أين أمّة العمل؟

| تنمية بشرية |

work8463fd9b-f

قال الله سبحانه وتعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}(هود/61).

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(الملك/15).

قيمة العمل

لقد أعلت الأديان من قيمة العمل ورسّختها، فالأنبياء والصّالحون كلّهم عملوا، حتّى الأعمال اليدويّة.. ويُروى عن أحد أصحاب الإمام عليّ الرّضا(ع) قال: “رأيت أبا الحسن(ع) يعمل في أرضه، قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جُعلت فداك، أين الرّجال؟ فقال(ع): رَسولُ الله(ص) وأمير المؤمنين وآبائي، كُلّهم كانوا قد عَمِلوا بأيديهم، وهو من عَمَل النّبيِّين والمُرسلين والأوصِياء والصَّالحين”.

هنا نقطة أساسيّة أحبّ أن أشير إليها، وهي الخلفيّة الّتي تحكم نظرتنا إلى العمل كمؤمنين وكمسلمين.

إنّ الله جعل الإنسان خليفةً على هذه الأرض، وحمّله مسؤوليّة أن يعمر الأرض بكلّ ما هو نافع، وهل هناك غير العمل يفجّر من خلاله طاقاته الجسديّة والفكريّة؟ فالعمل هو هدف وجوده. فعندما يعمل المؤمن، فهو لا يعمل كما الكثير من النّاس من أجل الاسترزاق والعيش فقط، بل يعمل من أجل أن يحقّق إرادة الله وهدف وجوده… وهذا هو مدلول الآية الّتي أشرنا إليها: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(هود/61)، أي أنّ الله خلق الأرض، وفوّض إلى الإنسان إعمارها بالعمل.

وهذه الرّؤية للعمل إذا طبّقت، كفيلة لأن تحقّق الهدف من وجود الإنسان، فالفرق كبير بينها وبين من ينظر إلى العمل كوسيلة للاسترزاق، لأنّ من يعمل من أجل رزقه وراتبه فقط، قد يدفعه ذلك إلى أن يغشّ، أو يعبث بالأرض أو بالبيئة، وحتّى بالقيم والحياة نفسها.. وإذا راعى الأرض والبيئة والقيم، فقد يراعي ذلك خوفاً من القانون أو العقوبة. أمّا من هدفه أن يحقّق خلافة الله على الأرض، فسيتصرَّف كمسؤول عنها، وأنّه سيسأل عن هذه الأمانة الّتي بين يديه يوم الحساب، وكلّما نال الإنسان درجات عالية في أمانة الاستخلاف، كان الوسام كبيراً.

فالعمل على إعمار الأرض، أيّها الأحبّة، على درجة من الأهميّة، وهو على رأس العبادات. عن الرّسول(ص): “العبادة سبعون جزءاً، أفضلها طلب الحلال”،” ما من مسلم يغرس غرسة، أو يزرع فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة”.

صفتان مطلوبتان في العامل

من هنا نفهم لماذا اختزن الإسلام في تعاليمه وأحكامه وتشريعاته ما يضمن علاقات عمل منتجة وسليمة بين العامل وربّ العمل، ولماذا شدّد القرآن على صفتين أساسيّتين للعامل، هما اللّتان أشار إليهما الله في حديثه عن ابنة شعيب، عندما اقترحت على أبيها أن يستأجر النبيّ موسى(ع): {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}(القصص/26).  إذاً هما صفتان أساسيّتان يجب أن تتوفّرا لدى العامل كي يكون منتجاً. وبالصّيغة نفسها، ورد عن النبيّ يوسف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف/55). وكما تعلمون اليوم، فإنَّ مشكلة الأمانة هي ما تعانيه المؤسَّسات، حيث يجب أن تبقى العيون مفتَّحة خشية التَّلاعب بالأرقام والحسابات وغيرها، ولذا تضطرُّ إلى وضع الكاميرات والمراقبة منعاً من تضييع الوقت والجهد والتصرّف بغير مسؤوليّة في مقدّرات العمل. والإيمان عزَّز هذه القيمة، عندما اعتبر ” المؤمن من ائتمنه النّاس على أموالهم وأنفسهم”.

