مبادئ التعايش رؤية قرآنية

تعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر أزمة حادّة في العلاقة مع الآخر المختلف دينيًا، بسبب ترعرع تيار في وسط الأمة يتبنى الصدام مع الآخر، ويمارس أشد ألوان العنف والإرهاب تجاهه، من الخطف والقتل والسبي، وتدمير المنشآت، واستهداف التجمعات المدنية بالتفجير والقتل والإرعاب، وكل ذلك يتم باسم الإسلام، وتحت رايات ترفع شعاره.

وقد طالت هذه الهجمات مختلف بلدان العالم، وسقط ضحاياها آلاف المدنيين الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال.

صحيح أن المسلمين قد عانوا في الماضي ويلات الاستعمار الأجنبي، وعنف الحملات الصليبية، ولا زالوا يواجهون سياسات الهيمنة الأجنبية على بلدانهم، والدعم المفتوح لعدوهم الرئيس (إسرائيل)، التي تحتل أرض فلسطين، وتمعن في إذلال الشعب الفلسطيني، وتمارس الغطرسة في المنطقة العربية والإسلامية بدعم غربي.

لكن ذلك لا يبرر أبدًا ممارسة الإرهاب واستهداف الأبرياء، وافتعال معركة دينية وصدام حضاري، فالسياسات الدولية لا تنطلق من منطلق ديني، ولا ترفع شعارات أيديولوجية، وإنما تدفعها وتحركها المصالح والمطامع.

كما تحتضن المجتمعات الأخرى جاليات إسلامية كبيرة، أصبحت جزءًا من تلك الأوطان، وتتمتع بكامل حقوق المواطنة، وتتاح لها فرص الحياة الكريمة، وممارسة شعائرها الدينية، وقد تكون أوضاع تلك الجاليات أفضل من أوضاع بعض المجتمعات الإسلامية في أوطانها الأصلية.

لذلك أصبحت البلدان الغربية مأوىً لكثير من المشردين واللاجئين من البلدان الإسلامية، ومهوىً للباحثين عن حياة كريمة لائقة، ومن أجل الوصول إلى شواطئ تلك البلدان يستهينون بالمخاطر والمصاعب، ويركبون أمواج البحر ويتحملون أهواله، حتى قضى الألوف منهم غرقًا وهم في طريق الهجرة إلى الضفة الأخرى.

وكان لا بدّ وأن تؤدي هذه الممارسات الإرهابية إلى تشويه سمعة الإسلام في أوساط المجتمعات الغربية، وأن يصبح وجود المسلمين مصدر قلق وخوف لتلك الشعوب. مما أعطى الفرصة لنمو توجهات يمينية متطرفة تتبنى التضييق على المسلمين، وتشويه صورة الإسلام وإهانة مقدساته، فهناك من أعلن القيام بحرق القرآن وهناك من رسم كاريكاتورات السخرية والاستهزاء بالنبي محمدA،  وهناك من أنتج أفلامًا للتخويف من الإسلام والمسلمين، وهناك من طالب بطرد المسلمين أو منع دخولهم إلى أمريكا وأوروبا، ضمن الموجة التي يطلق عليها (إسلام فوبيا).

وهكذا تأزمت العلاقة بين الأمة وهذه المجتمعات، ولم يقتصر الأمر على المجتمعات الغربية المسيحية، بل امتد إلى بلدان آسيا وأفريقيا، من المجتمعات الهندوسية والبوذية وغيرها.

في الجانب الآخر فإن العلاقات داخل الأمة وبين مكوناتها الدينية ليست أقل تأزمًا من العلاقة مع الخارج، بل هي أشدّ وأخطر، حيث انفجر الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في أكثر من قطر إسلامي، وأدى ذلك إلى حروب ومعارك، وتهجير واغتيالات وتفجيرات انتحارية إرهابية، استهدفت المساجد والحسينيات والأماكن المقدسة والتجمعات الشعبية المختلفة. وتلبدت كل سماء العالم الإسلامي بغيوم هذا الصراع المقيت.

إن الخطير في تأزم العلاقة مع الآخر الخارجي والداخلي، اتكاء هذه الحالة على تنظير ديني، حيث يروّج التيار المتطرّف لثقافة تقوم على المفاصلة والصدام مع الآخر، المختلف في الدين أو المذهب أو حتى في بعض الآراء والأفكار ضمن المذهب الواحد، كما رأينا في اقتتال الفصائل (الجهادية) في أفغانستان والصومال وسورية.

هذه الثقافة المتطرفة التي تشرعن الإرهاب والعنف تدعي الانتساب للدين، وتستدل وتستشهد بنصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأفعال صحابة، وأقوال فقهاء.

