عرض لكتاب “تاريخ العنف في الشرق الأوسط”

يتضمن الكتاب بانوراما واسعة وغنية بالتفاصيل، تضيء على مفاصل مهمة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، وتعطي حيزاً معقولاً للتكوينات الإثنية والدينية في المنطقة.
كان لاندلاع الأزمات والحروب في المنطقة مع بداية الألفية الثالثة، وخاصة مع الحدث العربي والإقليمي اليوم، أثر كبير في تجديد البحث في إشكالية العنف في المنطقة، وتمثل محاولة الكاتب الفرنسي من أصل تركي حميد بوزأرسلان تقصي تاريخ العنف وتحولاته ومقولاته الرئيسة جهداً بانورامياً على هذا الصعيد، وهي إذ تشير إلى تاريخية العنف في المنطقة، فإنها تبدأ من نهاية السطلنة العثمانية وصولاً إلى دور تنظيم القاعدة، وتحاول تحقيب سيرة العنف وفواعله وتحولاته مركزةً على العوامل الداخلية، وتغطي حقبة زمنية كبيرة ونطاقاً جغرافياً واسعاً نسبياً. جاء كتاب بوزأرسلان في ثلاثة أجزاء تضمنت خمسة عشر فصلاً، على النحو التالي: الجزء الأول: دول وقوميات واحتجاجات ثورية (1906- 1979)، وفيه أربعة فصول، متخيلات وشرعيات ثورية، وحرب عالمية: تفتيت السلطنة العثمانية وأنظمة انتدابية، ومن النكبة إلى “الأنظمة الثورية”، ومن بدايات الحرب إلى حرب الأيام الستة: تظرف المتخيلات الجماعية. الجزء الثاني: حروب إقليمية، إسلام ثوري وقمع (1979-1991)، وفيه ثلاثة فصول، شرخ عنوانه سيد قطب، و1979: الاهتزاز الكبير، وحروب الثمانينيات: الشهيد والمجاهد والميليشياوي، والقوة وحدود الإسلاموية الثورية في خلال عقد الثمانينيات، ومسائل الأقليات والطوائف. الجزء الثالث: من حركات الجهاد في أرض الإسلام إلى حروب العقد الأول من الألفية الثالثة، وفيه ستة فصول، حرب الخليج وحروب العصابات الإسلامية في الجزائر ومصر، وهندسيات جديدة للسلطة في العراق وتركيا وإيران، وعنف التضحية بالذات في كردستان وفي فلسطين (1990-2000)، وانحدار الإسلام السياسي أو نشوء هوامش الانشقاق؟ والقاعدة أو تلاقي أشكال جديدة من التطرف، وحروب العقد الأول من الألفية الثالثة. يبدأ الكتاب بمقاربة متميزة لعوامل العنف في الفترة العثمانية المتأخرة، ذلك أن صعوبات الإصلاح وسياسات التحديث أدت إلى بروز أنماط من الصراع داخل النخبة العثمانية، وخاصة على صعيد الجيش والجمعيات والتنظيمات والبيروقراطية الحاكمة، ومحاولات مركزة السلطة على أسس قومية أو إثنية، وكذلك الحال مع التجاذبات والمنافسات داخل المجال العثماني بين النزعات القومية الصاعدة، وخاصة لدى الأرمن والكرد والعرب، والتي تطورت إلى تيارات استقلالية نشطة، وتحت تأثيرات أوروبية متزايدة. وقد كانت المجازر الأرمنية خطوة أولى نحو “أسلمة” المجال الذي سوف يصبح تركياً لاحقاً، ولو أن الكتاب يخفف في البداية من طبيعة المجازر الأرمنية (ص35)، ولكنه يعود ليبسط في الموضوع متحدثاً عن مليون ضحية من الأرمن (ص53). فيما كانت حادثة اغتيال الشاه ناصر الدين في أيار/مايو 1896 مؤشراً على بروز نزعة قومية قوية في إيران، حيث قرر الفاعل “قتل جذع الاستبداد”. وحين سأله القاضي: “أما كنت تدرك أن قتل الشاه سيجر الفوضى وأعمال الشغب؟”، أجاب القاتل: “نعم، هذا صحيح. لكن انظر إلى تاريخ أوروبا، لولا سفك الدماء لما تم الوصول إلى شيء”. (ص 37). وصف الكاتب ثورة عام 1908 في تركيا بأنها “الثورة الفرنسية الشرقية”، وقد عدت جمعية الاتحاد والترقي نفسها “روح الدولة”، (ص )48، مبررة أن القتل من دون شفقة هو “من أجل الوطن”. (ص48). وكانت الحرب العالمية الأولى “مسرحاً لهندسة ديمغرافية وإقليمية واسعة”، فيما كانت الإبادة الأرمنية “وسيلة لوضع اليد من دون مشكلة تذكر، على أراضي الآخرين” و”فرض الطاعة على من بقي على قيد الحياة”. وهذا مؤشر على بروز مفهوم للأمة من منظور دارويني. (ص53). أدى الانتداب الأوروبي على المنطقة إلى تشكيل مؤسسة عسكرية أو جيش قمعَ “الشعب” باسم الدولة، ولكنه ما لبث أن ثار على الدولة باسم الشعب أيضاً. وسوف يكون هذا التناقض البنيوي هو سيرة المنطقة بما