حول العلمانية


من مقدمة كتاب (نصوص في العلمانية: لمجموعة من المؤلفين – إصدار: مركز ابن إدريس الحلي)

بقلم: محمد طاهر الحسيني
(رئيس المركز)

لا يزال الجدل قائماً وحاداً حول مفهوم العلمانية، ومدى تعارضها وتناقضها مع الدين عموماً، والإسلام على وجه الخصوص، أو عدم تناقضها معه، حيث يحشد كل طرف من المؤيدين والمعارضين أدلته – وربما الدينية – للتدليل على عدم تناقض العلمانية مع الدين مرة، أو للتدليل على تناقضهما مرة أخرى، هذا فضلاً عن الجدل والاختلاف حول معنى مفهوم العلمانية، وماذا يراد منه، بين تيار يرجعه إلى العلم – بكسر العين – وآخر إلى العالم – بفتح العين – ليكون مبدأ العلمانية على صلة بالمنجزات العلمية، ومعطيات العلم الحديث، في محاولةٍ لإلغاء ما لا يتوافق مع هذه المعطيات في وقتٍ تصاعدت ظاهرة تقديس المنجزات العلمية، أو ليكون على صلة بالعالم الذي قيل إنه يرجع إلى أصول اللغة السريانية (علمو) أو (علماً) ويعنيا الدين، لتكون العلمانية هي مبدأ الدنيا في مقابل الدين، من حيث إن الناس أعرف بشؤون دنياهم.

وبغض النظر عن الاختلاف الكبير حول تحديد مفهوم العلمانية، ومدى تناقضها أو عدم تناقضها مع الدين والإسلام على وجه التحديد، من حيث التناقض الفلسفي والفكري بين مبادئ وأصول كل من مفهوم العلمانية والدين، فإنَّ ما يمكن ملاحظته على مسار البحث والنقاش لدى كثيرين من مثقفي البلاد العربية أنهم يفضلون اجتزاء النصوص، وتقطيع أشلائها في مقام الاحتجاج والجدل الفكري، فيعمد بعضهم إلى التفتيش عن نصوص دينية، بل وإسلامية للتدليل على عدم تناقص مبدأ العلمانية مع الدين الإسلامي، من حيث إن الدين شأن فردي وخاص، وإن المهمة النبوية في نشر الدين لا تتجاوز الإقناع.

ولذلك حاول بعض مثقفي البلاد العربية تحشيد عددٍ من الآيات لهذا الغرض، ومن هذه الآيات:

– {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (سورة آل عمران: 20).

– {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَالله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (سورة المائدة: 99).

– {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} (سورة النحل: 82).

وغير ذلك من الآيات التي يمكن تسميتها بآيات البلاغ والتبليغ، والتي تحدد مهمة النبي بالبلاغ.

– {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (سورة العنكبوت: 50).

– {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} (سورة النمل: 92).

– {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} (سورة الحجر: 89).

وغير ذلك من الآيات التي صُنِّفت على آيات الإنذار.

– {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (سورة النساء: 80).

– {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} (سورة الأنعام: 104).

– {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} (سورة الشورى: 48).

وغيرها من الآيات التي صُنِّفت على آيات الهداية، وهي كثيرة:

– {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (سورة الغاشية: 21-22).

– {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (سورة يونس: 99).

– {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (سورة البقرة: 256).

– {وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (سورة الأنعام: 107).

وغير ذلك من الآيات، وهي تنفي السيطرة على البشر، والوكالة عليهم، كما تنفي الإكراه، وقهر الناس على الإيمان.

ولا يجد المتابع عناءً في اكتشاف الطابع التعسفي والانتقائي في مهمة من هذا النوع، إذ يتم انتقاء عددٍ من الآيات، وعزلها عن سياقها الخاص تارة، أو عزلها عن السياق الفكري عموماً، وذلك من خلال تجاهل عددٍ من الآيات التي لا تساعد على تدعيم الفكرة.

