السّكينة سرّ سعادة المؤمن ومقياس إيمانه

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

هدف الإنسان في الحياة:
يسعى الإنسان في هذه الحياة، وكلّ هدفه تحقيق السّعادة، وهو لذلك يبذل الجهود، ويتحمّل المعاناة، ويقدّم التضحيات للحصول عليها…
وهذا التطلّع إلى السعادة، وإن كان ينبع من صميم الوجود الإنساني، ومن مقتضى فطرته البشريّة، إلا أنّ الناس تتعدّد طرقهم ومشاربهم لبلوغ هذا الهدف؛ فهناك من يسعى إليها في المال، وآخرون في الموقع، ومنهم في الجاه أو في العلم، وقد يراها البعض في الشّهرة أو الأولاد، فيما قد يراها آخرون في الصحّة أو الأمان وما إلى ذلك.
ولكنّنا حين نطلّ على هذه المسألة في القرآن الكريم، نراه يصنّف كلّ هذه الغايات التي يسعى الإنسان لبلوغها ضمن متاع الحياة الدّنيا، وهي التي أشار إليها بقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ}. ومن طبيعة الحياة وسننها أنها لا تصفو على حال، وإن صفت، فهي قد تحقّق للإنسان قدراً من السّعادة، حين تسدّ حاجاته وغرائزه ورغباته المادّية. ولكن حتى في هذا القدر، فإنّ هذه الحاجات لا تقدّم اكتفاءً طويل الأمد، وهذا ما يفسّر مثلاً كيف أن الإنسان في حال فقره، ينظر إلى المال كغاية قصوى للسّعادة، ويمني نفسه أنّه عند بلوغه الحدّ الأدنى من الغنى، سيكتفي بذلك، فإن تحقق له الغنى، فإنّه لا يكتفي به، بل تراه في قلق وتوتّر دائمين، يسعى إلى المزيد منه، حتى ولو أصبح من أصحاب المليارات، وكلّ ذلك بحثاً عن السعادة والاكتفاء. والأمر نفسه في الجاه أو العلم أو الشّهرة أو تأمين الصحّة أو الأمان…

وسبب ذلك النّقص، أنّ للإنسان حاجات نفسيّة وروحية داخليّة، إن جرى تلبيتها، حقّقت له ذلك الشعور الداخلي بالسعادة، وهذه الحاجات تتمثّل كما يصوّرها كتاب الله، بالسكينة والطّمأنينة والانشراح.

سرّ السّعادة:
ونحن اليوم سنتوقَّف عند واحدة من هذه المفردات، وهي السّكينة. والسّكينة تعني الهدوء والسّكون والاطمئنان الّذي يشعر به الإنسان في كلّ أحواله المعيشيّة والعاطفيّة والإنسانيّة، وخصوصاً عندما تنزل به الشّدائد والابتلاءات، وعند الغضب والانفعال والتوتّر والقلق. وشعور السّكينة ينعكس قدرةً على التّفكير الواعي والسّليم والمنطقي، أمّا اعتبارها سرّ السّعادة، فلأنها تستأصل من النفس الإنسانيّة ما ينغّص حياتها، فالإنسان يخشى دائماً أن يعيش القلق والتوتر مما قد يصيبه من مرض أو موت أو خوف، مما يخفي له المستقبل من مفاجآت ومصائر، أو من تعثّرات الحياة التي تودي به في مهاوي الفقر والحاجة، ومن أعداء يهدّدون كيانه ووجوده وقدراته.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في الآية الّتي تلوناها إلى مصدر هذه السّكينة، عندما قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}. فالسكينة منحة من الله ينزلها على قلوب المؤمنين، وهي لا تصل بالمجّان، بل بفعل إيمانهم عندما يعيشونه صادقاً عميقاً؛ الإيمان الّذي يجعلهم يستحضرون الله في كلّ حين، كما هو الله في جلاله وعظمته وقدرته وعلوّه وجبروته، فلا يرونه بعيداً منهم.. يكفي أن يدعوه حتى يستجيب لهم، وأن يتوكّلوا عليه حتى يكفيهم، وأن يستندوا إليه حتى يجدوه نعم السّند ونعم الظّهير، لذا هم يرضون بقضائه مهما كان هذا القضاء، وببلائه مهما كان هذا البلاء، وبحكمه مهما كان هذا الحكم. وفي ذلك قال رسول الله(ص): “عَجَباً لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له”.
وهو ما ورد في الحديث القدسيّ: “ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يُصلح عبدي عليه، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي، وأطاع أمري”.