وبعض ما يستشهد به هؤلاء المتطرفون نصوص مختلقة، قد تكون من وضع وعاظ السلاطين، والرواة المرتزقة للحكام المستبدين، من أجل تبرير بطشهم وديكتاتوريتهم.

وبعض النصوص صحيحة لكن يُساء فهمها وتفسيرها، بما يخدم توجهات التشدد والتطرف.

وقد تكون بعض النصوص موجهة لظروف وزمن محدد، لكنهم يتعاملون معها على أساس الإطلاق الزماني والمكاني، دون أخذ بيئة وملابسات صدور النص بعين الاعتبار.

من هنا تبدو الحاجة ماسة في ظل هذا الوضع الحساس الذي تعيشه الأمة، على صعيد تأزم العلاقات الخارجية والداخلية، إلى ترسيم المبادئ ووضع القواعد التي تنظم العلاقة مع الآخر، والتعايش بين أبناء البشر وإن اختلفت أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم.

فلا بدّ من الرجوع إلى القرآن الكريم، وهو المصدر الأساس للعقيدة والتشريع الإسلامي، لمعرفة الرؤية الدينية، والمنهج التشريعي للتعامل مع الآخر الديني.

وتُعنى هذه الورقة المتواضعة باستكشاف الرؤية القرآنية بلغة بينة واضحة، عسى أن تسهم في تحصين وعي جمهور الأمة من التأثر بثقافة التطرف والتشدد.

الشراكة الإنسانية:

ما يجب أن يستحضره المؤمن هو أن الآخر مهما كان دينه ومذهبه وعقيدته فهو شريك له في هذه الحياة، ولا بدّ من التعامل معه على هذا الأساس، ذلك أن الله تعالى هو خالق الكون والحياة، وهو مالك كل شيء من ثرواتها وخيراتها، وقد أعطى حق الحياة والاستمتاع بخيراتها لجميع أبناء البشر، من آمن به ومن كفر، فجميع البشر شركاء على نحو التساوي في فرص الاستفادة من إمكانات الوجود.

ولا يحق لمن يدعي الإيمان بالله تعالى أن يصادر حق أحد من عباده ولو كان كافرًا، في التمتع بشيء من خيرات الحياة، لأنه بذلك يكون قد خالف إرادة الله، ومارس الظلم والجور.

كان يمكن لله تعالى أن لا يخلق من لا يؤمن به، أو أن يسلب نعمة الوجود من الكافرين والعصاة، أو يحرمهم من بعض قدرات الحياة وامتيازاتها، لكن حكمته تعالى شاءت أن تتسع الحياة للجميع، وأن يغمر فضله ونعمه الجميع.

ولنتأمل نماذج من الآيات الكريمة التي تؤكد هذه الحقيقة:

يقول تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 28-29].

والخطاب في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً موجه إلى البشر مؤمنهم وكافرهم، بدليل سياق الآية مع التي قبلها والتي تخاطب الكافرين.

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [سورة لقمان:20].

وتشير جملة من الآيات الكريمة إلى أن الله تعالى قد منح الإنسان فرصة الجمع بين متع الدنيا وثواب الآخرة، عن طريق الإيمان به والالتزام بدينه، لكن من يريد حرمان نفسه من ثواب الآخرة، بالكفر بخالقه، والصدّ عن دينه، فإن فرصته في التمتع بملذات الدنيا محفوظة له، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15].

ويقول تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الاسراء:20].

فنعم الله تغمر هؤلاء المؤمنين وهؤلاء الكافرين، ولا يحظر على الكافرين شيء من عطاء الله في هذه الحياة.

هذه الآيات الكريمة وأمثالها كثير في القرآن الكريم، تؤكد على تكافؤ الفرص بين أبناء البشر في هذه الحياة، وأنه لا يحق لأحد أن يصادر حق أحد في الاستمتاع بخيرات الدنيا مهما كان دينه أو عقيدته، مؤمنًا كان أو كافرًا، لأن ذلك منحة وعطاء إلهي للخلق.

ويمكننا أن نستشهد بقاعدة في الفقه الإسلامي تنبثق من هذه الرؤية وهي قاعدة الإحياء، فمن بادر لأرض مهملة غير مملوكة فأحياها بجهده ونشاطه، ببناء أو زرع أو ما أشبه من طرق الاستفادة، فإنه يتملكها.

يقول الفقهاء: «يجوز لكل أحد إحياء الموات بالأصل، والظاهر أنه يملك به من دون فرق بين كون المحيي مسلمًا أو كافرًا»[1].

ولا يشترط عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) كون المحيي مسلمًا. فلا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء، لعموم قول النبيA: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» ولأن الإحياء أحد أسباب التمليك فاشترك فيه المسلم والذمي كسائر أسباب الملكية[2].

