سمات الخطاب الإسلامي المعاصر

لقد اتسم الخطاب الإسلامي المعاصر، وخصوصاً في مراحله الأولى، بعدد من السمات، وصفت بغير الحميدة، وربما كانت طبيعية في ظل ولادة جديدة وعسيرة لهذا الخطاب، فظهر معها الخطاب الإسلامي مثقلاً بالظروف والمعطيات التي أنتجته أو أحاطت بإنتاجه.

و قد سُجّلت عدة سمات على هذا الخطاب يمكن تلخيصها بالتالي :

1- إنه خطاب ذو طبيعة سجالية، ابتعد معها عن روح التعاون والثقة بالآخر لأنه وجد نفسه يتخندق في جبهة صراع عنيف مع الجانب الآخر، الذي وصف بالاستعماري – عموماً – الذي يستهدفه ويعمل على إلغاء ذاته وهويته الإسلامية أو الانتقاص منها.

وغالباً ما تفوّت الطبيعة السجالية لأي خطاب ثقافي فكري فرصة التواصل مع الخطاب الفكري والثقافي الآخر، وتعمّق من الفجوة والهوّة بين الرؤى الفكرية المختلفة.

2- أنه خطاب وعظي ومثالي  في آن واحد، فهو وعظي، لأنه يرتكز على جملة من الوصايا – وهي ضرورية – ومثالي لأنه يبالغ في الصور النمطية المشرقة، دون أن يعي أن هذه الوصايا وهذه الصور النمطية لا تسهم وحدها في بناء مجتمع مستقر وآمن مزدهر. وعلى خلفية هذه السمة جاء الخطاب الإسلامي المعاصر وبالتحديد في مراحله الأولى عمومياً وضبابياً، دون أن ينفذ إلى التفاصيل الحياتية، ليكتفي باللوحات السريالية أحياناً والشعارات الإعلامية.

3- أنه ذو سمة حذرة تجاه الفكر الآخر، وخصوصاً الفكر الغربي، وذلك لأنه يحمل بذور الريبة والشك تجاهه، وهو ما باعد بينه وبين الخطاب الفكري الغربي، في وقت كان يمكن فيه التفتيش عن مواطن للقاء تمهد للتعانق الفكري وتدفع باتجاه خلق رؤى عالمية يسهم فيها الخطاب الإسلامي المعاصر بالمشاركة مع الخطاب الآخر أيا تكن مرجعيته الفكرية.

4- إنه ذو سمة إلغائية عند كثيرين، وذلك تأثراً بالفكر الآخر – وبالتحديد الغربي – الذي مارس ولايزال  يمارس الصفة الالغائية تجاه الآخر وخصوصاً الفكر الإسلامي ومحاولة مصادرته.

ولكن هذه السمات لم تبق على حالها، فقد تطور الخطاب الإسلامي، وأصبح أكثر نضجاً وأخذ يميل إلى تجسيد العلاقات الفكرية مع الآخر والتفتيش عن المشتركات، ونزع عنه – عموماً – جلباب الشك تجاهه كما أخذ يستعيد الثقة بنفسه وقدرته على المواجهة. كما أن اشتغالات المفكرين أخذت تميل نحو التفضيل والبحث في المسائل الحرجة وعدم الاكتفاء بالطابع العمومي.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي – ولا يزال – يعبر الخطاب الإسلامي عن نفسه وتجاه الغير والآخر، بما يحفظ له استقلاله الثقافي بما له من مرجعية ومنظومة قيم ومفاهيم فلسفية واجتماعية وتشريعية ويحقق له التكامل الثقافي مع الآخر الثقافي في فضاء عالمي أرحب وأوسع.

ومهمة من هذا القبيل مسؤولية كبيرة ومركبة ومعقدة وتبدو عسيرة إلى درجة توحي بالفشل وتبعث على اليأس لضراوة المعركة الثقافية ولتعاكس الإرادات وتصادمها على مستويات مختلفة تلقي بظلالها على البعد الثقافي.

ولذلك ظل التساؤل حاضراً بقوة أمام زعماء الإصلاح الإسلامي: كيف يمكن أن نستفيد من الآخر؟! وما هو المفيد للآخر في حضارتنا؟! وكيف يمكن التوفيق بين منظومة القيم الإسلامية التي تؤمن بمرجعية السماء وبين الإيمان العميق بقدرات الإنسان الخلاّقة؟! فكيف نحرر إنساننا؟! وهل أن  تحريره يمرّ عبر التخلص من هذه المرجعية؟!

 

محمد الحسيني
من كتاب: الخطاب الإسلامي المعاصر.. انطلاقته – سماته – اشتغالاته
من سلسلة إصدارات ثقافية / مركز ابن إدريس الحلي للتنمية الفقهية والثقافية
الطبعة الأولى 2015م- 1436 هـ

التعليق


*