الزهراء (ع) في أحضان الرّسالة النبويَّة

| تاريخ وسيرة |

 

عندما نعيش التّاريخ في شخصيَّة تملك الكثير من عطاء الروح والفكر والحركة والحياة، فإنّ عيش التاريخ في هذا الواقع، يمثِّل حركة المسؤوليَّة في وعينا، لأنَّ الله تعالى أراد لنا عندما نقرأ كلّ التاريخ، سواء كان تاريخ الأنبياء، أو الأولياء، أو الطغاة، أن يكون التاريخ مدرستنا في كلِّ إيجابيّاته وسلبيّاته.

عبرة التاريخ:

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ}[1]، والعبرة تفرض على الإنسان أن يأخذ من التَّاريخ ما يبقى له، وأن يترك ما يموت مع الزمن، والرّوح تبقى، لأنّه عندما يعيش الإنسان روحه من خلال كلّ معاني الروحانيّة، فإنه يسمو ويحلّق ويرتفع بعيداً عن الحيوانية، لأنّ إنسانية الإنسان ليست فقط في الجانب المادي من شخصيته، ولكنها في الروح التي تنطلق في كلّ كيانه، لتجعل منه إنساناً يحيا في الإنسان الآخر، ويذوب في الإنسان الآخر، ويضحِّي للإنسان الآخر، ويترك للحياة شيئاً يغنيها في كلّ أمورها.

وعندما يهمل الإنسان الجانب الرّوحيّ، لا يمكنه أن يعيش إنسانيّته في إنسانيّة الآخر، لأنَّ المادّة تمثِّل الأنانيّة والذاتيّة والعنصريّة الّتي تقول له: كن لشهوتك، كن لمصلحتك، كن لكلِّ ما يحقِّق ذاتك في سجن ذاتك، أمّا الرّوح، فتقول: أنت لست وحدك في الواقع، أنت جزء من الإنسان كلّه، أنت جزء من أمّتك، جزء من الدّائرة الّتي تعيشها في وطنك وتتحرّك فيها في عقيدتك. لذلك، عليك أن تذوب في الإنسان، لأنّ إنسانيّتك توحي إليك بذلك، فأن تمسح دمعة، أو تفتح قلباً، أو تحلّ مشكلة، أو تقضي حاجةً لآخر، فذلك هو معنى أن تكون إنساناً.

وتتعاظم الروح لتصل إلى مستوى بحيث تنكر ذاتك في الآخر، فتفكّر فيه قبل أن تفكّر في ذاتك. {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[2]، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ}[3]، لا للذات، لا للتجارة، ولا نريد أن نأخذ منكم شيئاً مقابل ما نقدّمه، لأنّ الله تعالى أرادنا أن نعيش العطاء الّذي يتحرّك فينا من خلال الرّوح، فنفرح به تماماً كما يفرح الينبوع عندما يتدفّق في الأرض ليعطيها خصبها ورخاءها، وتماماً كما تشرق الشمس لتعطي الكون إشراقته.

الزهراء وصناعة القيم:

وهكذا، عاشت الزهراء(ع)، من خلال قيم أهل البيت(ع)، كلّ معنى الرّوح في كلِّ كيانها وذاتها، لأنها عاشت مع رسول الله(ص) في كلِّ روحانيّته وفي كلّ ابتهالاته، وعاشت كلَّ هذا القلب الكبير الّذي كان يعتصر عندما يعيش آلام الناس من حوله، والّذي كان يحرصُ على النَّاس كما يحرص على نفسه. وقد كانت تراه كيف يتألّم للفقراء والبؤساء والحزانى واليتامى، وهو الّذي قال الله عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ـ يثقل عليه ويؤلمه عندما يراكم تواجهون مشقة الحياة ـ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ـ كما تحرص الأمُّ على أطفالها ـ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[4]، وقد كانت الزهراء(ع) ترى كيف يرأف بكلّ الناس الّذين يعيشون حوله ومعه، سواء كانوا من الذين يؤمنون به، أو من الّذين لا يؤمنون به.

