في رحاب فكر عليّ(ع) وآفاق روحانيّته


يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ الله وَالله رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}[1]. وفي أسباب النّزول، يقول المفسّرون إنّ هذه الآية نزلت في عليّ(ع)، عندما بات على فراش النبيّ(ص) ليلة الهجرة، وهي تختصر كلّ سرّ عليّ في كلّ منطلقات حياته، وفي كلّ امتداداتها، وفي كلّ آفاقها، وفي كلّ روحانيّتها وحربها وسلمها.

علاقة عليّ(ع) مع الله

عليّ(ع) هو الإنسان الذي باع نفسه لله، فلم يشعر بأنّ هناك شيئاً للذّات في عقله، ليحرّك عقله على أساس ما يعطي الذّات ضخامة وانتفاخاً وقوّة وحيويّة بين النّاس، كما ينطلق المثقّفون والمفكّرون والأبطال من أجل أن يضخّموا شخصيّتهم لخدمة أطماعهم وأحلامهم.

وهكذا كان قلب عليّ(ع) في كلّ نبضاته، وفي كلّ خفقاته، فلم ينبض قلبه إلاّ بحبّ الله، حتى إنه عندما كان يفكّر في النار، فإنّه، وهو البعيد كلّ البعد عنها، لم يكن يفكّر في لذعاتها ولا في لهيبها، ولكنه كان يفكّر في الله ويخشى أن تحجبه عنه تعالى: “فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي، صبرتُ على عذابك، فكيف أصبر على فراقك؟”. ليست مشكلتي يا ربِّ هي مشكلة العذاب، بل هي أنَّ العذاب لو حدث، فإنّه يمثّل حاجزاً يحجزني عنك، فلا ألتقي بك، لأنَّ الذين يعذَّبون، يبعدهم الله عن رحمته فلا يلتقونه، “وهبني صبرتُ على حرّ نارك، فكيف أصبرُ عن النّظر إلى كرامتك”[2]، وقد عوّدتَني كلّ كرامتك وكلّ لطفك وكلّ آفاق المحبّة التي تملأ قلبي.

وهكذا كان عندما يتحرّك في الحياة مع نفسه، كان يقول للدّنيا: “هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً”[3]، وعندما كان يعيش مع الناس، لم يكن يفكّر فيهم إلاّ من خلال الله: “ليس أمري وأمركم واحداً، إنّني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم”[4].

الزّهد بالخلافة

وعندما كان يعيش ساحة الصّراع في مسألة الخلافة، لم يكن يفكّر فيها موقعاً متقدّماً يعلو به، ولكنّه كان يراها مسؤوليّة باهظة الأعباء والتّكاليف، كاملة غير منقوصة. فلقد دخل عليه ابن عبّاس وهو يخصف نعله، فقال له ابن عباس: انبذها عنك واتركها لمن يصلحها لك، فأنتَ خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولا يليق بك أن تخصف نعلك. فقال له(ع): “ما قيمة هذه النّعل؟”، فقال ابن عبّاس: “لا قيمة لها”، فقال(ع): “والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً”[5]. النعل تقي رجلي من الحرّ والبرد، فماذا تنفعني إمرتكم؟! فلقد كان بإمكاني أن آكل جيّداً خارج الإمرة، فأصبحت ـــ وأنا الأمير ـــ آكل الطّعام الجشب، وكان يمكن لي أن ألبس جيّداً خارج الإمرة، فصرت ألبس اللباس الخشن، فماذا تنفعني إمرتكم؟! هل تضخّم شخصيّتي؟ إنّني أترك كلّ شخصيتي تواضعاً لله، ذلك أنَّ الذين يبحثون عن الإمرة وعن الموقع المتقدّم، يرون فيه ما ينفع مقامهم ويؤكِّد عنفوانهم، إنّهم الذين يفكّرون في الدّنيا لا الذين يفكّرون في الآخرة.