إذ في الوقت الذي نقرأ فيه آيات تتحدث عن مهمة البلاغ والإبلاغ في شخصية الأنبياء، ومنهم النبي (ص)، فضلاً عن آيات الإنذار والتذكير، وآيات الهداية، ونفي السيطرة، ونفي الوكالة عن الله، ونفي الإكراه، وعدم شرعية الإجبار، فإننا نقرأ آيات أخرى تتحدث عن جوانب أخرى من مهام النبي، وهي مهام عامة تتصل بالشؤون السياسية والاجتماعية، ومن هذه الآيات:

– {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} (سورة النساء: 105).

– {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة: 44).

– {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} (سورة البقرة: 213).

– {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (سورة النساء: 65).

– {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} (سورة الأحزاب: 36).

– {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (سورة البقرة: 193).

– {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين *َ ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (سورة القصص: 5 – 6).

– {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..} (سورة الحديد: 25).

وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن القتال، وعن الدعوة، وعن العمل بما أنزل الله، والتمكين للمؤمنين، وغير ذلك كثير.

وأظن أن جدالاً فكرياً على هذا النحو لا يبتعد عن المناكفة، كما لا يتجاوز ظاهرة تخندق المثقفين في صوامعهم الثقافية التي خُيل إليهم أنها آمنة، ولا يمكن تطرق الشك إليها، إذ إن تصيّد الأدلة، والتماس الشواهد من هنا وهناك بغية إثبات رؤية، أو انتصار فكرة لا يسهم في بناء مجتمع، ولا يقيم دولة.

ومن خلال متابعة هذا الجدال الفكري يلمس المتابع وقوع خصوم الإسلاميين في الفخ نفسه الذي قيل إن الإسلاميين أو بعضهم وقعوا فيه، وهو فخ التبسيط.

وإذا كان من حق دعاة العلمانية أن يقفوا على الضفة الأخرى في مواجهة ما يسمونه بالدولة الدينية، فإنه لا يسوغ لهم – ولا ينبغي – اللجوء إلى القراءات الانتقائية، وتقطيع أشلاء النصوص، للتدليل على التناقض الداخلي بين الدعوة إلى ما يسمونه بالدولة الدينية، والمرجعية الفكرية للأديان نفسها، لأن قراءات من هذا النوع بعيدة – بعد المشرقين والمغربين – عن المنهج العلمي والموضوعي، وهي لا تتجاوز مجالات المناكفة التي يلجأ إليها بعض المثقفين، حيث لا تسهم في تدعيم حوار، ولا تنهض بمشروع ثقافي.

وإذا كان يحق لدعاة العلمانية أن يتخذوا موقفاً معارضاً لدور الدين في الحياة العامة، ومنها الحياة السياسية، فإنه يحق للإسلاميين – على وجه الخصوص – الدفاع عن الدور الذي يلعبه الدين في هذه الحياة العامة، خصوصاً وأن للدين على وجه العموم، وللدين الإسلامي على وجهٍ خاص مكاناً مكيناً في هذه الحياة، تبعاً للرؤية العقيدية، وما يترشح عنها من نظم ومواقف وأحكام لا يمكن تجاهلها وإلغاؤها من حياة المسلمين، ولا يزال الجمهور المسلم متشبثاً بالعديد منها، بل أغلبها، فكيف يمكن تجاوز هذه الحقيقة، والقفز عليها؟!

ألا يُعدُّ إلغاء دور الدين من الحياة العامة افتئاتاً على حق المؤمنين به في الاعتقاد، وهو حق كفلته الدساتير الوطنية، ورعته المواثيق والعهود الدولية؟!

لماذا يحق لدعاة العلمانية أن يحجروا على الدين، ولا يحق للمؤمنين به أن يكون حاضراً في حياتهم الخاصة والعامة؟!

ألا يشعر دعاة العلمانية، وخصوصاً من المثقفين العرب والمسلمين أنهم وقعوا في المحذور نفسه الذي وقع فيه الإسلاميون من وجهة نظرهم، في مصادرة حقوق الناس، وفرض قناعات خاصة عليهم؟!

