع هذه الصّورة على صورته، ونستطيع أن نستوحي ذلك من مسألة خاصّة، وهي أنّ النبيّ(ص) عندما آخى بين المسلمين، ترك عليّاً بلا أخ، فسأله عليّ عن ذلك، فقال رسول الله: “أَمَا ترضى أن تكون أخي؟!”، وآخاه في الله، فكانت أخوّتهما تعني أن ليس هناك من المسلمين مَن هو في مستوى أن يكون أخاً لرسول الله، ذلك أنَّ الأخوَّة بينهما كانت أخوّة عقل، وأخوّة روح، وأخوَّة إخلاص، وأخوّةً لله ولرسوله، وأخوّة انفتاح على الإسلام والمسلمين. وإذاً فهو صنعته وهو صورته، وكان لطفُ الله الّذي يفيض على رسول الله(ص) يفيض على عليّ(ع)، ليعيش الكمال كأفضل ما يكون الكمال، وهذا هو ملمحٌ من ملامح صورة الإعداد النّبويّ لعليّ.

حديث النّبيّ عن عليٍّ

وأمّا الصّورة الثّانية، فإنّ رسول الله(ص) لم يتحدَّث عن صحابيّ كما تحدّث عن عليّ(ع)، فهل المسألة عاطفية لأنّه ربّاه، أو لأنّه ابن عمّه وأبناء عمومته كثيرون؟ أو لأنّه صهره؟ وإذا صحَّ أن يكون لرسول الله بنات، فعليّ ليس الصّهر الوحيد.

كما أنّ النبيّ(ص)، وبنصّ القرآن {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(1)، فليس لرسول الله(ص) هوى بالمعنى الشّخصيّ للهوى، بل إنَّ هواه هو هوى رسالته وخطِّه وإخلاصه لربّه وانفتاحه على كلّ رضوان الله سبحانه وتعالى.

فلماذا إذاً يؤكِّد رسول الله(ص) الحديث عن عليّ(ع)، فيقول: “أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها”(2)، ويقول: “أنتَ وليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة”(3)، ويقول: “عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ”(4)، ويقول: “أما ترضى بأن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي”(1)، ومنزلة هارون من موسى عبّر عنها القرآن بقوله تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}(2).

فلماذا كلُّ هذا الحديث، وأصحاب رسول الله كثر، مع كلّ احترامنا للصّفوة الطيّبة منهم. فما هو تفسير هذه المسألة؟ وهل إنّ رسول الله(ص) أراد للمسلمين أن يحبّوا عليّاً في الجانب العاطفي؟ تلك مسألة لا تحتاج إلى كلّ هذا الجهد، فعليّ يمكنه أن يفرض حبَّه على كلّ مَن عرفه، فبإزاء إمكاناته الروحيّة والثقافيّة والجهاديّة والحركيّة، لا يملك الإنسان إلاّ أن يحبّه، إلاّ مَن كان في قلبه مرض.

لا أحد يساوي عليّاً

إنّنا لا نستطيع إلاّ أن نحبّ عليّاً.. كن شيعيّاً أو سنيّاً أو مسيحيّاً، كن أيّ شيء، فإنّك لا تملك إذا تطلّعت إلى عليّ في جميع آفاقه الروحية وإخلاصه وجهاده وعلمه، إلاّ أن تخشع أمام هذه الشّخصيّة التي من الصّعب أن تجد شخصيّةً بعد رسول الله تملك ذلك كلَّه، ولذلك قال الشّاعر المسيحي (بولس سلامة):

يا سماء اشهدي ويا أرضُ قُرّي

واخشعي إنّي ذكرتُ عليّا

فأنتَ تحبُّ عليّاً إذا كنت تملك عقلاً منفتحاً وقلباً منفتحاً ووعياً للإنسانيّة، وهذا أمرٌ لا يحتاج إلى وصيّة قرآنيّة أو نبويّة، فأنتَ تشعر بنفسك وقلبك ومشاعرك تتّجه إليه لتحتضنه بكلّ عاطفة وحبٍّ، فلم يكن رسول الله(ص) يريد أن يحبّ النّاس عليّاً (هكذا)، ولغرض عاطفيّ، لأنّ الّذين في قلوبهم مرض لا يحبّون رسول الله(ص)، بل ولا يحبّون الله، وأمّا مَن ليس في قلبه مرض، فلا بدّ من أن يتّجه نحو الحقيقة الصّافية.

