محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول)

| أعلام وشخصيات |

هو الشَّيخ محمَّد بن جمال الدين مكّي الجزيني العاملي، المعروف بالشَّهيد الأول. وُلد في العام 734هـ، في جزين؛ إحدى قرى جبل عامل، في بيتٍ من بيوتات العلم والدين، وتلقّى فيها مبادئ العلوم العربية والفقه، حيث كانت مركزاً فكرياً إسلامياً في حينه، ولا سيما في مجال الدراسات الفقهيّة والأدبيّة. لُقِّب بالشَّهيد الأوَّل، لأنه أوَّل شهيد من جبل عامل في سبيل العلم والفقه.

تردّد الشّهيد الأول في بداية حياته إلى مجالس العلماء، وبرز في المناقشات العلمية وحلقات الدرس الموزّعة بين المساجد والمدارس والبيوت، وكان صاحب ثقافة شخصية واسعة، وروح أدبية فيّاضة، كما كان صاحب همّة عالية، وذكاءٍ حادّ دفعه إلى البحث عن آفاق علمية جديدة، والتوسّع في التحصيل المعرفي والعلمي، فتوجّه إلى مدينة الحلّة في العراق، وكانت وقتها من المراكز العلمية الشيعية، وذلك في العام 750هـ/ 1349م، وقرأ العلم على يد فخر المحققين (العلامة الحلّي)، الذي نُقل عنه قوله: “استفدت منه ـ أي من الشهيد الأول ـ أكثر مما استفاد مني”.

وفي هذا الإطار، يعتبر الشهيد الأول من أوائل الذين أرسوا تقليد الرحلة العلمية من جبل عامل إلى العراق وغيره، في عصرٍ كان الوضع السياسي فيه كثير التعقيد، فقد ظهر الشهيد الأول في أجواء صعبة ومضطربة أمنياً وسياسياً، والمسلمون الشيعة وقتها، كانوا ينتظرون بفارغ الصبر من يوحِّد شملهم وآراءهم، ويقودهم في وجه الاضطهاد الّذي تعرّضوا له أيام حكم المماليك، الذين قادوا الحملات تلو الحملات عليهم، بتحريض من “ابن تيمية”. وكان من نتيجة هذا الظلم، أن فرّ قسم كبير من شيعة كسروان، وتفرقوا في مناطق عديدة، منها “جزّين”.

بعد دراسته في مدينة الحِلّة، وحصوله على إجازات العلماء فيها، توجّه إلى بغداد في العام 758هـ، وتابع التحصيل العلمي هناك. بعد ذلك، غادر إلى دمشق، وانتقل منها إلى مكة والقاهرة والمدينة المنورة وفلسطين. وقرأ على أربعين شيخاً من شيوخ المسلمين من أهل السنة، حتى بات يُفتي في مكة على حسب ما تقول به المذاهب السنية، بما يدل دلالة واضحة على سعة علمه، وشموليته، وتبحّره فيه.

وإثر استيلاء المغول على بغداد، عاد إلى الشام، ثم إلى جزين، بعد أن أصبح الوضع في العراق معقداً بعد السيطرة المغولية.

بعد عودته إلى جزين، قام بتأسيس مدرسة جزين الأولى في العام 771هـ ـ 1370م، والتحق بها العديد من الطلاب، فكانت مقصداً لرجال العلم وطلابه. وقد حاكت هذه المدرسة ما كانت عليه مدارس دمشق في تنظيمها، فلا ننسى ما لدمشق من مكانة علمية مرموقة على مستوى العالم، وكان يقصدها طلاب العلم من كلّ الجهات.

وتعتبر مدرسة جزين من أهم المكونات العلمية والثقافية في قيام النهضة العلمية العاملية، والتي حاكتها العديد من المدارس في جبل عامل حينها، وتأثرت بحركتها ونشاطها.

وبالعودة إلى حياته العلمية، درس الشهيد الأول على: ابن معيّة، وعميد الدين، وضيا الدين، من علماء الحلّة، وعلى قطب الدين الرازي البويهي، فتأثر بهم، ويظهر ذلك في منهجه وكتاباته.

ومن مشايخه في الرواية، السيّد تاج الدين بن معية الحسني، ومن بعده، السيد علاء الدين بن زهرة الحسيني، والشيخ علي رضي الدين المزيدي، والشيخ جلال الدين الحارث، والشيخ المشهدي. ومن المحتمل أنه قرأ على عدة مشايخ من جبل عامل، بحسب “أعيان الشيعة” للسيد محسن الأمين.

ومن تلاميذه، ولده رضي الدين بن مكي، والمقداد السيوري، والشيخ حسن سليمان الحلي، وابن نجم الدين الأعرجي، وابن عبد العالي، والشيخ شمس الدين الكركي العاملي، والشيخ زين الدين الحارث وغيرهم…

كان بيت الشهيد الأول مقصداً لطلاب العلم والمعرفة، وكانت تُقام فيه ندوة للأدب يحضرها رجال العلم والأدب من دمشق والبلدان المجاورة، فكان منزله مليئاً على الدوام بالزائرين وذوي الحاجات، فقد كان كهف المحتاجين، وملجأ العلماء وطلاب العلم في التحصيل.

هذا الوضع جعل منه صاحب مكانة اجتماعية عالية، وموضع احترام وتقدير لدى مختلف الطبقات الاجتماعية، فقد كان ذا شعبية واسعة، وذا تأثيرٍ روحي وعلمي تجاوز بهما حدود بلاد الشام، حتى انشدّ له الملوك والحكّام من كل الجهات، منهم علي بن مؤيد ملك مدينة “خراسان”، حيث كان “الشهيد الأول” يحرص من خلال علاقاته بهؤلاء، على تحقيق الإصلاح في كل الواقع، ومن مختلف الجوانب، ناهيك بمحاولاته الدؤوبة في إطار التغيير والإصلاح في الأوساط العلمية، من توجيه، وإرشاد، وسعي لتوحيد الكلمة، وإخماد الفتن، وحلّ أي خلاف طائفي، رغم كلّ المضايقات والمرارات التي كان يعانيها جرّاء نشاطه، من قبل المغرضين والعابثين.