أظن أن مسألة دور الدين في الحياة العامة، ومنها الحياة السياسية إشكالية فكرية تحتاج إلى مزيد التفكير والتأمل، بعيداً عن المناكفة والجدل الصبياني. ومشكلة من هذا القبيل تحتاج إلى جلسات حوار متواصلة بين المثقفين تحت سقف ومظلة البحث العلمي والموضوعي، وبهدي القيم الأخلاقية، وفي ضوء المصالح العامة للمجتمعات العربية والإسلامية.

وعلى طاولة جلسات الحوار هذه عدة تساؤلات، منها ما يجب على دعاة العلمانية أن يجيبوا عنه، ومنها ما هو في عهدة دعاة المشروع السياسي الإسلامي.

وأهم تساؤل يطرح في عهدة دعاة العلمانية يتصل بدور الدين في الشؤون العامة، ومنه الشأن السياسي، وما هي مساحة هذا الدور، وهل يتم تصفيته؟ وكيف، وبأية طريقة، ولماذا؟ وما هي الصيغة الأقرب للعلمانية التي يبشر بها دعاة العلمانية؟ فهل هي علمانية أمريكية، أم علمانية فرنسا، أم علمانية أتاتورك، وهي علمانية ذات بصمات شرقية؟!

وما هي علاقة هذه العلمانية بتيار الحداثة الذي لا يتوانى في الإفصاح عن رأيه بالدين، وموت الله؟!

وكيف يمكن سلخ الدين من مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟ وبمَ يستعاض؟! وكيف يمكن أن تتحول هذه المجتمعات بقدرة قادر إلى مجتمعات علمانية؟ هل يكون ذلك بالقوة، أم بالإقناع، وبأية طريقة؟!

ومن جهة أخرى، فإن على دعاة المشروع السياسي الإسلامي إعادة النظر في عددٍ غير قليلٍ من مقولاتهم، والكف – أيضاً – عن التشبث بمنتجٍ ثقافي فكري ينتمي إلى القرن السادس الهجري وما بعدها، في فقه سلطاني لم يعُدْ كافياً للإجابة عن متطلبات العصر، إن لم يكن عبئاً في الأساس على الرؤية الفقهية الإسلامية.

فماذا يُعِدُّ الإسلاميون للحياة السياسية في القرن الواحد والعشرين؟! فهل يكفي الادّعاء بصلاح مبدأ الشورى كصيغةٍ للحكم الإسلامي؟ أو التكييف الفقهي في ضوء الروايات للدفاع عن مبدأ ولاية الفقيه؟! وما هي الضمانات التي تكفل ألاّ يتحول كلا المبدأين إلى ديكتاتورية تصادر حريات الناس، وتمتهن كرامتهم؟

وعلى الإسلاميين أن يعيدوا النظر في تجاربهم، سواء أكانت تجارب معارضة، أم تجارب للحكم، وأن يوسّعوا إطار المراجعة النقدية بغية الوصول إلى حلول أفضل، وصيغٍ للتعايش أكمل.

وأظن أنْ لا العلمانية بصيغتها الوافدة – والتي ينادي بها دعاة العلمانية من مثقفي العرب والبلاد الإسلامية – تصلح لخلق تنمية ثقافية واقتصادية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا الإسلام السياسي بصورته التراثية – الذي ينتمي إلى فقه قديم – قادر على تثوير منطلقات الإسلام، وتكريس منظومته القيمية والأخلاقية والتشريعية في حياة المسلمين، مما يفرض على النخب الثقافية والفكرية التفكير بجدٍ في الوصول إلى صيغٍ جديدة يمتزج فيها الأصيل مع الوافد، والثابت المستقر من القيم مع المتغيِّر.

جدير بالذكر هذا الكتاب يضمُّ نصوصاً كتبها نخبة من مفكري الإسلام حول العلمانية، ومدى تعارضها وتناقضها مع الإسلام من جهة, ومدى إمكانية نجاحها في قيادة المجتمعات العربية والإسلامية إلى بر الأمان. وهي نصوص منتخبة نشرت في عدد من الكتب عالجت إشكاليات عَلمنة مجتمعاتنا من نواحٍ عديدة، وجهات مختلفة, نضعها بين يديّ القرّاء.

التعليق


*