لهذا نفهم أنَّ رسول الله(ص) كان يريد أن يعدّ عليّاً في عقول المسلمين، من خلال أنّه الشّخص الّذي يملك العلم كلّه، والّذي ارتبط الحقُّ به ارتباطاً عضويّاً، بحيث لا يمكنك أن تجد أيّة ثغرة بين الحقّ وبين عليّ، ما يجعله تجسيداً للحقّ، فكما يمكن أن تنظر إلى صورة الحقّ الفكرية بعقلك، يمكنك كذلك أن تنظر إلى صورة الحقّ العملية متمثّلة بعليّ(ع) بعينك.

فعندما يكون شخص بهذا المستوى وهذه المنزلة، وعلى جميع الأصعدة، ففي القضاء على سبيل المثال، يقول رسول الله(ص): “عليٌّ أقضاكم”(1)، وسبقت الإشارة إلى بعض أحاديث الجهاد، فمن كلّ ذلك نفهم أن ليس هناك شخص في المسلمين يساوي عليّاً، ولا نريد أن نغمط حقّ أحد ممّن له حقّ.

احتياجُ الكلّ إليه

وبناءً على ذلك، فإنَّ بيعة الغدير أمرٌ طبيعيٌّ جدّاً، فلقد جاء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}(2)، فقد أنزل إليك ــــ يا رسول الله ــــ بلاغٌ من ربّك أن تؤكّد ولايته، فالولاية ليست حكماً شرعيّاً يمكن أن يؤجَّل أو ينسى، بل هي قضيّة الإسلام كلّه، الّذي يراد له أن يتحرّك في قيادة جديدة، تكون في كلّ مجالاتها وآفاقها امتداداً للقيادة النبويّة، حتى تبقى المسيرة منطلقة.

فثمَّة فرق بين أن يكون أحدٌ خليفةً لحاكم يقود النّاس ليقود وضعهم الإداريّ أو الرسميّ، فهذه مسألة ليست من المسائل الّتي تحتاج إلى شخص فوق العادة، إنّما تحتاج إلى شخص له إمكانات مناسبة وغير استثنائيّة، أمّا في مسألة الدّين الإسلاميّ، فإنّ الله أرسل رسوله بهذا الدّين، وأنزل عليه القرآن، من أجل أن يدخل الإسلام في عقول النّاس وفي قلوبهم، وليقوم عليّ من بعده بالصّفاء نفسه الذي كان يعيشه رسول الله، وبالفهم نفسه أيضاً، وبالانفتاح والأُفق الواسع نفسهما، وبالأخلاق نفسها، ليكمل المسيرة.

لذلك نلاحظ أنّ المشركين لم يتركوا النبيّ(ص) يمضي في تنفيذ خطّته في توعية المسلمين وتعميق الإسلام في نفوسهم ونشر الإسلام في كلّ المجالات.

فلقد كان المطلوب أن يكون هناك قائد يملك أن يكمل حركة الرسالة، وأن يكون له العلم الذي يستطيع أن يجيب به كلّ أحد عن سؤاله، كما كان رسول الله(ص) يجيب كلّ سائل عن سؤاله، وأن يكون الإنسان الّذي لا يحتاج في مواجهة التحدّيات إلى أحد، بل يحتاج إليه كلّ الناس في المسائل الثقافية على الأقلّ، وهذا ما عبّر عنه (الخليل بن أحمد الفراهيدي)، عندما قيل له: لِمَ قدّمت عليّاً؟ فقال: “احتياج الكلّ إليه، واستغناؤه عن الكلّ، دليلٌ على أنّه إمام الكلّ”، فلم يعهد أنّ علياً سأل أحداً مسألة، بينما يعرف الجميع أنه حتى الخلفاء الذين تقدّموه كانوا يحتاجون إليه.

فنحن نقرأ في التاريخ قول الخليفة الثاني: “لولا عليّ لهلك عمر”(1)، وقوله: “لا أبقاني الله لمعضلةٍ ليس لها أبو الحسن”(2)، ممّا يرويه كلّ المسلمين.

لذلك كان الأمر يحتاج إلى شخص يجسّد الإسلام عقلاً وروحاً وقوّة وحركةً وانفتاحاً وإخلاصاً، فلم يكن ثمّة شخص بمستوى عليّ، لذلك كانت الولاية تتطلَّب أن يكون هناك إنسان هو نفس رسول الله(ص) في كلّ ما تعيشه نفسه، ففي آية المباهلة: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}(3)، فعليٌّ كان يمثّل نفس رسول الله، لذلك قال تعالى: {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، فكأنّك لم تصنع شيئاً بدون ذلك، وهو الرسول الذي بلّغ كلّ الرّسالة التي أنزلت إليه، ولم يترك شيئاً، فلا بدَّ من أنّ إهمال هذا الأمر يساوي عدم تبليغ الرسالة وتركها في مهبّ الرّيح.

ولذلك قال تعالى: {وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} الذين قد يقولون لقد ولّى ابن عمّه وصهره، ممّا يمكن أن يثيره المنافقون والكافرون يومذاك.