وهكذا كان يقول وهو يؤكِّد تحمّله للمسؤوليّة في (الخطبة الشقشقيّة): “لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود النّاصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالمٍ، ولا سغب مظلوم”، لولا أني أريد أن أقف مع المظلوم ضدّ الظّالم، ولولا أنّي أريد أن أُقيم الحقّ وأزهق الباطل، “لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوَّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز”[6].

أهداف عليّ(ع)

وهكذا كان يتحرّك، في كلّ الأجواء الحاقدة التي أحاطت به، من أجل أن يصلح أمر الناس، ومن أجل أن يركِّز الإسلام في مواقعه، فلقد انطلق النّاكثون تارةً، والقاسطون أخرى، والمارقون ثالثةً، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[7]. “بلى والله، لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم وراقهم زبرجها”[8]!! ثم يقف بين يدي الله داعياً ليُشهد الله على قلبه وعلى موقفه، وليعبّر لله عن كلّ خلفيّات حركته عندما كان يتحرّك في مسألة الخلافة.

لقد علّمنا(ع) أنّه عندما تنطلق في ساحة صراع، وعندما تتحرّك مع النّاس الذين يصارعونك وتصارعهم، ويسابقونك وتسابقهم، حاول أوّلاً أن تقف بين يدي الله لتقدّم إليه حساب دوافعك قبل أن تتقدَّم إلى الناس ببيانك: “اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا”، ممّا تحدّثنا به وممّا حاربنا وممّا سالمنا، “منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام”، ليست الدّنيا همّنا فيما انطلقنا به، وليست الدنيا قضيّتنا فيما طالبنا به، وليست الدّنيا كلّ شيء عندنا فيما اتخذناه من مواقف، “ولكن لنرد المعالِم من دينك”، حتى ننطلق في الخطِّ الواضح الذي تتحرّك فيه هذه المعالم التي تشير إلى عقيدة هنا ومفهوم هناك وشريعة هنالك “ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المُعَطّلة من حدودك”[9]. ثم قال وهو يعبّر لله عن أنّه كان منذ البداية معه، وهو في الطّريق معه أيضاً، وسيكون في نهاية المطاف معه: “اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلاّ رسول الله(ص) بالصّلاة”[10]. وهكذا كان مع الصّلاة والمصلّين بعد رسول الله(ص).

طفولة في رحاب الرّسالة

وتعالوا ـــ أيّها الأحبّة ـــ نعيش مع عليّ(ع) حديثه عن طفولته، كيف كانت؟ ومن الذي علّمه وربّاه مَن الذي أعطاه علمه وروحه؟ مَن الذي وهبه كلّ عناصر الحقّ في شخصيّته؟ مَن الذي فتح عقله على الله وفتح قلبه على المسؤوليّة وحرّكه في اتّجاه الحقّ؟ استمعوا إلى عليّ يتحدَّث: “وقد علمتم موضعي من رسول الله(ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصّيصة، وضعني في حجره وأنا وليد “، وعمره آنذاك سنتان أو أقلّ، “يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده”، كان يحتضنه عندما ينام كما تحتضن الأمّ ولدها، “ويشمّني عرفه ـــ رائحته الذكيَّة ـــ وكان يمضع الشَّيء ـ عندما كانت أسنانه لا تزال في البداية ـ ثمّ يلقمنيه. وما وجد لي كذبةً في قول ـــ في كلّ ما تحدّثت معه ومع غيره ـــ ولا خطلة في فعل”، ومعنى ذلك أنَّ عصمته في طفولته عصمة وعي، لأنَّ بيئته كلّها كانت رسول الله، فهو لم يعش مع الأطفال، ولم يتحرّك في طفولته ليكتسب عادةً سيّئة هنا أو عادةً قبيحة هناك، بل كان رسول الله كلّ شيء عنده؛ كان مدرسته، كان بيئته، وكان مجتمعه، بل كان رسول الله فكره وقلبه وروحه.

