علم الكلام وتاريخ تأسيسه

علم الكلام هو من العلوم الإسلاميّة، ويُبحث فيه عن إثبات أصول الدّين الإسلامي، أي الألوهيّة ـ الّتي تشمل التّوحيد والعدل ـ والنبوّة والإمامة والمعاد، بالأدلّة التي تفيد اليقين وتسبّب الاعتقاد .

ويتكفّل هذا العلم الإسلامي بدراسة المسائل الاعتقادية ـ أصول الدّين ـ وإثباتها بالأدلّة والحجج، ومناقشة الأقوال والآراء المخالفة لها، ونقد الشّبهات المطروحة حولها، ودفعها بالحجّة والبرهان. ومن جملة فوائده:

معرفة أصول الدّين على أساس من الدّليل والبرهان، واكتساب القدرة والحجّة على إثبات قواعد العقائد بالدّليل والحجّة، وصولاً إلى إبطال الشّبهات التي تثار حول قواعد العقائد .

وتعود نشأته عند الشّيعة بحسب البعض، إلى بداية الكلام حول مبحث الإمامة والاستدلال عليها، وتوسع أكثر مع الانفتاح على الأديان الأخرى، كالمسيحيّة واليهودية، ومع وجود ترجمات الفلسفة اليونانيّة ومدارسها المختلفة.

وبعض آخر اعتبر نشأته تعود إلى بداية النّقاش حول الكلام الإلهيّ وقدمه وحدوثه، وما يتّصل بذلك، ومن هذا النّقاش اشتقّ اسم علم الكلام.

وقد أطلق اسم علماء الكلام والعقائد أو المتكلّمين على كثيرين ممن مثّلوا المدارس العقيديّة الإسلاميّة، من الإمامية إلى المعتزلة فالأشاعرة وغيرهم، واشتهر علماء الشّيعة بهذا الفنّ من العلم، وكان منهم عائلات متخصّصة بذلك، كآل النّوبختي. ويكفي اسم هشام بن الحكم على هذا الصَّعيد، وغيره من الأسماء التي لمعت لاحقاً، كقيس بن الماصر.

يقول العلامة الشّيخ جعفر السبحاني في كتاب “الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل”: 3 / 6، طبعة مؤسّسة الإمام الصّادق(ع)، قمّ/ إيران، ما ملخّصه:

“أُسِّس علم الكلام في بدايات القرن الأوّل الهجري، ولم يكن تأسيسه وتدوينه إلا لضرورة دَعت إليها حاجة المسلمين إلى صيانة دينهم وعقيدتهم وشريعتهم من تهاجمات الأفكار المضادّة، التي شاعت إثر الاحتكاك الثقافي بين المسلمين وغيرهم، وبسبب ترجمة الكتب الفلسفيّة والاعتقادية للفرس واليونان، فلم يجد المسلمون سبيلاً إلاّ التسلح بالبراهين العقليّة، كي يصونوا بذلك معتقداتهم ويدافعوا عنها، لكنّ التاريخ يشهد بأنَّ قسماً كبيراً من مسائل علم الكلام حول المبدأ والمعاد، وحول التّوحيد والعدل، متَّخذة من خطب الإمام أمير المؤمنين(ع)، وأنه هو البطل المقدام في دعم هذه الأصول وأحكامها، ولو اعترفت المعتزلة بأنّ منهجهم الكلامي يرجع إلى عليّ(ع)، فقد صدقوا في انتمائهم وانتسابهم إلى ذلك المنهل العذب الفيّاض، وليس عليّ وحده من بين أئمة أهل البيت أقام دعائم هذا العلم وأشاد بنيانه، بل تلاه الأئمّة الأخر منهم”.

يقول العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: 1/6: “وأمّا الحكمة والبحث في الأمور الإلهيّة، فلم يكن من فنّ أحد من العرب… وأوّل من خاض فيه من العرب، عليّ(ع)… ولهذا انتسب المتكلّمون الذين لجّوا في بحار المعقولات إليه خاصّة دون غيره ، وسمّوه أستاذهم ورئيسهم، واجتذبته كلّ فرقة من الفرق إلى نفسها…”.

وبعد هذا العرض، لا بدَّ من القول بضرورة تجديد أدوات قراءة علم الكلام ووسائل فهمه وتحديثها، كي تنسجم مع لغة العصر، ولنحرّر هذا العلم من بعض القيود الّتي تجعله رهين الكتب، بل أن نطلق عباراته ونفتحها ونهضمها جيّداً، كي تخدم النصّ الدّيني وتؤصّله، وتعطيه المعنى العميق والدّقيق في وجه ما يبرز من تحدّيات متنوّعة، تشكّك في العقيدة وتطعن بها، وهذه مسؤولية كبيرة على عاتق العلماء والمتخصّصين والحوزات العلميّة.

محمد عبد الله

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها. 

التعليق


*