كيف نجدِّد عهدنا مع رسول الله ونكون من أصحابه؟!

history-of-islam-help-review_143582_large

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}. صدق الله العظيم.

مواصفات أصحاب الرّسول(ص):

لكلّ منا نصيب من الحزن على أنّه لم ينل شرف رؤية رسول الله وصحبته بإحسان، ولكن أتت هذه الآية الكريمة وسواها، لتحدّد المعايير والمزايا الّتي إن تحلّينا بها، نكون مع رسول الله، ونحقّق بعضاً من صحبته، وإن باعدت بيننا الأزمان. ونحن هنا سوف نتوقّف عند بعض هذه المزايا.

الالتزام بالرِّسالة

الميزة الأولى أشار إليها الله بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله}، أي أنّ علاقة هؤلاء بالنبيّ(ص)، تبنى على أساس كونه رسول الله الّذي يعبّر عن الله وينطق عنه ويدعو إليه. وهذه الصورة هي التي أرادها الله في العلاقة برسوله(ص): {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله}، فهو لم يرد لهذه العلاقة أن تبنى على أساس النّسب أو المصلحة، بل بمدى الالتزام برسالته والاقتداء بسيرته.

وإلى هذا أشار عليّ(ع): “إنّ ولي محمّد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدوّ محمّد من عصى الله وإن قربت قرابته“، وقد أشار إلى ذلك الإمام الباقر(ع)، عندما قال: “حسب الرّجل أن يقول أحبّ عليّاً وأتولّاه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال إنّي أحبّ رسول الله، فرسول الله(ص) خير من عليّ(ع)، ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً. فاتّقوا الله، واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته“.

الغلظة على الكفَّار

أمّا الميزة الثّانية لمن يعطون صفة صحبة رسول الله(ص)، فهي صفة: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}، فأصحاب رسول الله هم في حقيقتهم مسالمون، ليسوا دعاة حرب، هم حواريّون، يسعون إلى مدِّ الجسور التّواصل مع من يختلف معهم في الدّين أو في الرّأي، ويؤمنون بأنَّ الرّفق هو السَّبيل للدّعوة، لا القسوة والغلظة، ومنطقهم: {لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، لكنهم لا يستهينون بدينهم وبعزّتهم وكرامتهم وحرّيتهم إن اعتدى عليهم معتد، بل يقاتلون في سبيل الله كالبنيان المرصوص يشدّ بعضهم بعضاً.

الرّحمة للمؤمنين

أمّا الميزة الثّالثة لهؤلاء {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، فهي الرّحمة الّتي تطبع علاقتهم مع المسلمين الآخرين، حتى لو اختلفوا معهم في المذهب أو العقيدة أو في شأن سياسيّ أو اجتماعيّ.

فالعلاقة بينهم تحكمها الأخوّة والمودّة والتواصل والتباذل. فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يغتابه، ولا يخونه، ولا يسلّمه لشدائده.. “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمَّى“، “لا يكون المسلم مسلماً حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه “، “من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم“.

وعندما يختلفون، ومن الطبيعي أن تحدث خلافات بينهم، فهم لا يتباغضون، ولا يتحاقدون، ولا يلغي بعضهم بعضاً، ولا يستبيح بعضهم دماء بعض.. “فالمسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه“.

وقد حذّر رسول الله(ص)، وقبل انتقاله إلى رحاب ربّه، من الوصول إلى ذلك، عندما قال: “لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض“.

فالحوار المنطلق من مشاعر الرّحمة والتفهّم للآخر، هو الأصل لحلّ الخلافات والنّزاعات العقديّة أو الفقهيّة أو الفكريّة أو السياسيّة، لا العنف أو التّكفير أو التّضليل كما يحصل الآن، وإن سعى البعض من المؤمنين لممارسة البغي والعدوان وإثارة الفتنة، فلا بدّ من وقوف المؤمنين جميعاً صفّاً واحداً لإعادته إلى جادة الصّواب، ومنعه من المسّ بالوحدة بين المسلمين.

الرّكّع السّجود

أمّا الميزة الرابعة، فهي في قوله سبحانه: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً}، فالذين يصاحبون رسوله، لا بدّ من أن يكونوا مثله في حبّه وشغفه للقاء الله والوقوف بين يديه. وقد أشار الله سبحانه إلى الركوع والسّجود، لكونهما المظهر الأبرز في الصّلاة.. فقد كان يصلّي حتى كانت تتورّم قدماه، إلى أن نزلت عليه الآية: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}، وهو الذي قال: “حبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث… وجعلت قرَّة عيني في الصَّلاة“، حيث كان رسول الله إذا جاء وقت الصَّلاة، لا يعرف أهلاً ولا حميماً، فأصحاب رسول الله هم من يداومون على الصّلاة، ولا يستهينون ويستخفّون بها – لا طقوسيّاً فحسب، وهنا الفرق -، فهي وسيلتهم للتّعبير عن عبوديّتهم لله، وللتّواصل مع أسمى من في الوجود، مع خالقهم وربّهم.. وهي الماء الروحي اليومي الذي يتطهّرون به من كل ما قد يعلق بنفوسهم من خطايا وذنوب وأدران، وبها يستعينون لمواجهة ظروف الحياة وتغيّراتها وتقلّباتها، فإذا أهمّهم أمر، فزعوا إليها كما كان يفزع رسول الله، وكما قال الله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}.