وبطبيعة الحال، لا يمكن للمؤمن إلا أن يكون أميناً، ففي الحديث: “لا دين لمن لا أمانة له”. والأمانة كنز المؤسَّسات الّتي يعمل فيها، ورأسمالها البشريّ الضّروريّ، وقد ورد أنّه ” لا دين لمن لا أمانه له”. والأمانة وحدها لا تكفي، على أهميَّتها، إذا لم يواكبها معرفة وكفاءة وقدرة على المنافسة. هذا يجرّنا إلى الحديث عن تجربة الإسلاميّين في الإدارة أو الحكم. أحياناً يؤخذ عليهم أنّهم قد يملكون صفة الأمانة والإخلاص، ولكن قد يفتقدون إلى المعرفة أو الخبرة،  فلا يكفي للطّبيب أن يكون متديّناً، كذلك النائب أو رئيس البلديّة أو المختار أو رئيس مؤسّسة أو مديرها، فالكفاءة مطلوبة في أبسط الأعمال وأعقدها، والإتقان في العمل عنصر أساسيّ أيضاً لنجاح أيّ عمل، وفي الحديث: “رحم الله من عمل عملاً فأتقنه”. والإتقان يحتاج إلى صبر وحسّ مسؤوليَّة، وهو لا يتحقَّق بمعزلٍ عن المهارة والقوَّة والأمانة.

أيضاً لاحظ الإسلام أنّ الجمود يقتل الطّاقة والإبداع، ويجعل العمل متأخّراً ومتراجعاً، والله لن يكتفي بحساب الإنسان على أداء عمله، بل سيحاسبه أيضاً على مستوى عمله، ولماذا لم يكن الأفضل عملاً، والأكثر تميّزاً فيه والأكثر تطوّراً: “من تساوى يوماه فهو مغبون”. وقيمة كلّ امرئ ما يحسنه.

هنيئاً للمؤسّسات بعمّال يخافون الله، ويشعرون دوماً برقابته والخوف منه، فلا يتلاعبون ولا يغشّون ولا يخدعون أو يخونون، ولا يدخلون جيوبهم ولا إلى طعامهم أو طعام أولادهم إلا المال النّظيف الحلال الطّاهر غير المشكوك  فيه.

هؤلاء هم ضمانة مؤسّساتنا، وينبغي أن يتمّ استثمارهم، وأن يوضعوا على الرّاحات، ويخشى أن يصبحوا عملة نادرة.

علاقة ربّ العمل بالعامل

في الوقت الّذي يختزن الإسلام كلّ مقوّمات العامل المثاليّ للإنتاج، أراد أيضاً ذلك لربّ العمل، فصاحب العمل الّذي يخاف الله، يعطي العامل حقّه كاملاً، فلا ينتقص من حقّه، فهو يعمل بمضمون الآية: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ..}(هود/85). وورد في الحديث: “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة”، من هؤلاء ” رجل استأجر أجيراً ولم يعطه حقّه”. فربّ العمل الّذي تحكمه أخلاقيّات الإسلام والإيمان، لا بدّ من أن يُعطي العامل حقّه المادّيّ كاملاً وحقّه المعنويّ، فلا يُهينه ولا يُسيء إليه، ولا يحمّله فوق طاقته. ربّ العمل الملتزم بأخلاقيّات الإيمان، يرحم ويقدّر ويعفو، وهذا من شأنه أن يجعل مناخ العمل مناخاً مريحاً وصحيّاً، كما يجعل العاملين لديه يحسّنون إنتاجهم أيضاً، فالدّراسات واضحة فيما يتعلّق بالرّبط بين سلوكيّات ربّ العمل وتعاطفه وتواضعه وعدم تعاليه، وبين ازدياد إنتاج العاملين لديه.

ثم إنَّ العامل وربَّ العمل محكومان معاً بقانون أنَّ الله هو الرَّازق، وهو الّذي يقسِّم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسِّمها حراماً، وأنَّ القناعة كنز، وأنَّ الباقيات الصَّالحات هي خير ثواباً وخير أملاً. بهذه المنظومة الأخلاقيّة، لا بدَّ من أن تتحسّن ظروف العمل، وبالتّالي ظروف الإنتاج، حيث تلعب الموارد البشريّة جزءاً أساسيّاً فيها.

