عرض لكتاب “فقهاء ومناهج”

كتاب “فقهاء ومناهج”، حلقة من سلسلة دراسات فقهيّة للباحث السيّد محمد الحسيني، إصدار مركز ابن إدريس الحلي في طبعته الأولى العام 2009م، يسلّط الضوء على جملة من النقاط الأساسية المعتمدة في منهج العديد من العلماء، والتي شكّلت إسهاماتهم الفقهية دفعاً قوياً للعملية الاجتهادية برمّتها.

الباحث يهدف إلى الإطلالة على المنهج والآليات عند الفقهاء، أمثال الشيخ محمد حسن النجفي، صاحب الجواهر، وعند الفقهاء المعاصرين، كالسيّد الشّهيد محمد باقر الصدر(رض) والسيد الشهيد محمد صادق الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، الشيخ عبد الهادي الفضلي.

ـ في البحث الأول: يشير إلى ملامح المنهج الفقهي لدى عالم من أكابر علماء الشيعة، وهو الشيخ محمد حسن النجفي، صاحب (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام).. بعد عرضه لحياة الشيخ النجفي ومسيرته العلمية، وما تميزت به، وما أحاط بها من ظروف في ظلّ تطوّر البحث الفقهي وأشكاله المختلفة، يذكر أنَّ مؤلَّفه الفقهيّ الّذي يتميَّز بأنّه لا غنى للمجتهد والفقيه وطالب العلم عنه، بوفرة المصادر والمراجع وتنوّعها، قديمها وحديثها في عصره، متتبّعاً لأدقّ الأقوال في المسائل الفقهيّة، على اختلاف أصحاب الرّأي ومدارسهم، وبشكل مسهب وغير مطوّل يؤدّي الغرض ويخدم الفكرة، فكان مؤلّفه (الجواهر) خير ممثل للحياة العلمية على غناها، ولا ننسى ما يقدّمه الباحث عن المميّزات التي اتّصف بها منهج الشّيخ النجفي في عالم الأصول وتطبيقاتها.

في البحث الثّاني: عرْضُه لما تميّز به المنهج الفقهي عند السيّد الشهيد محمد باقر الصدر(رض)، هذه الشخصيّة الفقهيّة والأصوليّة والفكريّة المتعدّدة الحضور والعطاء.. فالسيّد الشهيد محمد باقر الصّدر(رض)، كان صاحب همّ إسلاميّ في إيجاد مشروع نهضوي متكامل على مستوى إبراز مفاهيم الإسلام بأسلوب علميّ متجدّد، فاجأ به الحوزات العلميّة الّتي تعوّدت على نمط معيّن في مقاربة الأمور.

ولفت إلى أنّه كان ذا مصداقيّة متفانية في الاشتغال العلمي وموضوعيّته المتناهية في عرض الآراء ونقاشها ونقدها، بحيث عمّق البحث الفقهيّ والأصوليّ، وهو ما انعكس تعميماً للثقافة الفقهيّة، عبر أسلوب مستحدث، وخطاب مؤصِّل للعقليّة الفقهيّة بكلّ تنوّعاتها، وقد ارتكزت على إبراز المفاهيم الإسلاميّة، وما أعطته هذه المفاهيم من صقل وصوغ لذهنيّة الفقيه.

فمنهج الشّهيد الصّدر اتّصف بالإحاطة والشّمول والعمق والدقّة العلميّة والتوازن والتواضع العلمي، وحتى في منهجه اتّصف بالابتكار العلمي من خلال النظرية والتطبيق، معتمداً على التعاطي العرفي والتاريخي للموضوع وليس العقليّ فقط.. وما يلفت، ما حشده الباحث من أمثلة وشواهد كثيرة ومتعدّدة لما جاء من صفات المنهج عند السيّد الشّهيد محمد باقر الصّدر(رض).

في البحث الثّالث: جاء عن المنهج الفقهيّ لدى السيّد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(رض)، فبعد عرض مكوّنات شخصيّته، ينتقل الباحث إلى ذكر الملامح العامة لمنهجه الفقهي، حيث اختار المنهج التقليدي الموروث، مع عدم غفلته عن الإشارة إلى ضرورة الأخذ بالتقسيم المنهجي الحديث، ويتّضح ذلك من خلال العمل على توطيد العلاقة وإبرازها بين الحقل الفقهي والحقول المعرفيّة الأخرى، بما ينعكس إيجاباً على مقاربة الموضوعات الشرعيّة بطريقة عقليّة دقيقة.. فهو ينحو منحى الاتجاه العقلي في مدرسته الفقهيّة المنفتح على كلّ المستجدّات العلميّة بما يدفع من استدلاله الفقهيّ.. ويعرض الباحث العديد من الأمثلة الفقهيّة، زيادةً في التوضيح لما قام به الشّهيد محمد محمد صادق الصدر(رض) من محاولات لتقديم منهج فقهي إسلامي.