وكان صاحب همّة عالية، بحيث لم تثنه هذه التحديات والمعاناة عن القيام بواجبه الإصلاحي الرسالي التوعوي، وإحداث نهضة علمية واجتماعية كبيرة تركت بصماتها في العصور اللاحقة، فكانت مدرسته الفقهية (جزين)، أول منارة علمية في جبل عامل، وفي رأس النشاط الفكري الشيعي هناك، وخرّجت أعداداً غفيرة من الفقهاء والمفكرين فيما بعد… وبذلك، كانت حياته مسيرة مستمرة من الصبر والجهاد والتضحية والعطاء.

ومن مواقفه البطولية، محاربته للبِدَع، فعندما ظهر رجل ادّعى النبوّة، واسمه “محمد اليالوشي”، من قرية تسمّى “يالوش”، تصدّى له الشهيد الأول، وجرت بينهما معركة في منطقة النبطية الفوقا، عُرِفت بـ”معركة الشهداء”، انتصر فيها الشهيد الأول. هذه الوقفة من قِبَل الشهيد الأول، كان لها أبعاد مختلفة، من ذلك، القضاء على البدع والشعوذات التي تهدد أركان الدين، وجمع شمل العامليين، وبخاصة بعد بروز الإقطاع الذي وقف بوجه عملية الإصلاح الديني، للإبقاء على سلطته، وتكريس نفوذه.

ما قام به الشهيد الأول من نهضة وحركة علمية، جعلته هدفاً للمغرضين والحاقدين والحاسدين، الذين وشوا به إلى السلطة، بهدف الانتقام منه. ولم يجد هؤلاء تهمة تلبي طموحهم، إلا رميه بأنّه يخالف العقيدة والشريعة. وعلى إثر ذلك، تمّ استدعاؤه إلى دمشق، حيث سجنه نائب المدينة “بيدمر” الخوارزمي في قلعتها، وألّف في مدّة سجنه الكتاب الفقهي الشهير “اللمعة الدمشقية”، والذي صار بعد ذلك مرجعاً رئيسياً للدراسات الإسلامية الفقهية في أرجاء العالم الإسلامي.

خلال سجنه في قلعة دمشق، حاول التواصل مع حكّام المماليك، لشرح وضعه والنظر فيه، ولكنه لم يلقَ آذاناً صاغية منهم. بعدها جاءت محاكمته، بعد أن خاف “بيدمر” من ثورة الناس، وهجومهم على السجن لإنقاذ الشهيد الأول، فحاول التعجيل في أمر محاكمته وقتله. تهرّب في بادئ الأمر القضاة من محاكمته وهدر دمه، ما أدى إلى استبدالهم، ثم حُوكِمَ بوجود قاضيين اثنين، فأفتى أحدهما بوجوب قتله، وهو القاضي المالكي، الذي كفّره وقضى بهدر دمه حتى إن تاب، وفرض هذا القاضي تنفيذ الحكم على قضاة المذاهب الأخرى، أما القاضي الآخر، فقد برّأه.

وقيل إنه أخرج إلى قلعة دمشق، وضُرِبت عنقه، وذلك في جمادي الأول سنة 786هـ ـ 1384م.

وبعد أفول نجمه، تفرَّق تلامذة مدرسته، وانتقلت الحركة العلمية بذلك إلى أماكن أخرى، وازدهرت المدارس العلمية، ولا سيّما مدرسة “جبع”، التي كان لها الموقع الرائد مع عَلَمٍ آخر، هو “الشهيد الثاني”، الشيخ زين الدين الجبعي.

كان الشهيد الأول صاحب فكرٍ إصلاحي متنوّر، ويعتبر رائداً من رواد الحركة العلمية في جبل عامل خلال القرن الرابع عشر.

تجاوزت مؤلفاته العشرين مؤلفاً، ومنها: اللمعة الدمشقية، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، شرح التهذيب في أصول الفقه، الرسالة الألفية في الصلاة، جامع البين في فوائد الشرحين، كتاب الذكرى، وغيرها…

وأجمعت كلمات العلماء على مكانته وعظمته العلمية، فكتب الحر العاملي في (أمل الآمل): “كان فقيهاً محدّثاً متبصراً كاملاً، جامعاً لفنون العقليات والنقليات، زاهداً عابداً ورعاً شاعراً أديباً، فريد دهره، عديم النظير في زمانه”.

أما صاحب (أعيان الشيعة)، فيقول: “هو إمام من أئمة علماء الشيعة، وعلم من أعلامهم، وركن من أركانهم، وفقيه عظيم من أعاظم فقهائهم، يضرب المثل بفقاهته، ومفخرة من مفاخر جبل عامل”.

أما “الشهيد الثاني” فقال عنه: “شيخنا المحقق المدقق، الجامع بين منقبة العلم والسعادة، ومرتبة العمل والشهادة، محمد بن مكي، أعلى الله درجته”.

هذا أبرز ما جاء في سيرة هذا الرجل الفقيه، والعالم الذي صبر وتحدى، ومثّل بسيرته الخالدة صفات الشخصية الرسالية الأصيلة، التي عملت من أجل نشر الثقافة والعلم والوعي، وتكريس الوحدة الإسلامية في الواقع.

إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .

التعليق


*