ثم يحدّثنا عن أستاذه الّذي ربّاه وعلّمه، ليعرّفنا أنّه أخذ كلّ أخلاقه من ينبوعٍ صافٍ يتدفَّق من لطف الله ومن روحه: “ولقد قرن به ـ أي رسول الله ـ من لدن أن كان فطيماً ـ ولاحظوا هذا التّناسب، فالنبيّ(ص) منذ أن فُطِم عن الرّضاعة، تلقّفته ألطاف الله، وعليّ عندما فُطِم عن الرّضاعة، تلقّفه رسول الله. لاحظوا هذه المسألة الدّقيقة التي تعرّفنا لطف الله بالرّسول(ص)، ولطف الله بأخيه عليّ(ع) ـ أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، وكنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر أمِّه ـ  كيف يسير فصيل النّاقة خلف أمّه، يقف عندما تقف، ويتحرّك عندما تتحرّك ـ يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به ـ ليس علماً نظريّاً يدخل العقل، ولكنّه علم عمليّ يتحرّك في العقل وينزل إلى القلب ويتحرّك في الجسد، ليكون حياةً تتحرّك. ثم  ـ ولقد كان يجاور بكلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري ـ ومعنى ذلك، أنّه ليس هناك مع النبي إلاّ عليّ في عزلته التأمليّة، العباديّة، الروحيّة، التي يعيش فيها مع الله في ابتهالاته وفي تأمّلاته، وما شُغلُ عليٍّ إلاّ أنّه كان يتأمّل من حيث يتأمّل رسول الله، ويبتهل من حيث ابتهل، ويعيش الروحانية من حيث عاش الروحانيّة ـ ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما”، ففي بداية الدّعوة الإسلاميّة، لم يكن هناك إلاّ بيت إسلاميّ واحد يضمّ رسول الله وخديجة وعليّاً، وكان هذا البيت يتحرّك بكلّه ليذهب إلى المسجد الحرام ليهدم كلّ عبادة الأصنام، ولقد كان رسول الله يصلّي وعليّ إلى جانبه وخديجة خلفهما، حتى مرّ أبو طالب وقال لابنه جعفر: “يا بنيّ، صِلْ جناح ابن عمّك”، وكانت تلك أوّل صلاة جماعة في المسجد الحرام.

ويضيف عليّ(ع): “أرى نور الوحي والرّسالة، وأشمّ ريح النبوّة”[11]، هل كان شمّ عطر الجسد أو هو شمّ عطر الروح؟ إنّه عطر الأخلاق وعطر العلم وعطر كلّ عناصر شخصيّة رسول الله، حيث تتفاعل تماماً كما يتفاعل العطر الّذي تشمّه مع مسام جسدك. كان عطر الرّسالة يتفاعل مع مسام روح عليّ(ع)، وكان يقول وهو يصوّر لنا مجتمعه من أيّ قوم هو وأيّة جماعة جماعته: “وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم”[12]، يقفون مع الحقّ في صلابة الموقف، وينطلقون في خطّ المواجهة في شجاعة الموقع، ولا تأخذهم في الله لومة ما دام الله يريدهم أن يقفوا، فما قيمة اللائمين، وما قيمة المعاتبين، وما قيمة كلّ الناس ما دام الله يريد لنا أن نقف؟!.