أمّا البحث الرّابع: فقد تطرّق الباحث السيّد محمد الحسيني إلى ملامح المنهج الفقهي لدى العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهو من الفقهاء المعاصرين الذي يتبنى حصراً مقولة أنّ الأدلة الشرعية ـ عنده ـ هي القرآن الكريم والسنّة الشريفة حصراً، وقد ناقش الشيخ شمس الدين مسألة الإجماع والعقل، معتبراً إيّاهما مصدريْن غير موازييْن في التّشريع، كالكتاب والسنّة، مؤكّداً في منهجه أهميّة الرؤية القرآنية في عملية الاستنباط..إضافةً إلى ما طرحه الشيخ شمس الدين من إضاءات مهمّة وملاحظات قيّمة في مسائل الحديث والرجال.

وما تميّز به، هو محاولته الخروج عن المألوف، باحثاً عن آليّات استنباطيّة مستجيبة للمتغيّرات الاجتماعيّة والإنسانيّة، غير بعيدة عن أصالة التشريع.. فلقد انتقد في منهجه العديد من المقولات الشّائعة في الوسط الفقهي، من مسائل “التعبّد” و”الاحتياط” والاستغراق في المنهج الفلسفي وغير ذلك.. فمنهجه الفقهيّ يدلّ على أنّه صاحب شخصيّة مستقلّة ناقدة وجريئة.

في البحث الخامس: تطرّق الباحث إلى ملامح المنهج الفقهي عند المرجع المعاصر السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، هذه الشخصيّة الفقهية والفكرية الكبيرة، التي تركت بصمات متعدّدة في عالم الفقه والاجتهاد، وتميّزت بالتّجديد والإبداع في مقارباتها للمسائل العلميّة، فمن البداية، يعتمد السيّد فضل الله(رض) في منهجه الفقهي على القرآن الكريم كدليل أوّل وأساس في عالم الفهم والتّشريع، داعياً إلى عرض السنّة الشّريفة على القرآن، والتمكّن من الثقافة القرآنية التي تغذّي الذهنيّة الفقهيّة وتغنيها وتوسِّع من آفاقها.

ويعرض الباحث للعديد من الأمثلة والشّواهد على ذلك، كمسألة الخلع والطّلاق، وحرمة وحليّة السمك الذي لا فلس له ولا قشر، وإرث الزوجة والغناء.. إضافةً إلى فقهه الواقعي البعيد من التجريد والافتراضية التي لا واقع لها.

وما تميّز به منهج السيّد(رض) الفقهيّ، أنه ينطلق من المناسبات التاريخية لبعض الأحكام، كالحجّ مثلاً، للاستفادة منها على صعيد تأصيل الحكم الشّرعي.

والمنهج الفقهي عند سماحته يتميّز بالمتابعة للمسائل الفقهيّة المستجدّة بشكل دقيق وعميق، ناظراً إلى كلّ الأبعاد للمسائل، بعيداً من التجزئة والنظرة القاصرة.

أمّا البحث السّادس: فكان عن صفات المنهج الفقهيّ لدى العلاّمة الشّيخ عبد الهادي الفضلي، وهو من العلماء المعاصرين أيضاً، المتأثّر فكراً وسلوكاً بمدرسة النّجف الفقهيّة، وبخاصّة مع أستاذها الفذّ السيد محمد باقر الصدر(رض).

فمن صفات منهجه، التقيّد بالفهم العرفي للنّصوص كقاعدة لا بدّ منها، مستبعداً أدوات الفلسفة ومعطياتها، كما في مسألة الاجتهاد ومنشئها، كذلك يذهب في منهجه إلى بحث المسائل من ناحية تسلسلها ومنشئها التاريخي، لمعرفة ميزاتها وتطوّرها والتأثيرات فيها، وكان في منهجه شديد التتبّع للموضوعات، محقّقاً لتفاصيلها الدّقيقة، كما يتصف منهجه، إضافةً إلى عمقه، بأنه ينمُّ عن ذهنيّة منتجة ومعاصرة وبُعدٍ علميّ متمرّس، كما في طرحه عن الاجتهاد الجماعي.

ناهيك بمرجعية القرآن الحاكمة على النصوص.. وما يلفت، أنّ الشيخ الفضلي حاول من خلال نهجه الفقهي إلى حدّ كبير، إثبات شخصيّته العلمية المستقلة غير المنفعلة والمؤطّرَة.

كتابٌ مفيد وقيِّم بمعلوماته وأبحاثه، هو خير معين للطلاب والعلماء في التعرف إلى كثير مما هو موجود عند بعض الفقهاء والعلماء.

محمد عبد الله فضل الله

التعليق


*