لم تعرف في النبي(ص) أية نبضة حقد، فقد كان يحبُّ الناس جميعاً؛ كان يحبُّ المؤمنين به ليتحرَّك معهم في خطّ الدعوة إلى الله والعمل في سبيله، ويحبُّ الذين لا يؤمنون به حتى يهديهم بالمحبّة، من خلال قلبه الكبير الذي اتَّسع لكلِّ الناس، وكانت تتعلّم منه، تماماً كما تعلَّم منه أمير المؤمنين(ع)، الّذي أعطانا درساً في الانفتاح على الآخر، وفي نزع الحقد من صدره، عندما قال: “احصد الشرَّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك“[5]. كن القلب الّذي لا يحمل الشّرّ للآخر، ولا يحقد عليه، كن القلب الّذي ينفتح على الناس كلّهم، كن القلب الّذي جسّده عليّ(ع) عندما قال لعامله مالك الأشتر عن الناس: “فإنَّهم صنفان؛ إمَّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق“[6]. كن الإنسان الّذي يتحرّك في الآخر، وإن لم يكن مؤمناً بما تؤمن به، ولكن حاول أن تنفتح على إنسانيّته، لأنّك ستجد في داخل إنسانيته نبعاً يمكن أن يغنيك، فيؤمن في نهاية المطاف.

الزهراء (ع) في صفاء الإيمان:

وكانت الزهراء(ع) تسمع كلَّ الكلمات القاسية الّتي كانت تقال بحقّ الرسول(ص)، بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وكانت تسمعهم يقولون عن القرآن، وهي في طفولتها الأولى، إنّه أساطير الأوّلين {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[7]. كانت تراهم يضعون الأوساخ على ظهر أبيها، وكانت تزحف في طفولتها البريئة الطيبة الطاهرة وهي تبكي وتنـزع ذلك عنه، وتنتظر منه أن يوجّه إليهم الكلمات القاسية، في محاولة منه للردّ على ما يقومون به. ولكن عندما كان القوم يُسيئون إلى الرسول(ص)، ويشتمونه، ويتحدّثون عنه بكلِّ شيء، كانت تسمعه بكلِّ رحابة النبوّة في عقله، وبكلِّ صفاء الإيمان في قلبه، وبكلّ تلك المحبَّة التي تنطلق من أجل أن ترعى إنسانيّة الإنسان، تسمعه يقول: “اللّهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون“[8]، “اللّهمّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون“[9]، يا ربي، لا تعذّبهم حتى وهم يضطهدونني، أمهلهم لأنَّ قلوبهم عاشت كلّ تحجّر الجاهليّة، ولأنّ عقولهم عاشت كلّ ذلك الظَّلام، اتركهم يا ربّ، سأحدّثهم عنك كثيراً، وسأقرأ لهم آياتك، وسأعطيهم كلّ ما يمكن أن يفتح لهم أبواب الإيمان. يا ربّ، لا تعذّبهم، وأمهلهم حتى أعلّمهم. وكانت الزّهراء(ع) شاهدةً على ذلك كلّه، وكانت تستمع إليه وهو يتحدّث إليهم بلين القول، وقد عبَّر الله عن ذلك بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[10].

كفاءة العقل والإيمان:

عاشت الزَّهراء(ع) كلَّ هذا، ولم تكنْ طفولتها في مستوى طفولة الأطفال، فقد استطاعت أن تبلغ بعقلها مبلغاً كبيراً، جعلها تعيش مع رسول الله في طفولتها الأولى لتشعر بمسؤوليّتها، فاستطاعت أن تعطيه حناناً فقده عندما فقد أمّه، وأن تعطيه شيئاً يفتح كلّ روحه عندما يأتي إلى البيت، ولا سيّما بعد أن فقد زوجته المخلصة الحانية الوفية السيّدة خديجة. كان وحده في البيت، وليس معه إلا عليٌّ وفاطمة، وكانت فاطمة(ع) تختصر في شخصيّتها أمّه، وتختصر في شخصيتها أمّها، وتختصر في شخصيّتها المعنى الكامل للبنت في موقفها من أبيها، فقد كانت تعطيه عطف الأمّ، وعطف الزّوجة، وكان يقول وهو يتلقّى ذلك، والزهراء تملأ قلبه حناناً وعاطفةً وإخلاصاً وطهراً وصفاءً ونقاءً، إنها “أمّ أبيها“.