فيها سورية وتركيا وإيران ومصر الخ. وحدثت بعد ذلك انقلابات دموية في سورية ومصر والعراق والسودان، وانقلابات متكررة داخل النظم والعصائب حيث إن “قتل الأب أصبح شرعياً بالكامل”، (ص 120). وجرت عمليات التطهير داخل الجيوش والأحزاب والدولة، بناء على تهم رائجة: العمالة لاسرائيل أو أميركا وحتى العمالة للسوفييت. جاءت بعد ذلك موجة اليسار ومعاداة الإمبريالية، وانطلق الكفاح الفلسطيني، في المقابل كان قمع اليسار في تركيا وعدد من دول المنطقة العربية وايران. ولم يتأخر بروز الإسلام السياسي في حياة المنطقة. وقامت في نهاية سبيعينيات القرن الماضي الثورة الإيرانية. كانت أزمة افغانستان والحرب بين إيران والعراق، وتصاعد الجهاد الأفغاني، وتزايد الاستقطاب الديني، والأزمة اللبنانية، والأزمة اللبنانية – الفلسطينية، والغزو الإسرائيلي للبنان، ودخول القوات السورية إلى هناك، وبروز المقاومة وعمليات حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي، كما كان اغتيال أنور السادات في مصر، وحوادث الإخوان المسلمين في سورية. يفرد الكتاب حيزاً للحديث عن العلويين في تركيا وسورية، وأوضاع الشيعة في العراق، والانتفاضة الفلسطينية، ثم يأتي للحديث عن العنف الذي شهده العراق، ووضع الكرد في العراق وإيران. ومن مفارقات العنف المادي والرمزي الذي مارسه نظام الرئيس السابق صدام حسين أنه كان يعطي 35 ألف دولار للعائلة العربية التي تسكن كركوك، ومكافاة مالية كبيرة للكردية التي تتزوج عربياً، وأخرى للعربي الذي يطلق زوجته من أصول إيرانية(ص 260-261). وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 كُشفَ عن الكثير من عمليات الخطف والاخفاء القسري والتهجير والمقابر الجماعية واستخدام أسلحة التدمير الشامل ضد الخصوم الداخليين للنظام. وواصل العنف فصوله في لبنان، وفي حرب الخليج الثانية، وصعود التيارات الإسلاموية مع حرب الشيشان وحرب البوسنة، والحرب مع الجماعات الإسلاموية في الجزائر ومصر. كما برزت أنماط مختلفة من العنف مع تنظيم القاعدة وشبكات الجهاد العالمي، وخاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، والتي أعقبها احتلال أفغانستان ثم احتلال العراق، وصعود التنظيمات الأكثر عنفاً وتشدداً مثل تنظيم قاعدة الجهاد في العراق. وخلال حرب تموز/يوليو  2006 على لبنان، كان رهان إسرائيل وعدد من القوى الإقليمية والدولية على سحق حزب الله في بضع ساعات، وتدمير كامل للبنى التحتية بقصد إجبار الناس على الابتعاد عن الحزب والمقاومة، لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً. يخلص الكتاب إلى أن مُوِّلدات العنف والتوتر لا تزال نشطة في المنطقة، حيث يمثّل الشرق الأوسط بيئة نشاط وإنتاج وإعادة إنتاج للعنف، وأنه “لا يمكن فهم حلقات العنف في الشرق الأوسط من دون الأخذ بالاعتبار “النظام-العالم”. و”كل شيء يشير إلى أننا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة”(ص 432). تتضمن الدراسة بانوراما واسعة وغنية بالتفاصيل، وتتناول أموراً عادةً ما تغفلها الدراسات، وفيها قدراً معقولاً من التوازن، وتعطي حيزاً معقولاً للتكوينات الإثنية والدينية في المنطقة، وتضيء على مفاصل هامة في تاريخ العنف فيها، والتحول في المقولات من الدولتي إلى الإثني أو القومي ومن ثم الديني أو الإسلاموي.   وإذ يتوصل الكاتب إلى استخلاصات محبطة بعض الشيء حول استمرار العنف في المنطقة، إلا أنه يتفادى إطلاق أحكام متشددة أو متحيّزة، ومشكلته الرئيسة أنه لم يعر العوامل الخارجية للعنف الاهتمام الذي تستحق. ولكنه يترك الباب مفتوحاً أمام قراءة تعددية لتاريخ منطقة يمثّل العنف فيها سمة ملازمة للحياة وأحد أهم أسباب الموت.
الكتاب: قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط: من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة
الكاتب: حميد بوزأرسلان
ترجمة: هدى مقنص
الناشر: المنظمة العربية للترجمة، كاننو الاول/ ديسمبر 2015، 454 صفحة.

التعليق


*