من مظاهر السّكينة:
وقد أشار القرآن الكريم إلى العديد من مظاهر السّكينة التي أنزلها الله على الأنبياء والمؤمنين، فهي نزلت في قلب النبيّ موسى(ع) ومعه بنو إسرائيل، عندما لاحقهم فرعون وجنوده، بعد محاولتهم النّجاة بأنفسهم من طغيانه وجبروته، وكادوا يومها يصلون إليهم بعد أن بلغوا شاطئ البحر، جاء يومها بنو إسرائيل إلى نبيّهم موسى(ع) فزعين قائلين: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، فقال لهم بلسان السَّكينة التي كانت في قلبه: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.
وهذه السّكينة أشار إليها القرآن الكريم عندما تحدّث عن هجرة رسول الله(ص) من مكّة إلى المدينة، فقد لاحقته قريش، ووصلت برجالها إلى فم غار ثور، حيث كان يحتمي فيه رسول الله(ص) وصاحبه، ولكنّ رسول الله(ص) الواثق بربّه، كان آنذاك بمنتهى السّكينة، قائلاً إنَّ الله معنا، وما دام معنا فهو يكفينا.
{إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا}.
وقد تجلّت هذه السكينة في العديد من معارك المسلمين المصيرية، فبعد معركة أحد، جاء خبر إلى المسلمين أنّ قريش قرّرت أن تستفيد من انتصارها على المسلمين في المعركة للدّخول إلى المدينة، يومها خرج المسلمون كلّهم، لم يخشوا قريش رغم جبروتها وكلّ الآلام التي أصابتهم، ما اضطرّها أن تتراجع عمّا كانت ستقدم عليه.. وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}..
وتجلّت أيضاً في معركة حنين، يوم تعرّض المسلمون لكمين محكم من المشركين، بحيث تفرّقت صفوفهم بسببه. يومها، أنزل الله السّكينة على رسوله وعلى المؤمنين، وتحوّلت معها المعركة من هزيمة كادت تلحق بالمسلمين إلى نصر، والّذي أشار إليه الله سبحانه: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
وقد أشار الله إلى أنَّ إنزال السّكينة على قلوب المؤمنين، لا يقتصر على حالات الشدَّة، بل هي حاضرة في قلوب المؤمنين في حالات التوتّر والانفعال، بها يواجهون استنفار العصبيّات وحميّة الجاهليّة والتوتّر، ليتحرّكوا من خلالها لا من موقع ردّ الفعل، بل من موقع الإيمان والتّقوى، عندما قال: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}.

السَّكينة مظهر الإيمان:
أيّها الأحبَّة: في زمن القلق والتوتّرات والانفعالات والعصبيّات، وزمن التحدّيات والشّدائد، نحن أحوج ما نكون إلى هذا الهدوء النّفسيّ، إلى السّكينة والوقار، وإلى برودة القلب، حتّى نقدر على التّعامل مع كلّ هذه الأجواء القاسية، وعلى النّجاح في تجاوزها..
والسَّكينة هي مظهر لإيماننا وعلامة له، بها نقيس إيماننا، فلا يمكن للمؤمن أن يكون مؤمناً، إلّا إذا كان رابط الجأش في الشّدائد والصّعوبات، حافظاً لسكونه ووقاره عند الزلازل والهزّات، غير خاضع للانفعالات والحساسيّات، وغير مهتزّ أمام البلاء والآلام.. فالمؤمن في كلّ هذه الحالات، يبقى صابراً ثابتاً واعياً حكيماً، يقول عند البلاء: {هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}.
وقد ورد في صفات المؤمن: “في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور”. وقد سئل الإمام الصّادق(ع): بأيّ شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟ قال: “بالتّسليم لله، والرّضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط”.
ومتى بلغنا ذلك، فإنّ نفوسنا ستبلغ القمّة الّتي لا قمّة بعدها، نفوس لا تكسرها العواصف، ولا تهزّها زلازل الحياة، نفوس قادرة على الثّبات في اليوم الّذي قال عنه الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ}.
نفوس اطمأنّت بذكر الله، وينطبق عليها قول الله سبحانه: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

 

سماحة السيد علي فضل الله

التعليق


*