التفوّق في العمل

قد يقول قائل: أين حالنا من كلّ هذا في مؤسَّساتنا الّتي تحمل هويّة الدّين والإسلام؟ هذه فرصة لندعو كلّ المؤسَّسات الإسلاميَّة، لا أن تلتزم بقوانين العمل الجارية فقط، بل أن تتفوَّق عليها وتتقدَّم. مطلوب منها أن تنتج تجربة قائمة على النّظرة الإسلاميَّة للإنسان العامل وحقوقه، علماً أنَّ الإسلام يرفض أيَّ ظلم وانتقاص من صاحب أيِّ حقّ، فكيف إذا كان ممن يبذلون ويتعبون ويكدّون؟! نحن نقول دائماً إن لم نستطع أن نقدِّم تجربة إسلاميَّة على مستوى الدَّولة، فلنعمل على تحقيقها من خلال المؤسَّسات الّتي تحمل عنواناً إسلاميّاً. فالعنوان ليس امتيازاً، بل هو مسؤوليَّة، ولتكن هذه المؤسَّسات قدوةً لغيرها.

وهنا يحضرني أن أذكر تجربة رائدة للصّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ، عندما كان حاكماً على المدائن، يومها جمع العمّال وأصحاب المصانع والحِرف وقال لهم: “اِعلموا أنّ الإسلام حرّم كنز المال، وبخس الأجير حقّه، فإنّ للمال سلطانه… أريد من أهل كلّ حرفة أن يختاروا شيخاً لهم، فإذا وقعت مظلمة على عامل منكم، فليشكُ لشيخ حرفته”.

وسلمان الفارسي أراد بذلك أن يؤكّد النّظرة الإسلاميّة الّتي لا تعترف بوجود شيء اسمه الصّراع الطبقيّ بين طرفي الإنتاج: العامل وربّ العمل. همُّ الإسلام ينصبّ على علاقة عادلة بين الطّرفين، علماً أنّ هذه التّجربة بدأت بالعمل النقابيّ قبل أن يعرفه العالم.

مسؤوليّة الدّولة

ونعيد التّأكيد على ضرورة التّلاحم بين أرباب العمل والهيئات الاقتصاديّة والعمّال، لإيجاد صيغة تضمن للجميع حقوقهم، وتمنع الانهيار الاقتصاديّ الّذي نبشِّر به كلّ يوم. وندعو أرباب العمل إلى أن لا يصمّوا آذانهم عن مطالب العمّال، ليعقدوا طاولات حوار للوصول إلى مساحات مشتركة من التّفاهم والتّوافق على نقاط تؤمّن مصلحة الطّرفين، فالجميع في مركب واحد، في الوقت الّذي نقول للعاملين: أبعدوا السياسة عن معاملكم ومصانعكم وأماكن عملكم وعن عملكم النّقابيّ؛ إنّ ما يعانيه العامل في الجنوب أو الشّمال، هو نفس ما يعانيه عمّال البقاع والجبل… كفى شرذمةً، كونوا الفئة المشرقة في هذه الأرض، بدلاً من أن تذروكم الأزمات على بيادر السياسة هنا وهناك…

أين أمّة العمل؟

في يوم العمل والعمّال، نتوجّه إلى أمّتنا، ندعوها إلى استنفار جهودها من أجل أن تستعيد ركبها في الحضارة، فلا يجوز لأمّة اعتبرها رسول الله أمّة العمل، الأمّة الّتي أوصاها نبيّها أن لا تسأل النّاس شيئاً، أن تكون بعض أراضيها بوراً، وأن تكون مستهلِكةً تحتاج إلى الآخرين في كلّ شيء. وفي الوقت نفسه، نتوجّه بالتّقدير لكلّ العمّال الّذين يكفيهم تكريماً أنّ عملهم عبادة، وأنّ اليد الّتي يعملون بها قبلها رسول الله، وقال هي يد يحبّها الله ورسوله.

بوركت هذه الأيدي، هي أيدي خير وعطاء: {(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)}التوبة/105.

 

سماحة العلامة السيّد علي فضل الله

 

التعليق


*