حياة العلامة الحلّي ومسيرة العطاء

| شخصيات إسلامية |

hilly

علَمٌ من أعلام الإسلام الكبار، غزير العلم، وصاحب العلوم والفضائل، هو جمال الدّين أبو منصور الحسن بن سديد الدّين يوسف بن زين الدين علي بن مطهّر الحلّي، المعروف “بالعلامة الحلّي”.

وُلد في مدينة الحلّة العراقيّة، في التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك العام 648 هجريّة، وتوفّي في الحادي والعشرين من شهر محرّم العام 726هـ.

من أشهر ألقابه “العلامة” و”شيخ الطّائفة”. عاش العلامة الحلّي في عصرٍ جرت فيه أحداث سياسيّة كبيرة ومفصليّة، تركت آثارها على الحياة العامة للمجتمع الإسلامي، إذ اجتاح المغول أغلب البلاد الإسلاميّة. وكان لهذا الغزو مردود سلبي على المستوى الفكري والثقافي والاجتماعي، فقد هدم المغول معظم الصّروح العلميّة، ومنها مكتبة العاصمة بغداد، بما تضمّ من نفائس علميّة وكنوز معرفيّة، وهذا ما حدا بالكثير من رجالات العلم والأدب إلى النزوح عن بغداد إلى غيرها من الأماكن الّتي لا تصل إليها أيادي البطش المغولي.

عمل والد العلامة الحلّي مع غيره من علماء الحلّة على استيعاب هجمة المغول، ومراسلة “هولاكو”، ما أدّى إلى منح الحلّة ومناطقها الأمان، وساعد في قيام المراكز العلميّة فيها، واستقطاب الوافدين من الفقهاء والعلماء إلى معاهدها.

وقد نشأ العلاّمة الحلّي في أجواء علميّة، وفي بيئة عُرفت بحبّ المعرفة والفضيلة، فقرأ على والده الذي كان من كبار الفقهاء والمحقّقين والمدرّسين، وعلى خاله المحقق الحلي، أحد كبار فقهاء الإماميّة في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، الذي أخذ عنه الفقه والكلام، ولازمه فترة طويلة. وبعد وفاة خاله، انتقلت إليه الرئاسة الدينية والريادة في التدريس والفتيا، فعمل بكلّ قواه على تطوير المناهج العلمية في الفقه والأصول.

برع العلامة الحلّي في ميدان علم الكلام والفلسفة، وكان من أساتذته المفوّهين في الفلسفة والكلام، الفيلسوف محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، فدرس عليه الرّياضيات والفلك وسائر العلوم العقليّة والفلسفيّة، وحظي عند أستاذه بمكانة مرموقة، جعلته يصحبه بكثير من رحلاته، وتولّى بعد ذلك شرح بعض كتبه، ككتاب “قواعد العقائد”، و”تجريد الاعتقاد”.

وللدّلالة على ذكائه وتوقّد ذهنه، فقد فرغ من تصنيفاته الحِكميّة والكلاميّة، وشرع في تحرير الفقه، قبل أن يبلغ من العمر ستاً وعشرين سنة.

هذه الشخصية العلمية النشيطة والفذّة، استأثرت باهتمام العلماء، وكانت محطّ احترامهم وتقديرهم، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الحرّ العاملي، الذي قال عنه: “فاضل، عالم، محقّق، مدقّق، ثقة، فقيه، محدّث، متكلِّم ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة”.

وقال عنه الشّهيد الأوّل إنّه “أفضل المجتهدين”، ومدحه الشّهيد الثاني بقوله: “أفضل المجتهدين”، أمّا ابن أبي جمهور الأحسائي، فوصفه بقوله: “رئيس جميع علمائنا، الفارق بفتواه بين الحلال والحرام، والمسلَّم له الرئاسة في جميع فِرق الإسلام”.

والشيخ البهائي أطراه قائلاً: “الشّيخ العلامة… كان حامي بيضة الدّين، وماحي آثار المفسدين، متمّم القوانين العقليّة، وحاوي الفنون النقليّة، مجدّد آثار الشّريعة المصطفوية، محدِّد جهات الطّريقة المرتضويّة”.

وتعدّى مدحه والثناء عليه دائرة علماء الشّيعة إلى علماء المذاهب الأخرى، فالعلامة الحلّي خالط علماء من شتّى المذاهب، وعرّفهم بما عنده من علم بطريقة علميّة هادئة ورصينة، جعلت الغير يقرّ له بالفضل، فهذا ابن حجر العسقلاني يقول فيه: “لازم نصير الدين الطوسي مدّة، واشتغل في العلوم العقليّة، وصنّف في الأصول والحكمة، كان رأس الشيعة بالحلّة، وقد اشتهرت تصانيفه وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحُسن في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه، وصنّف في فقه الإماميّة”. وفي موضع آخر يقول عنه: “عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية من الذّكاء”.

