بعض أسباب رحمة الله

muslim-man-praying-in-a-mosque

لقد حدّثنا القرآن الكريم عن الرّحمة في كثير من الآيات، لتأكيد أهميَّة هذا المفهوم الّذي يبرز عظمة الله تعالى، وما اتَّصف به من رحمة وسعت كلَّ شيء. وقد أراد الله للإنسان أن يعتمد الرّحمة كأسلوب حياة يعيش من خلاله كماله، ويحقّق به إنسانيّته الّتي تضغط عليها الظّروف القاهرة والمتنوّعة.

ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة: 105]. فعلى المرء العمل من أجل أن يكون أهلاً ليستقبل رحمة الله.

واللّبيب هو من وعى ذكر الله، وفتح قلبه على فضيلة الرّحمة ولينها وطهارتها. يقول تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ}[الزّمر: 22].

والآية الّتي تبيّن الرّحمة في وجه القساوة والغلظة الّتي تفقد المجتمع توازنه وتسقطه وتجرّده من أصالته: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران: 159].

وقال تعالى في موضع آخر: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ}[هود: 28].

لذا علينا أن نستغلّ الرّحمة ونستثمرها في واقع علاقاتنا، لنصوّب مسيرة مجتمعنا، حتى ينعم بثمار الرّحمة راحةً وسكينة وطمأنينة.

ويقول الله عزَّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ}[البقرة: 218].

والإنسان في كدحه إلى الله، لا يرجو شيئاً من دنياه، سوى أن تصيبه رحمة الله، ليركن إليها، ويعيش روحيّتها الّتي تجلب له كلّ استقرار وخير.

ومن أسباب رحمة الله، طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله الكريم، يقول تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[آل عمران: 132].

ويقول تعالى في شاهد قرآنيّ آخر، في إشارة إلى المتّقين الذين يستحقّون رحمة الله: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}[الأعراف: 156].

ومن أسباب رحمة الله، الاستماع إلى القرآن؛ استماع العقل والقلب والوعي والتفكّر والتذكّر، قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الأعراف: 204].

والمحسنون الّذين يفعلون الخيرات للنّاس وللحياة معنيّون برحمة الله تعالى، لأنهم هم من يبنون الحياة بكلّ ما تحتاجه: {إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف: 56].

والعلم بما يؤدِّي إلى تعظيم الله ومعرفة مظاهر رحمته، هو طريقٌ لرحمة الله أيضاً. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9].

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزّمر: 53].

والله عزّ وجلّ يقول لنا في موضع آخر، إنّ رحمته الواسعة خير في كلّ وجوهها ومحتوياتها وتجلّياتها من كلّ ما يلهث وراءه الإنسان من أمور مادّيّة محدودة وفانية: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[الزخرف: 32].

وأعظم شيء في حياة الإنسان، عمل صالح يلقى به وجه الله تعالى، وقد أدّى ما عليه تجاه نفسه وربّه ومجتمعه: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ}[الكهف: 16].

ورحمة الله تأتينا من طاعته، ومن الجهد الّذي يُبذل للوصول إليه سبحانه، رغم كلّ الضّغوطات والحسابات :{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً}[الإسراء: 28].

كما أنَّ رحمة الله تأتينا من عزّ طاعتة، ومن تلاوة القرآن والتّفاعل معه كما يجب، وتمثّل آياته واستلهام دروسه، وتأتينا من العمل الصّالح الّذي ينفع العباد والبلاد. فلنكن ممن تعنيهم الآية المباركة: {إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.

 

محمد عبد الله

 

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

التعليق


*