وهناك قاعدة: «من حاز ملك» فمن استولى على شيء غير مملوك لأحد من خيرات الكون، يصبح ملكًا له، مسلمًا كان أو غير مسلم.

الاعتراف والإقرار بوجود الآخر:

كما أنك موجود فكذلك الآخر موجود، حيث لا يستطيع أحد إلغاء أحد، وكما لا يرضيك أن يتنكَّر الآخر لوجودك، فإنه لا يقبل أن تنكر وجوده.

وهنا يجب أن نفرق بين مشروعية الوجود، وحقانية الوجود، فكل صاحب دين أو مذهب يرى الحقانية في عقيدته، وأن المعتقدات الأخرى باطلة.

لكنه لا يملك حق إلغاء المعتقدات الأخرى، فلها وجودها وأتباعها، ومن حقهم أن يعبّروا عن ذاتهم الدينية والمذهبية.

وقد حاول بعض من أتباع مختلف الديانات والمذاهب أن يصادروا الوجودات الدينية والمذهبية المخالفة لهم، لكن هذه المحاولات غالبًا ما تبوء بالفشل، ولا تنتج إلا الحروب القذرة، والعنف المتبادل باسم الدين.

إن الدين والمعتقد قد يصبح هويّة وجودية للمجتمع، لا يتخلى عنها تحت ضغط التهديد، ولا الخضوع لمنطق الأدلة والبراهين.

وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [سورة البقرة:145].

ويروّض القرآن الكريم نفوس المؤمنين ليتعايشوا مع واقع التنوع الديني فهو قدر البشرية إلى يوم القيامة، فلا يتوهمن أحد إمكانية الفصل والحسم بين الديانات في هذه الحياة الدنيا، إذ أنها مهمة مؤجلة إلى يوم القيامة. وتتم بين يدي الله سبحانه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [سورة السجدة:25]، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [سورة المائدة: 48].

وتكريسًا لهذا المبدأ يعترف القرآن بوجود أتباع الديانات الأخرى، إلى جانب وجود أتباعه المؤمنين، في إطار هوياتهم الدينية يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سورة الحج:17].

حرية الرأي والمعتقد:

غالبًا ما يندفع الإنسان للتبشير برأيه وعقيدته بدافع وجداني، لأنه يؤمن بصحة رأيه، ويرغب أن يشاركه الآخرون الإيمان به، ويكسب المزيد من الثقة والاطمئنان برأيه حين تتسع رقعه المقتنعين به.

وقد يكون الدافع للتبشير بالرأي والمعتقد دافعًا مصلحيًا، حين يكون وسيلة لاستتباع الآخرين، وأخذ موقع التأثير عليهم، والقيادة لهم، بما يحقق أطماع الهيمنة والسيطرة.

وتشجع معظم الديانات أتباعها على التبشير بها ونشر معتقداتها، انطلاقًا من حقانيتها، ولأن ذلك يجلب رضا الرب سبحانه.

وقد يؤدي التبشير بالرأي والمعتقد إلى حالة من الصدام والصراع بين أتباع الديانات والمذاهب والأفكار، وخاصة حين يأخذ منحى الفرض والإكراه.

وهنا يؤكد القرآن الكريم على احترام حرية الرأي والمعتقد، ويرفض أي محاولة لإكراه الآخرين على تبني معتقد أو قبول رأي. يقول تعالى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [سورة البقرة: 256] ويقول تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [سورة يونس: 99].

إن الأنبياء الذين بعثهم الله برسالاته وشرائعه، تنحصر مهمتهم في تبيين الدين وتبليغه، ولا يحق لهم أبدًا فرض الدين أو إجبار الناس على اعتناقه. يقول تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [سورة الغاشية:21-22] ويقول تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [سورة النساء:80].

ويقول تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [سورة آل عمران:20].

لقد شاءت إرادة الله وحكمته أن يكون الإنسان في هذه الدنيا حرًّا في قناعاته وأفكاره، حتى في مبدأ الإيمان بالله تعالى، حيث لم يفرض الله على خلقه الإيمان به إجبارًا وإكراهًا، ولم يمنح لأحد حق هذه الوصاية والممارسة.

يقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف: 29].

ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [سورة يونس:99].

هكذا يؤكد القرآن الكريم احترام حرية الرأي والمعتقد، ولا يسمح للمؤمنين به استخدام العنف والقوة في الدعوة إليه، حتى عنف اللفظ والكلام غير مقبول عند الله كأسلوب للدعوة إلى دينه، يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة النحل: 125] ويقول تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة العنكبوت: 46].