وعرّفه أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، بأنّه “شيخ الرافضة”، ثم قال: “كان عالماً بالمعقولات، وكان رضيَّ الخلق حليماً، وله وجاهة عند “خدابنده” ملك التتار”…

وطبيعيّ أن يتخرّج على يدي عالم بهذا القدر، الكثير من الفقهاء والعلماء البارزين، ومنهم ولده (فخر الدين محمد)، وهو من الفقهاء الكبار، له مؤلّفات عديدة، أهمها: إيضاح الفوائد، وقد اشتغل بتحرير كتب أبيه. (عبد المطلب الحسيني الأعرجي الحلّي)، كان فقيهاً وأصولياً جامعاً للمعقول والمنقول.

(قطب الدّين الرازي البويهي) الّذي اشتهر بالمنطق وشروحاته، كشرح “الشمسيّة”، و”مطالع الأنوار”، و”المحاكمات”.

هذا وقد جرى مع العلامة الحلّي(قده) احتجاجات كثيرة، بعضها ذكرت عنه، وبعضها قام بكتابتها بنفسه، وله العديد من الرّدود والأجوبة والمناظرات التحريرية والشفهية، ومنها مناظرته الرائعة التي حصلت في حضرة السلطان المغولي (خدابنده)، والتي أجاب فيها عن مسائل متنوّعة أثارت إعجاب السلطان الذي تشيّع فيما بعد، وضرب النقود باسم الأئمة في العام 708 هجريّة، وأعطيت في عهده بعض الحريات الدينية التي كان العباسيّون يمنعونها. وفي عصره، عادت مدينة الحلة إلى مكانتها العلمية القديمة، فازدهرت فيها المدارس بعدما عانت الاضطهاد مدّة طويلة.

كان العلامة الحلّي(قده) كثير النشاط والعطاء، وكانت له رحلات علمية، أهمها رحلته إلى بلاد إيران، والتي دامت من أواخر العام 709 هـ، وإلى غاية 713 هـ، بصحبة السلطان (خدابنده)، الذي أعجب بمهارته في الجدل وسعة اطلاعه، فطلب منه البقاء بكنفه، وجعله من مستشاريه في الشؤون الدينية والتشريعية. وقد كان السلطان دائم الحرص على مصاحبته وملازمته في حلّه وترحاله.

كانت كل حياة العلامة الحلي في التدريس والتأليف والدعوة والإرشاد، ولا مكان فيها للراحة أبداً، وأثمرت مسيرته العلمية مائة وعشرين مؤلّفاً في مختلف حقول المعرفة التي اشتهرت في عصره. وقد أشار المستشرق “رونلدسن” في كتابه “عقيدة الشّيعة” إلى ذلك بقوله: “وكانت كثرة تآليفه أعجوبة لكافة من عرفه”.

وما وصل إلينا من كتبه قليل، حيث إنّ هناك قسماً كبيراً من مؤلّفاته ما يزال مخطوطاً، كما أنّ منها ما لم يصلنا إلا اسمه، ومن مؤلّفاته في الفقه، وهي كثيرة: “مختلف الشيعة في أحكام الشّريعة”، “تذكرة الفقهاء”، “قواعد الأحكام”، “تنقيح الدين المأخوذ عن آل ياسين”.. وغيرها مما لا مجال لذكره.. أمّا مؤلّفاته في علم الأصول، فمنها: “مبادئ الوصول إلى علم الأصول”، “نهاية الوصول إلى علم الأصول”، وهو مخطوط، “منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول”…

وله كتابان في التفسير لم يعثر عليهما، وهما: “القول الوجيز في تفسير الكتاب العزيز”، “نهج الإيمان في تفسير القرآن”.

ومن كتبه الهامّة في علم الكلام: “مناهج اليقين في أصول الدين”، وغيره الكثير، وله كتب في الفلسفة والمنطق، قسم منها لم يتمّ العثور عليه، وله أيضاً مؤلّفات في علوم اللغة والرجال والحديث وعلومه.

وفي كلّ مؤلفاته، كان صاحب منهج علمي متميّز ومتنوّع بتنوّع موضوعاته، يعتمد الاستقراء والمقارنة والتتبّع، بما يدلّ على رصانته العلميّة، ودقّة فهمه، وسعة اطّلاعه.

ومن جملة ما وصّى به ولده قبل موته: “… إني أوصيك كما افترض الله عليّ من الوصيّة، وأمرني به حين إدراك المنيّة، بملازمة التقوى لله تعالى، فإنها السنّة القائمة، والفريضة اللازمة، والجُنّة الواقية، والعدّة الباقية، وأنفع ما أعدّه الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار”، إلى آخر وصيّته الخالدة.

توفّي العلامة الحلي(قده) العام 726 هجريّة، ودفن في النجف الأشرف إلى جنب مقام أمير المؤمنين عليّ(ع)، عن عمر ناهز سبعة وسبعين عاماً، قضاها بالعلم والجهاد، حيث جمع بين التنظير والعمل، وأفنى عمره الشريف في الدفاع عن العقيدة والحق، وخدمة العلم والعلماء، والمساهمة في إغناء الواقع الإسلامي بوجه عام على المستويات كافة، حيث لا يزال المسلمون ينتفعون بعلمه. فرحمه الله تعالى، وأعطاه أجر العلماء العاملين المحتسبين…

التعليق


*