أين نحن من عليّ(ع)؟

أيّها الأحبّة: إذا كان عليّ من هؤلاء القوم، فكيف نحن؟ هل نحن من قومه؟ هل نحن من الّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، عندما تنطلق كلمة الله، وعندما تتحرّك شريعة الله، وعندما يخذل أولياء الله؟ هل نكون من الّذين لا يخافون في الله لومة لائم، أو أنّنا نقول: (ربّنا أعطنا خبزنا كفاف يومنا ونجّنا من الشرّير) ولنبتعد، لتكون “الصّلاة عند عليّ أقوم، والطّعام عند معاوية أدسم، والجلوس على التلّ أسلم”؟! كم هم الذين يجلسون على التلّ منّا؟َ ولولا الجالسون على التلّ، لما كان خذلان لأيّ حقّ. ولكنّ المشكلة، أيّها الأحبَّة، هي أنّ الذين ساهموا في قتل عليّ، هم الّذين قالوا إنّنا نخذل الحقّ ولا ننصر الباطل، والحياديّون اللامبالون الّذين لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، شعارهم: لا أريد أن أورّط نفسي مع الجماعة ولا مع عليّ، بل أقف على التلّ. ولقد قالها الإمام الكاظم(ع) وهو يتحدَّث عن رسول الله(ص): “أبلغ خيراً وقل خيراً ولا تكن إمَّعة. قال: وما الإمّعة؟ قال: لا تقل أنا مع النّاس، وأنا كواحد من النّاس”، أنا واحد من العائلة، ماذا تقول أقول، وماذا تفعل أفعل، “إنّ رسول الله(ص) قال: يا أيّها النّاس، إنّما هما نجدان ـ طريقان ـ نجد خير ونجد شرّ، فلا يكن نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير”[13]. لذلك، فلا مجال لأن تعيش اللامبالاة، والسلبيَّة، لا مجال لأن تعيش الحياديّة بين الحقّ والباطل، وبين الظّالم والمظلوم.

لقد قالها عليّ في آخر أيّامه: “كونا للظّالم خصماً، وللمظلوم عوناً”[14]، وقال: “وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم سيماء الصدّيقين” الّذين صدقوا الله في عقولهم بالحقّ، وصدقوا الله في قلوبهم بالخير والمحبَّة، وصدقوا الله في حياتهم بالموقف الصّلب وبالجهاد، و”كلامهم كلام الأبرار” فكلّ كلامهم حقّ وخير وعدل، “عمّار اللّيل”، في العبادة ـــ “ومنار النّهار”، بما يضيئونه للنّاس من علمهم وخبرتهم، “متمسّكون بحبل القرآن، يحيون سنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يغلون”، أي لا يحملون الحقد على النّاس، “ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل”[15]، فهم يعملون وقلوبهم منفتحة على الجنّات، يريدون من الله أن يدخلهم جنَّته وأن يمنحهم رضوانه.

أن تكون من أتباع عليّ(ع)!

أيّها الأحبّة ـــ هذه نشأة عليّ(ع)، وهذا هو روح عليّ(ع). وهكذا أرادنا أن ننطلق معه، لا لنعيش عاطفةً لا مجال لموقف فيها، فعن أمير المؤمنين(ع) أنّه قال: “ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك”، فأنا لا أكفلكم ذلك، “ولكن” أيّها المسلمون، أيّها المؤمنون، العون العون، لا على المستوى الخاصّ، ولكن على مستوى القضيّة، وعلى مستوى الإسلام، “أعينوني بورع”، عن الحرام، “واجتهاد” في طاعة الله، “وعفّة” عمّا لا يحبّه الله، “وسداد”[16] في الرّأي”. هذه هي مسألته، إنّه لا يتحدّث عن الخاصّ، بل كان يحدّث النّاس بالعامّ، لأنّ عقله مع الله، وقلبه مع عباد الله وأولياء الله، وجسده مع كلّ حركة جهاد ومع كلّ انطلاقة حقّ.

