الحوار في القرآن.. قواعده – أساليبه – معطياته

تأليف: آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله
الناشر: دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الخامسة 1996
عدد الصفحات:414

“في البدء كان الحوار..

كان الملائكة يسبّحون ويقدّسون الله في ابتهال وخشوع وإخلاص. ويشاء الله أن يخلق الإنسان ليكون “خليفته في الأرض”.

ويعلن لهم هذه المشيئة الحاسمة.

ويبدأ الحوار في السؤال عن طبيعته وعن دوره وعن سلبيّاته وإيجابياته.

ويحدّثهم الله عن ذلك كلّه في ما اختصره القرآن من القصة، ويختم الحوار من موقع الوقوف بهم عند حدود المعرفة التي يملكونها {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} البقرة: ٣٠.

وتتحرّك الحياة في الأرض ويخطو آدم ـــ الإنسان في حركته الإنسانية، التي تنتج الإنسان الفرد من أجل إيجاد الإنسان ـــ المجتمع. ويعيش المجتمع في حاجات متضادة وأفكار متباينة ومشاعر مختلفة.. ويقف أفراده ليتقاتلوا وليتحاربوا وليتحاقدوا، كأسلوب من أساليب التعبير عن ذواتهم في ما تريد وفي ما لا تريد..

ويقتل قابيل هابيل، لأنّه يريد أن يؤكّد ذاتيته من خلال ذلك.. فلم يكن هناك شيء آخر يستريح إليه من أجل التنفيس عن عقدته النفسية.. كان القتل هو الأسلوب الذي يفهمه، فليس عنده مجال للكلمة التي تأخذ تارة وتعطي أخرى.

وجاء الأنبياء ليعلِّموا الإنسان طبيعة الكلمة التي تأخذ وتعطي، ليتعلّم كيف يعالج مشاكله بها، وكيف يحلّ خلافاته من خلالها؛ لأنّها تمثّل النافذة التي يطلّ منها الإنسان على ما في داخل الآخرين عندما، تجد صداها الإيجابي في كلماتهم الهادئة أو الصاخبة.

وكان الحوار هو أسلوب الأنبياء ورسالتهم الإلهية إلى الإنسان. وأرادوا ـــ في البداية ـــ أن يدخل الإنسان مدرسة الحوار في صفوفها الأولى، أثار الأنبياء أمام الإنسان القضايا التي تتحدّى جهله وآفاقه الضيّقة، ليثيروا فيه طبيعة المواجهة، ليسأل أو يحتجّ أو يشتم أو يتمرّد أو يقذف بالحجارة أو يهدّد بالقتل.. كانت القضيّة أن يتحرّك في الداخل، ليخرج من جمود الصّمت المتحجّر في داخله.. وكانت الفكرة أن يتعلّم كيف يتطلّع إلى النور الآتي من الله. وتحرّك الإنسان في الاتجاه السلبيّ للرسالة، فأنكرها وحاربها وتمرّد عليها وكفر بها وهاجم الأنبياء حتى الموت.. وصبر الأنبياء من موقع الوعي الرساليّ لطبيعة المرحلة، وشعروا أنّهم نجحوا في إفساح المجال لهذا الإنسان أن يشكّ ويناقش ويعيش الحيرة والقلق في داخله، وإنْ حاول أن يوحي بالإرادة المضادّة.

وذاب الجليد، وبدأ الإنسان يحاور الأنبياء حواراً عنيفاً يبرّر تمرّده؛ ووقف الأنبياء أمامه يحاورونه حواراً يخفّف من تمردّه، فكانت الكلمة الطيبة الوديعة تقابل الكلمة العنيفة الحاقدة. كانوا يريدونه أن يستمع إلى الكلمة الحلوة ليتعلّمها، لتبقى في وعيه، ليمارسها ولو بعد حين.. وكانوا يدلِّلونه بتسامحهم، ليعرف كيف يتحوّل التسامح إلى ممارسة عملية، تتجسّد في موقف الرسول..

كان يريد أن يهزم رسالاتهم، من خلال كلماته ومواقفه. وكانوا يعملون على أنْ ينتصر على نفسه، من خلال الانتصار على رواسب الجريمة في داخله.. فيصبرون ليعلِّموه كيف يكون الصبر في موقع الصراع، الصبر على النوازع الذاتية وعلى  التحدّيات المضادّة وعلى الوقوف مع الحقيقة بقوّة وعلى روحيّة الحوار التي توحي له بالانفتاح الرّحب على كلّ ما في الحياة من قضايا ومشاكل. كانت تلك الدروس الأولى التي تعلّمها الإنسان في الحوار من خلال الأنبياء. وتتابعت الدروس، وكان الأنبياء “المعلِّمون” يتساقطون تحت وطأة شقاوة التلاميذ، الكسالى، اللاعبين بحجارات الكفر والضلال. ولكن القافلة تستمرّ وتتنوّع الدروس في أساليبها وينطلق الحوار في الحياة تياراً يهدر ينبوعاً يتفجّر وريحاً يحرّك الفكر والعاطفة والوجدان ومنهجاً للسير بالحياة إلى أهدافها الكبيرة.

وما تزال الحياة تحتضن الحوار وترزح ـــ في الوقت نفسه ـــ تحت ثقل الأساليب العنيفة، التي تريد أن تخنقه بالجوّ الضاغط الذي تصنعه، وبالقوّة المادية الغاشمة التي تحشدها، وبالعقليات الضيّقة التي تربِّيها ويقف الحوار أمام القوّة كما وقف الأنبياء، ليعلِّم أنّ القوّة لا تستطيع أن تبني الحياة التي تريد إلاّ من خلال الحوار لأنّ القوّة التي تفقد ذلك سوف تدمّر نفسها في نهاية المطاف، لأنّها لا تجد أمامها إلاّ الحجارة التي ترجم حجارة والرّصاصة التي تقابل الرصاصة دون هدف أو معنى. إنّ الحوار يعطي القوّة للمضمون الذي تتحرّك من خلاله، والهدف الذي تسعى إليه والرّوح التي تعيش فيها.

كذلك، فلا بدّ من الحوار، لتستمر الحياة في حالة الضعف أو في حالة القوّة، في حالة الحرب أو في حالة السلم…”

من مقدّمة الطبعة الأولى

تحميل

التعليق


*