فأمَرَ الناس، كما رواه السنّة قبل الشّيعة، وصحّحه الكثيرون من علمائهم، بالنّزول في وقت قائظ شديد الحرّ، وكانوا يبلغون مائة ألف وأكثر، وقال لهم: “أيّها الناس، إنّه يوشك أن أدعى فأجيب”(1)، ثمّ قال: “ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟” قالوا: اللّهمّ بلى، قال: اللّهمّ اشهد، وقوله: “أولى بالمؤمنين”، دليل حاكمية الرسول {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}(2)، فللنبيّ صفتان: صفة المبشِّر والنّذير {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(3)، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً}(4)، وصفة الحاكميّة التي أشارت إليها الآية السّابقة، فما ذكره(ص) إيحاء بحاكميّة عليّ(ع) .

ثمّ قال: “هل بلّغت؟ اللّهم اشهد”، ثمّ بعد ذلك قال: “مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدر الحقّ معه حيثما دار”(5).

الولاية تعني الحاكميّة

إنّنا نفهم من هذا، أنّه أراد أن يقول: مَنْ كنت مولاه ـــ بمعنى الحاكميّة ـــ فعليّ وليّه، والدّليل على ذلك هو هذه المقدّمة، لأنّه ليست لها مدخلية في الموضوع لو لم تكن كلمة المولى تعني مسألة الولاية في معنى الحكومة، ثم أتبع ذلك بقوله: “اللّهمّ والِ مَن والاه”، فهو يتحدّث عن الحاكم الّذي يحتاج إلى النصرة وإلى عدم الخذلان، ويحتاج إلى أن يكون الحقّ معه في جميع حالاته.

إنّنا نؤكّد ذلك، لأنّ البعض حاول أن يفسّر “مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه”، أي مَن كنت أحبّه فهذا عليّ محبّه، ومَن كنتُ ناصره فهذا عليّ ناصره، لكنّنا نرى أنّ هذا لا يحتاج إلى كلّ هذا الاجتماع وكلّ هذا الجهد وكلّ هذه المعاناة التي عاناه المسلمون، ولا يحتاج أيضاً إلى أن يدعو رسول الله(ص) لمن نصره بالنّصرة ولمن خذله بالخذلان، وأن يتحرّك على أساس أن يدور الحقّ معه حيثما دار، وعندما أكمل رسول الله كلّ هذه المراسم، ونصب خيمته حيث بويع عليّ، نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(1).

وانطلق الضّبابُ والغيوم والغبار من هنا وهناك، من تشكيك المنافقين ـــ ممّا اعتادوه ـــ في محاولة منهم لتضييع الحقيقة، وإرباك الوضع، وإثارة الاستفهام، وهي محاولات لم تتوقّف عند عصر النبيّ(ص)، وقد عاني منها عليّ(ع)، إلى درجة أنّه اضطرّ معها أن يشهد بين الحين والآخر الصّحابة ممّن سمع النبيّ(ص) وشهد يوم الغدير، في مواجهة كلّ هذا الضّغط، وكلّ هذه المحاولات الّتي وإن فشلت في تحقيق مرامها، وتغييب هذا اليوم العظيم من أذهان المسلمين، إلاّ أنّها حاولت على الأقلّ أن تربك الوضع العام فيما بعد، ممّا بقي أثره إلى اليوم.

الولاية الحقّة في حياتنا

عندما نريد ـــ أيّها الأحبَّة ـــ أن نؤكّد الولاية الحقّة في خطّ عليّ(ع) والأئمّة من أهل بيته، فإنّما نريد أن نقول إنّ علينا من خلال هذا الاقتناع وهذا الالتزام، أن لا ننطلق في عمليّة فتنة أو تفرقة بين المسلمين، فلنا التزامنا الّذي نؤمن به بكلّ عمق وبكلّ يقين، وللآخرين ما يلتزمون به، وقد أمرنا الله أنّنا إذا تنازعنا في شيء، فإنّ علينا أن نردّه إلى الله وإلى الرّسول، لنتحاور ونرى ماذا قال الله وماذا قال رسول الله، ولنقرأ بعد ذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(2).

إنّنا نعرف أنَّ مسألة الولاية أساسية، وهي بالنّسبة إلينا من الناحية العمليّة، أن نأخذ بفكر عليّ الّذي هو الفكر الصّافي في الإسلام، وأن نأخذ بجهاد عليّ وبروحانيّة عليّ، وأن نأخذ بشجاعة عليّ وإخلاص عليّ وصبر عليّ(ع) ووعي عليّ لقضيّة الإسلام والمسلمين، وعلينا أن لا نعمل على إرباك الواقع الإسلاميّ كلّه بالفتنة وبالتّنازع وبالتّحاقد، في الوقت الذي ينطلق الاستكبار العالمي من جهة، والصّهيونيّة من جهة أخرى، وهما متحالفان تحالفاً استراتيجياً، من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين.