سيادة العدل وحفظ الحقوق:

إن التمايز الديني والمذهبي لا يعطي لأحد الحق في الاستعلاء على الآخر، ومصادرة شيء من حقوقه الإنسانية، أو النيل من كرامته. فاعتقادك بأحقية دينك وبطلان دين الآخر، لا يمنحك مبررًا للتسلط عليه أو امتهان كرامته، ذلك أن الإنسان بما هو إنسان وقبل أي عنوان آخر ديني أو عرقي أو طبقي، له قيمته وكرامته التي يجب أن تحفظ وتحترم في هذه الحياة، أما في الآخرة فحسابه عند ربه.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [سورة الغاشية: 25-26]

ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [سورة المؤمنون: 117].

ولتأكيد هذه القيمة الإنسانية تحدثت آيات القرآن الكريم عن مكانة الإنسان وخصائصه الفريدة، فهو الذي جعله الله خليفته في الأرض، وجعل تحت تصرفه كل موجودات الكون والحياة، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سورة لقمان: 20] وقد خلقه في أحسن تقويم، وأسجد له ملائكته، ومنحه الكرامة والقيمة العالية، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [سورة الاسراء:70].

كل هذه المكانة والامتيازات للإنسان بما هو إنسان، دون النظر إلى عرقه أو دينه أو عقيدته، كما هو مفاد الإطلاق في الآيات الكريمة، وصحة العقيدة والدين، والالتزام القيمي يضيف إلى صاحبه في المكانة والاعتبار عند الله، وفي ثواب الآخرة، أما في الحياة الدنيا فأبناء البشر يتساوون في تلك الميزات الأساس.

يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره للآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ: «يظهر أن المراد بالآية بيان حال لعامة البشر مع الغض عما يختص به بعضهم من الكرامة الخاصة الإلهية، والقرب والفضيلة الروحية المحضة، فالكلام يعم المشركين والكفار والفساق»[3].

وقال الآلوسي البغدادي: «﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ أي جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم ذوي كرم، أي شرف ومحاسن لا يحيط بها نطاق الحصر»[4].

إن القرآن الكريم يقرر مبدأ كرامة الإنسان لإنسانيته أولًا وقبل كل شيء، فمن أي عرق انحدر، وإلى أي دين وعقيدة انتمى، فهو إنسان له كرامته الذاتية، ويجب أن يتمتع بحقوقه الإنسانية الكاملة.

وانطلاقًا من هذا المبدأ يقرر القرآن الكريم سيادة شرعه: العدل واحترام حقوق الإنسان، كمنهج ونظام للعلاقة بين بني البشر في هذه الحياة. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ [سورة النحل: 90] ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [سورة النساء: 58].

والأنبياء إنما بعثهم الله برسالاته وشرائعه ليقيموا العدل بين الناس: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [سورة الحديد: 25].

والعدل شرعة عامة لبني البشر، دون نظر لأعراقهم وأديانهم، هكذا يأمر الله رسوله (ص) أن يخاطب غير المؤمنين به، يقول تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [سورة الشورى: 15].

إن وجود عداوة أو خصومة مع الطرف الآخر لا يبرر الجور عليه، وتخطي حدود العدل في التعامل معه، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [سورة المائدة: 8].

إنه لا يجوز النيل من أي حق من حقوق أحد من الناس المادية أو المعنوية يقول تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [سورة الأعراف: 85] وقد تكررت هذه الجملة في ثلاثة موارد من القرآن الكريم.

هذه مبادئ أساسية يقررها القرآن الكريم لتوطيد السلم العالمي، ولتحقيق التعايش بين بني البشر، لكن المؤسف تجاهل هذه المبادئ في أوساط أبناء الأمة الإسلامية، بل سيادة توجهات على النقيض منها تحت عنوان الجهاد، أو الولاء والبراء، أو مواجهة أهل البدع.

وما أحوج ساحة الأمة إلى خطاب ديني واع يبين حقيقة هذه المفاهيم، ومصاديق تطبيقاتها التي يجب أن لا تتنافى مع تلك المبادئ الأساسية التي يقررها القرآن الكريم كقواعد حاكمة على سائر التشريعات والأحكام.

 

العلامة الشيخ حسن الصفار

 

الهوامش:

نشر المقال ضمن كتاب (القرآن كتاب حياة) من اعداد عبدالله الهمل واصدار لجنة أنوار القرآن بسيهات، الطبعة الأولى 2017م، الصفحات: 49 – 64.
[1] منهاج الصالحين، السيد محمد الروحاني، مسألة 673، الطبعة الثانية، بيروت – دار الزهراء.
[2] الفقه الاسلامي وادلته، د. وهبة الزحيلي، ج 5، ص 559، الطبعة الثانية، دار الفكر – دمشق.
[3] الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 152.
[4] السيد محمد شكري الآلوسي البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن، ج 5، ص 117.

 

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

RelatedPost

التعليق


*