وهكذا أيُّها الأحبة، كانت تلميذة رسول الله الأولى، وكان عليٌّ رفيقها في التلمذة في بيت رسول الله(ص)، كانت تتعلم ما يتعلّمه علي(ع)، وكانت تنفتح على الروحانية الفيَّاضة من روح رسول الله(ص)، كما كان علي(ع) ينفتح على ذلك، وكانت(ع) تعيش آفاق الرسالة في كلِّ حركة الدعوة وفي كلّ مشاكلها وآلامها وتحدّياتها هناك، كما كان يعيشها عليّ(ع). ولذلك، كان عليّ(ع) كفؤها، لأنّ الكفاءة ليست فقط في كفاءة النّسب، ولكنّها كفاءة العقل الذي يزاوج العقل، وكفاءة القلب الّذي يلتقي مع القلب، وكفاءة الرّوح التي تذوب في الروح، وكفاءة ذلك الوعي المنفتح على الإسلام فكراً ومنهجاً وحركة.

وهكذا، عاشت مع علي(ع) دون أن تبتعد عن رسول الله(ص)، فكان الثلاثة في بيتها الجديد، لأنّ رسول الله(ص) كان يقضي أغلب وقته عندها، إذ كان يجد في أجواء بيتها أجواء البيت الإسلامي الذي أراده أن يكون نموذج البيت الذي يعيش مع الله تعالى، ومع الرسالة، ومع الناس، ومع المسؤوليّة.

لذلك، كان ينطلق، إذا أراد سفراً، من بيت فاطمة(ع) لا من بيت زوجاته، وكن كثراً. وعندما كان يعود من سفره، كان بيت فاطمة أول بيت يدخله، لأنّه كان يعتبر أنّ بيتها فيه امتداد لبيته منذ أن انطلق بالرّسالة.

انفتاح على الحقّ والعدل:

وهكذا، نتمثّلها في ابتهالاتها وفي صلواتها؛ نتمثّل الإنسانة الّتي تنفتح على الإنسان كلّه في آلامه وكلّ قضاياه ومشاكله، قبل أن تنفتح على نفسها. وينقل عنها ولدها الإمام الحسن(ع)، أنها كانت تقوم في الليل حتى تتورَّم قدماها طاعةً لله تعالى، وكان يستمع إلى ما تقوله في دعائها، حيث كانت تدعو للمؤمنين وللمؤمنات، ولم يسمع أنها دعت لنفسها، فقال لها يوماً: “يا أمّاه، لم لا تدعين لنفسك،كما تدعين لغيرك؟“، وأنت تعانين ما تعانين من ضعف الجسد، ومن شظف العيش، ومن كثيرٍ من الآلام، لأنّ الإنسان عندما يقف بين يدي ربه تعالى، ويسمو إلى ربه في روحانيّته، ويفتح قلبه لربه، يعمل على أن ينتهز هذه الفرصة الروحانيّة التي يستجاب فيها الدعاء، ليدعو لنفسه حتى يستجاب له دعاؤه، فقالت: ـ وهنا المفاجأة ـ “يا بنيّ، الجار ثم الدار“[11]، نحن أهل بيت نفكّر في الآخرين قبل أن نفكّر في أنفسنا.

نحن نعرف أنَّ المقولة المأخوذ بها عند النّاس هي مقولة “أنا لا الآخرون”، وهذه ظاهرة اجتماعية موجودة، ويقول البعض إذا كان يعيش إنسانيّته: “أنا والآخرون”، ولكنّ أهل البيت(ع) يقولون: “الآخرون أوّلاً”، انطلاقاً من هذه الإنسانية النابضة بالروح، التي تعيش هذا الينبوع الدافق من المحبّة ومن الصفاء ومن الروحانيّة، بالمستوى الذي يرفعها السّموّ الروحي لتذوب في الإنسان الآخر.