الارتفاع إلى مستوى عليّ

في مثل هذه الظروف، علينا أن نرتفع إلى مستوى موقف عليّ(ع) الّذي رأى أنَّ المصلحة الإسلاميّة تفرض عليه أن يعاون الّذين تقدّموه بالنّصح والمشورة والرّعاية، لا تنازلاً عن حقّه، لأنه لا يملك أن يتنازل عنه، ولكن “لأسلّمنّ ما سلمت أمورُ المسلمين، ولم يكن بها جورٌ إلاّ عليّ خاصّة”(1)، وقوله في كتابه لأهل مصر، وعليكم أن تتذكَّروه دائماً، لتعرفوا كيف يعلّمنا عليّ(ع) إذا وقفنا بين مصلحة الإسلام العليا وبين خصوصيّاتنا، فيما نلتزمه وما نرفضه، فإنّ علينا أن نجمّد خصوصيّاتنا ولا أقول نلغيها، وأن نراعي المصلحة الإسلاميّة العليا: “فما راعني إلاّ انثيال النّاس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي”، أي وقفت موقفاً حياديّاً، “حتى إذا رأيتُ راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد(ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثَلماً أو هدْماً تكون المصيبة به عليّ”، ولاحظوا كلمة “المصيبة”، “أعظمَ من فوت ولايتكم هذه، التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، وكما يتقشّع السّحاب، فنهضتُ في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدّين وتَنَهْنَه”(2).

فهذا هو عليّ(ع)، لقد نصر الإسلام بسيفه كما نصره بعقله وفكره، ونصر الإسلام بصبره ووعيه وانفتاحه، فلا تستغرقوا في داخل نفوسكم وفي داخل عصبيّاتكم، ولكن انظروا دائماً إلى الأرض التي أنتم عليها، متى تثبت ومتى تهتزّ، انظروا إلى الآفاق الّتي تعيشون في داخلها، ومتى تنطلق العواصف ومتى ينطلق النّسيم العليل، لذلك حاذروا أن تضيفوا عاصفةً إلى العواصف الّتي تريد أن تجتاحنا، لا تضيفوا زلزالاً عصبيّاً يضاف إلى الزّلازل التي تهزّ الأرض من تحت أقدامنا، علينا أن نصبر كما صبر رسول الله(ص)، وأن نصبر كما صبر عليّ(ع)، وكما صبر الحسن والحسين والأئمّة(ع)، وكما صبر إمامنا (عجَّل الله فرجه الشّريف) في هذه الغيبة الطّويلة، ولنكن الصّابرين الواعين المنفتحين، ولنكن كما جاء في الحديث: “لا يُقَدِّم رجلاً ولا يؤخِّر أخرى حتّى يعلم أنَّ ذلك لله رضا”. فلا تفكّروا في رضا عصبيّاتكم، ولكن فكّروا في رضا ربّكم وإيمانكم وإسلامكم {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ}(1).

والحمد لله ربِّ العالمين.

 

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

فكر وثقافة، ج3، المحاضرة الحادية عشرة، بتاريخ: 12 ذي الحجة 1417 هـ/ الموافق: 24/ 4/1997م.

الهوامش:

(1) سورة المائدة، الآية: 67.

(2) سورة المائدة، الآية: 3.

(3) سورة المائدة، الآية: 55.

(1) نهج البلاغة: الخطبة 234.

(1) سورة العلق، الآية: 1.

(2) البحار: ج 14، ص 476.

(3) البحار: ج 14، ص 476.

(1) البحار: ج 39، ص 3.

(2) البحار: ج 39، ص 2.

(3) البحار: ج 22، ص 567.

(1) سورة النجم، الآية: 3-4.

(2) البحار: ج 24، ص 107.

(3) البحار: ج 28، ص 45.

(4) البحار: ج 10، ص 484.

(1) البحار: ج2، ص 226.

(2) سورة طه، الآية: 29ـ34.

(1) البحار: ج1، ص 445.

(2) سورة المائدة، الآية: 67.

(1) البحار: ج 40، ص 298.

(2) البحار: ج40، ص298.

(3) سورة آل عمران: الآية 61.

(1) البحار: ج 40، ص 298.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 6.

(3) سورة الغاشية، الآية: 21ـ 22.

(4) سورة الإسراء، الآية: 105.

(5) الرواية السابقة نفسها.

(1) سورة المائدة، الآية: 3.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.

(1) البحار: ج 23، ص 568.

(2) البحار: ج 23، ص 568.

(1) سورة التوبة، الآية: 72.

التعليق


*