الّذين يبتغون فضل الله

أمّا الميزة الخامسة، فتحدِّد الأهداف كمعيارٍ لامتلاك صفة الصّحبة، وهي قوله: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً}، أي أنّ أهدافهم في حياتهم أسمى من أن تكون كما هي أهداف الكثيرين، لأجل تحصيل ثروة، أو الوصول إلى موقع أو جاه أو سمعة بين النّاس، فأهدافهم أن يحصلوا على ما عند الله، وأن يبلغوا رضوانه، وأن يتجنّبوا سخطه وغضبه.

وهذا لا يعني أن لا طموح لديهم في الحياة الدّنيا، هم يطمحون أن يكونوا في أعلى المواقع في الدّنيا من القوّة أو الثّروة أو العزّة، ولكنهم لا يبتغون ذلك لأنفسهم أو لتحصيل مجد ذاتيّ أو شخصيّ، بل لتكون هذه المواقع وسيلتهم لخدمة عباده، وتعزيز إيمانهم، رغبة في رضا الله والوصول إلى جنّته ورضوانه.

المؤمنون حقّ الإيمان

أمّا الميزة السّادسة في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، والسّيما هي العلامة، فهؤلاء ترى آثار السّجود باديةً في وجوههم، أما لماذا السجود؟ فلأنّه أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، وهو باب بلوغ ما عند الله.

وقد أتى قوم إلى رسول الله، قالوا اضمن لنا على ربّك الجنّة. فقال(ص): “على أن تعينوني بطول السّجود“.

وقد قال رسول الله(ص): “إذا أردت أن يحشرك الله معي، فأطل السّجود بين يدي الله الواحد القهّار“.

وهذه الصّورة هي التي أشار إليها تعالى بقوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ الله الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ}.

ثم يتابع الله سبحانه وتعالى حديثه عن أصحاب رسول الله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ}. والمقصود بالشّطء أو البرعم، ذاك الذي يخرج إلى جانب السّاق الأصليّة {فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ} أي صار متيناً، {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ}، لكونه سريع النموّ، كثير البراعم.. فأصحاب رسول الله(ص)، هم أناس في تنامٍ دائم وتطوّر على المستوى النفسي والروحي، وحركة مستمرّة على مستوى الحضور في كلّ الميادين، لا يفترون عن الحركة لحظة واحدة.. هم حاضرون في العلم والعمل والبناء والثقافة والفكر، لا يعرفون جموداً ولا ركوداً، بل هم في حالة تجدّد دائم.

أين نحن من الرّسول(ص)؟

إنّ هذه الصّفات والمزايا، إن تحلّينا بها، تجعلنا فعلاً في دائرة أصحاب رسول الله، ونحن قادرون على بلوغها إن قرّرنا ذلك، لكن مع الأسف، لقد بتنا نجد الانتماء إلى رسول الله بالاسم، فلا نرى هذه الصّفات في واقع المسلمين، فالمسلمون الذين ينبغي أن يكونوا أشدّاء على الكفّار، رحماء معهم، نراهم يكيدون لبعضهم البعض ويتربّصون ببعضهم بعضاً.. فيما هم أشدّاء فيما بينهم. ويكفي اندلاع الفتن الّتي نشهدها تتفاقم في الواقع لتؤكّد هذه الحقيقة.

وبدلاً من أن يبتغوا فضلاً من الله ورضوانه، تراهم يتنافسون على الدنيا وبهارجها، ولأجلها يبيعون دينهم وآخرتهم، والصّلاة الّتي هي صمّام أمانهم لم تعد تترك أثراً في حياتهم، ولا تغيّر شيئاً في واقعهم.

والقرب من الله لم يعد له جمهوره، بل بات الأساس القرب من هذا الموقع أو ذاك، أو هذه الدّولة أو تلك. ومجتمع رسول الله الّذي وصفته الآية بأنّه يعيش السموّ والتطوّر والتجدّد، بات خاملاً وعلى هامش الأمم، ويستجدي الآخرين في كلّ شيء، ونحن نقول إننا أمّة رسول الله وصحابته.

تجديد العهد مع الرّسول(ص)

في ذكرى وفاة رسول الله، يوم الحزن الّذي لا يفوقه حزن، والذي عبّر عنه الإمام عليّ(ع)، عندما قال وهو يقبّل رسول الله: “بأبي أنت وأمّي، ما أطيبك حيّاً وميّتاً! لولا أنّك أمرت بالصّبر ونهيت عن الجزع.. بأبي أنت وأمي، إنّ الصّبر لجميل إلا عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلا عليك“.

لنجدّد العهد مع رسول الله، بأن ننبذ هذا الواقع المؤلم الّذي نعيشه، وأن ننتظم في صفوف أصحابه، وأن لا نكون من أولئك الّذين تحدّث الله عنهم في معركة أحد، عندما قال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}.

اللّهمّ اجعلنا ممن يتأسّى رسول الله، ويكون من أصحابه في الدّنيا، ويحظى ببركة شفاعته في الآخرة.

من خطبة الجمعة
سماحة العلامة السيد علي فضل الله

التعليق


*