إنّ الزهراء(ع) درس نتعلّم منه كيف يمكننا أن نخرج من وحول الذّات، ومن هذه الحيوانيّة الغريزية التي تجعل الإنسان يخلد إلى الأرض فيحدّق فيها، {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}[12]، فلا يرفع عينيه إلى السماء ليرى ما فيها من روحانيّة وصفاء وانفتاح على الخير والحق والعدل.

فهل نطمع، ونحن نحاول أن نستعيد ذكراها بعد مئات السنين، أن نرتفع إليها، لنخرج من الذات إلى الرّوح، ونخرج من الأنانيّة إلى الغيريّة، وأن نجعل لحياتنا شيئاً من الرفق، وشيئاً من الروح، وشيئاً من المحبة؟!

السعادة اطمئنان ورضا:

أيُّها الأحبَّة، مشكلتنا أنّنا متعبون، نلحُّ في إتعاب أنفسنا عندما ندرس الناس الذين يملكون الثروات الكبيرة، والجاه الكبير، والشهوات الكثيرة. ولكنّكم إذا حدّقتم في داخل هؤلاء، فستجدون أنهم يعيشون بؤساً روحياً وشقاءً، فهم يملكون المال، ولكنّهم لا يلتذّون به، لأنّ كلّ الصراعات تنطلق من أجل أن تسلبه هنا، وتصادره هناك، فهم يعيشون بؤس الصراع. وهكذا، يخاف من يملك الجاه، أن يتحرك فريق هنا من أجل أن يُضعف جاهه، أو ينطلق عهد ليكون مكان عهد آخر، لتكون المسألة: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[13]، {قُلِ اللّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[14].

فصاحب الجاه يعيش قلقاً دائماً، لأنه يخاف على جاهه. وهكذا أصحاب الشهوات يخافون على شهواتهم من ضعف الصّحة، أو قلة الفرص، أو قلة المال، ربما نراهم ينعمون جيداً، ولكن لو دخلت إلى نفوسهم وإلى ظروفهم، لرأيت البؤس كلّ البؤس، لأن معنى أن تكون سعيداً، هو أن تحصل على الطمأنينة والرضى والاستقرار النفسي، وأن تشعر بأنّ نفسك أغلى من مالك وجاهك، لأنّها هي التي تبقى لك، فالمال يزول، والجاه يزول، والشهوات تزول…

تلك هي المسألة، قالها علي(ع)، بأنّ على الإنسان أن يعتبر نفسه أكبر من كلِّ مالٍ، ومن كلّ شهوةٍ، ومن كلّ جاه، فعندما تحترم نفسك من خلال ما في داخل نفسك من فضائل، فستكون سعيداً حتى لو رجمك العالم بالحجارة، ولكن عندما تحتقر نفسك، لأنّك تجد فيها الكثير مما لا يشرِّفك، فستعيش البؤس والشّقاء، حتى لو هتف كلَّ العالم باسمك، ذلك أنّ احترام الإنسان لنفسه من خلال ما يعرفه من نفسه، هو السّعادة، واحتقار الإنسان لنفسه من خلال ما يعرفه من نفسه، هو الشّقاء.

الزّهراء: الإسلام المتحرك:

