ثقافة التعصّب

“في مجتمعنا هذا الّذي نعيش انتماءات مختلفة، من حقّكم أن تختلفوا في الانتماء حسب اقتناعكم، لكن ليس من حقّكم أن تتعصّبوا لانتمائكم. ليس من حقّكم أن تحملوا الحقد لمن لا يتفق معكم في انتمائكم. والجريمة الكبرى، هي أن تعلّموا أولادكم، أيتامكم، طلاّبكم التعصّب. هناك فرق بين أن تكون ملتزماً أو أن تكون متعصّباً. من حقّك أن تلتزم بما اقتنعت به مائة في المائة، ولا تجامل أحداً في التزامك ما دمت مقتنعاً بالتزامك، أيّاً كان مضمون الالتزام، وعندما تكون إنساناً يحمل فكراً، فإنّه يملك رحابة أن يعترف بأنّ من حقّ الآخر أن يحمل فكراً مخالفاً، حتى لو كنت لا تقبل به، أمّا عندما تكون متعصّباً، فأنت تزرع الحقد في نفسك ضدّ الإنسان الآخر، وعندما تنقل تعصّبك إلى كلّ هؤلاء البراعم، فإنك تفسد عليهم فطرتهم وإنسانيّتهم، وتصنع منهم مشروع جريمة وفتنة في المجتمع، لهذا فإنّني أعتقد أنّ كلّ المتعصّبين مجرمون في حقّ الأمّة”.

هذه الفقرة مقتطفة من محاضرة لعالم الدّين المعتدل السيّد محمد حسين فضل الله(ره)، الذي سخّر كلّ قدراته لنشر فكر الاعتدال والوسطية، ولدعوة المسلمين إلى العمل بإيجابية وخدمة الناس والمجتمع. الفقرة يتمّ تبادلها كثيراً عبر فيديو قصير، لتأكيد الحاجة إلى هذا الفكر النيِّر وهذه الوسطية في زمنٍ صار التطرف والتعصب هو الأساس.

من الطبيعي أن تكون انتماءات أفراد أيّ مجتمع مختلفة، فعقولهم مختلفة، وثقافاتهم مختلفة، وإدراكهم للأمور مختلف، وتربيتهم وبيئاتهم مختلفة، والأكيد أنّ من حقّ كلّ واحد من أفراد المجتمع أن ينتمي إلى ما يعتقد أنّه الصّحيح، فمن الطبيعي أن يقتنع بأمور ولا يقتنع بأخرى، ومن الطّبيعي أيضاً أن يدافع عن قناعاته، لكنّ التعصّب ممنوع وآثم، والسّبب هو أنّ المتعصّب لفكر معيّن، يعتقد في قرارة نفسه أنه لا يوجد في كل الدنيا أمر صحيح إلا ما ختم بختمه الشّخصي، وهذا غير ممكن وغير واقعيّ، لأن الناس خلقوا مختلفين في كلّ شيء.

ما أكّده فضل الله، هو أن من حقّ الفرد أن يلتزم بما هو مقتنع به من أفكار ومبادئ، بل أنّ عليه ألا يجامل في هذا الأمر أحداً، لأنه في هذه الحالة، لا يكون معبِّراً عن نفسه وما يؤمن به، فلا مجاملة في القناعات والاعتقادات، أياً كان مضمونها ودرجة اختلاف الآخرين معها، لكن الّذي ليس من حقّ الفرد، هو أن يتعصّب لرأيه ومواقفه، ولا يرى في الدّائرة سوى نفسه، فيلغي الآخر، كلّ الآخر، ويحوِّله إلى مكبٍّ لحقده.

في رأي فضل الله، الوصول إلى هذه الحالة وممارسة هذا الأمر جريمة، لكنّ الجريمة الأكبر، هي عند نقل هذا الحقد إلى العناصر التي هي في مرحلة النموّ، لأنّ هؤلاء سيشبّون على ما تمّ زرعه في نفوسهم من قناعات سالبة، وسيشيبون عليها، ولا يمكن بعد ذلك إحداث أيّ تعديل على “برمجتهم”.

“كلّ المتعصّبين مجرمون في حقّ الأمّة”. هذه هي الحقيقة التي وصل إليها فضل الله، ويصل إليها كلّ عاقل، وهو يتابع ما يجري اليوم من تطوّرات غير معقولة في مختلف المجتمعات العربية والإسلامية، فالتعصّب جريمة، ويتمّ تصنيفه في باب الجريمة الكبرى، عندما يقوم المتعصّب بزرع تعصّبه في الصّغار الذين يصيرون بعد قليل نسخةً عنه، ولكن مع اختلافٍ في درجة التعصّب، حيث من الطبيعيّ أنهم سيفوقونه في هذا المجال.

الاختلاف مع الآخر حقّ مكفول للجميع، وقبولك للآخر المختلف معك في القناعات، دليل على أنّك تمتلك رحابةً تتيح لك التّعايش مع كلّ الآخرين.

فريد أحمد حسن
صحيفة الوطن البحرينيّة

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها

التعليق


*