أيّها الأحبَّة: أن تكون من أتباع عليّ، وأن تكون من محبّيه، فذلك شيء متعب جدّاً، لأنَّ قصّة أن تنتمي إلى شخص في هذا الحجم، شخص لا يزال الإنسان في كلّ مكان يغترف من بحار فكره ومن آفاق روحانيّته ومن صدق مواقفه، هذا الإنسان الّذي أقبلت عليه الدنيا ولكنّه كان يرفض أي دنيا تبتعد عن الله: “قد يرى الحُوَّلُ القُلَّبُ وجهَ الحيلةِ ودونها حاجز من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين، وينتهز فرصتها مَنْ لا حريجةَ له في الدّين”[17]، شخص مثله مشكلته أنّه كان إنساناً ليس في شخصيّته شيء من الباطل، ولقد قالها رسول الله(ص) في الحديث المأثور: “عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ”؛ فهل نكون مع عليّ إذا كنّا مع باطل الكلمة ومع باطل الموقف ومع باطل الشّريعة ومع باطل السياسة والاجتماع؟!.

أن تكون معه، يعني أن تلتصق به وبالحقّ، لأنّه ليس هناك مسافة بين الحقّ وبين عليّ، بحيث يمكن للباطل أن ينفذ منها.

ومن هنا، فإنّنا عندما نحتفل به، عندما نعيشه، عندما نتطلَّع إلى آفاقه، علينا أن نعيش فكره، وأن نعيش روحه وصدقه ومحبَّته لله، وأن نعيش محبَّته لرسول الله الّذي قال عنه: “لأعطيّن الرّاية غداً ـ في خيبر ـ رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّاراً ـ من موقع إيمانه ومن موقع عضلاته ـ غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه”[18]. وذاك هو عليّ، عليٌّ في سموات الإبداع والروحانية والعلم والتقوى، عليّ الذي كان يعيش أزمة مجتمعه “إنّ ههنا لعلماً جمّاً لو وجدت له حَمَلَة”[19]، “سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السّماء أعرفُ منّي بطرق الأرض”[20]. وينطلق شخص ليقول: كم شعرة في رأسي؟ ويقول أحد المستشرقين: لو كان عليّ موجوداً الآن، لرأيت مسجد الكوفة ممتلئاً بالقبّعات الغربيّة.

احتفلوا به في كلّ لحظة فكر، وفي كلّ لحظة وعي تعيشون فيه وعي عليّ وحركته في الحياة، فعليّ هو الإنسان الّذي مهما انطلقت معه، ومهما عشته، ومهما قرأت نهج بلاغته، فإنّك تجد في كلّ يوم شيئاً جديداً، لأنَّ علمه علم رسول الله، ومن وحي الله: “علّمني رسول الله ألف بابٍ من العِلْم، يُفْتَح لي من كلّ باب ألف باب”[21]. وقالها رسول الله عن تلميذه هذا: “أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها”[22].

وفي نهاية المطاف، نقرأ مع الشّاعر المسيحيّ (بولس سلامة):

يا سماء اخشعي ويا أرض قرّي     واخضعي إنّني ذكرتُ عليّاً

 

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

الهوامش:
[1] سورة البقرة، الآية: 207.
[2] من الدعاء المعروف بدعاء كميل.
[3] نهج البلاغة، ج4، ص17.
[4] نهج البلاغة، ج2، ص19.
[5] نهج البلاغة، ج1، ص81.
[6] نهج البلاغة، ج1، ص37.
[7] سورة القصص، الآية: 83.
[8] نهج البلاغة، ج1، ص36.
[9] نهج البلاغة، ج2، ص14.
[10] نهج البلاغة، ج2، ص14.
[11] نهج البلاغة، ج2، ص 157.
[12] نهج البلاغة، ج2، ص160.
[13] بحار الأنوار، ج75، ص325.
[14] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج2، ص1778.
[15] بحار الأنوار، ج14، ص 477.
[16] نهج البلاغة، ج3، ص71.
[17] نهج البلاغة، ج1، ص92.
[18] الكافي، ج8، ص351.
[19] بحار الأنوار، ج65، ص224.
[20] نهج البلاغة، ج2، ص130.
[21] بحار الأنوار، ج22، ص470.
[22] بحار الأنوار، ج10، ص121.
[23] سورة البقرة، الآية: 207.

التعليق


*