أيُّها الأحبَّة، عندما نستحضر الزّهراء(ع)، فإنّ علينا أن نعيش مع هذا الأفق الرّوحاني الطيِّب، ومع هذه الإنسانة التي استطاعت أن تتحرَّك مع الله في أصفى روحانية، ومع الحياة في أوسع مسؤولية؛ هذه الإنسانة التي ترقُّ وتذوب روحاً محلّقة مع الله تعالى؛ هذه الإنسانة الّتي كانت مثقلة بكلِّ ظروفها الصّعبة، ومع ذلك، كانت تجمع النساء في بيتها من أجل أن تعلمهنَّ وتثقفهنَّ بكل ما سمعته من رسول الله(ص)، وكانت تعيش الثقافة كمسؤولية، حتى إذا انطلق الواقع الإسلامي بتعقيدات كثيرة بعد وفاة رسول الله(ص)، وقفت في مسجد رسول الله(ص) تدافع عن الحق الذي تعتقد أنّه الحق، في محاضرة قيِّمة تشتمل على أسرار التوحيد، والنبوّة، والتشريع، وحركة الواقع من حولها، وحركة الاحتجاجات الفقهية القرآنية، لتبرز في ذلك، وهي بنت الثامنة عشرة من عمرها في أشهر الروايات، تبرز كعالمة تملك من العلم ما يلتقي بالفلسفة، وما يلتقي بأسرار القرآن الكريم، وبالفقه، وبالسياسة التي تتحرك بالواقع هنا وهناك. وقفت كأول امرأة في الإسلام لتحاضر في الرجال في جموع المهاجرين والأنصار، ولتتحدث إليهم عن كل مشاكل تلك الفترة وعن كل قواعد الإسلام.

هذه الإنسانة الَّتي عاشت مع الله في حضن رسول الله، وعاشت مع الله تعالى في بيت علي(ع)، وعاشت الأمومة كأعمق ما تكون وعياً وتربيةً وانفتاحاً وجهداً، وأيّ أمومة أنتجت مثل الحسن والحسين وزينب! إنّها الأمومة الّتي أعطت أولادها كلّ وعيها وروحانيتها ونشاطها وحركيّتها وجهادها، وكانت البذور في طفولتهم الأولى هي ما غزَّتهم به من لبن الجسد ولبن الروح، كما أنّها كانت بنتاً كأفضل ما تكون البنات، وزوجةً كأفضل ما تكون الزوجات، ومسلمةً كأفضل ما تكون المسلمات، ومجاهدةً بالموقف والكلمة والصَّلابة والشَّجاعة، كأفضل ما تكونُ المجاهدات.

أيُّها الأخوة، إنَّ الزهراء(ع) قدوة الرجال والنساء، لأنّها تمثِّل الإسلام المتجسِّد المتحرِّك. لذلك، أن نقتدي بها، ونأخذ شيئاً منها، ونعيش الذكرى حركةً واقتداءً واستلهاماً، تلك هي مسؤوليّتنا. ومعنى أن نتذكَّر الكبار، هو أن نكبر بهم، ومعنى أن نتذكَّر ولادتهم، هو أن نولد معهم، وأن نعيش مسؤوليّاتنا في كلّ الواقع الذي نعيشه، {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[15]. لقد قاموا بكلِّ مسؤوليَّاتهم في كلِّ مشاكلهم في الحياة، وفي كلِّ صراعاتهم، وفي كلِّ التحديات التي واجهتهم، وعلينا أن نقوم بمسؤوليّاتنا.

لذلك، فإنَّ قيمة الزَّهراء(ع)، أنها عاشت الانتماء إلى الإسلام الأصيل، وعملت من أجل تأكيد هذا الانتماء، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[16]، فهم الطُّهر كلّه، والصّفاء كلّه، والنقاء كلّه، وكما قال ذلك الشاعر:

فتشـبّهوا إن لم تكونوا مثلهم   إنّ التشبّه بالكرام فلاح

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الهوامش:

[1] (يوسف/111).

[2] (الحشر/9).

[3] (الإنسان/8-9).

[4] (التوبة/128).

[5] نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 42.

[6]  المصدر نفسه، ج 3، ص 85.

[7] (الفرقان/5).

[8]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 95، ص 168.

[9]  المصدر نفسه، ج 11، ص 299.

[10] (آل عمران/159).

[11]  بحار الأنوار، ج 43، ص 82.

[12]  (الأعراف/176).

[13] (آل عمران/140).

[14] (آل عمران/26).

[15] (البقرة/134).

[16] (الأحزاب/33).

 

التعليق


*