المستند القانوني للعمل الجراحي التجميلي

من كتاب عمليات التجميل الجراحية ومشروعيتها الجزائية بين الشريعة والقانون

لـ (محمد طاهر الحسيني)

من إصدار: مركز ابن إدريس الحلي – 2008

سلسلة دراسات فقهية (4)

… إن هناك جدلاً بين القانونيين في المستند القانوني للعلاج والعمل الطبي، وتراوح الرأي بين عدة نظريات وهي: نظرية العادة، نظرية الضرورة، نظرية رضا المريض، نظرية انتفاء القصد الجرمي، نظرية إجازة القانون، نظرية المصلحة الاجتماعية أو الحاجة الطبية.

وبصدد البحث عن المستند القانوني للعمل الجراحي التجميلي يتصاعد الجدل بدرجة أكبر، لمعرفة ما هو المبرر القانوني الذي ينفي المسؤولية عن الطبيب الجرّاح الذي يُجري عملية تجميلية لأحد مرضاه.

فهل يعتبر رضا المريض “الراغب في إجراء عملية جراحية” هو المستند القانوني لتبرير المساس بجسد الإنسان، ونفي مسؤولية الطبيب عندئذٍ عن الأضرار التي تلحقه؟ وهو ما يُعمل به في بعض البلدان، أو أن المستند لهذا العمل هو الضرورة، وكون هذا ضرورياً للجسم البشري، أو لاستقرار الحالة النفسية، أو أنه يستند إلى كونه حاجة اجتماعية؟ أو أن مرجع نفي المسؤولية الطبية هو إجازة القانون الذي سمح للطبيب إجراء عمليات جراحة شرط أن تكون موافقة لأصول الفن الطبي ورضا المريض.

النبذة الأولى: الموقف القانوني من العمل التجميلي

يختلف الموقف القانوني من العمل الجراحي التجميلي من نظام إلى آخر، فضلاً عن التطور الذي لحق هذه المواقف؛ إذ اتخذت عدة صيغ من زمن لآخر.

ففي ألمانيا تعتبر جراحة التجميل جائزة على نحوٍ مطلق، وذلك على اعتبار أنها تنطوي تحت الأنظمة التي وضعتها الدولة فيما يتعلق بالصحة واستعادتها. كما أن جراحة التجميل تُعدُّ جائزة في إنكلترا، وذلك أخذاً بالمبدأ المعتمد عندهم من أن رضا المجني عليه يبرر كل فعل ما لم يكن محرماً قانوناً، أو كان يؤدي إلى خطر شديد. وتُعدُّ جراحة التجميل جائزة – أيضاً – في بلجيكا ما لم تمنع من أداء واجب اجتماعي أو يكون الغرض منها كسب المال([1]). وهي جائزة في الولايات المتحدة الأمريكية، مع اختلاف المعايير والضوابط التي يجب مراعاتها لإجراء عمل جراحي، إذ تطول قائمة الأنظمة الواجب اتباعها في بعض الولايات([2]).

أما في فرنسا فإن الموقف مختلف، فقد كان القضاء الفرنسي ولفترة ينظر بالسخط والشك إلى جراحة التجميل، وهو إذ يرى كفاية رضا المريض في إعفاء الطبيب من المسؤولية عن الأضرار التي يلحقها العمل الجراحي بالمريض طالما أنه لم يقع منه خطأ في تطبيق قواعد مهنته، فإنه كان يعتبر الطبيب مسؤولاً عن جميع النتائج الضارة التي تترتب على علاجه ولو لم يصدر منه خطأ طبي. وبذلك يعتبر القضاء الفرنسي أن إقدام الطبيب الجراح على إجراء عملية لا يقصد منها إلاّ التجميل يُعدُّ خطأ في ذاته يتحمل الجراح بسببه كل الأضرار التي تنشأ عن العملية ولو أُجريت طبقاً لقواعد الفن الطبي([3]). إذ أصدرت محكمة استئناف باريس في: 22/1/1913م قراراً يفيد أن “مجرد الإقدام على علاج لا يقصد به إلاّ تجميل من أجري له خطأٌ في ذاته يتحمل الطبيب بسببه كل الأضرار التي تنشأ عن العلاج، وليس بذي شأن أن يكون العلاج قد أُجري طبقاً لقواعد العلم والفن الصحيحين”([4])، وإن كان قد رضي المريض بإجراء هذه العملية، إذ ذهبت محكمة تولوز في فرنسا في: 23/10/1934م إلى أن الاتفاقات الخاصة بما يلحق جسم الإنسان من ضرر تعتبر مخالفة للنظام العام. كما قضت محكمة ليون في: 27/6/1913م بأن لا أثر لما يتفق عليه المريض من استبعاد مسؤولية الطبيب أو الجراح، ولو كان العلاج بناءً على الطلب الصريح من ذلك المريض([5]).

وقد تغيّر الموقف القضائي الفرنسي من عمليات التجميل الجراحية، إذ إنه عاد وأخضعها إلى القواعد العامة التي تخضع لها الجراحة العلاجية، فاشترط أن تكون هناك علة تبرِّر المساس بحرمة الجسم البشري، وأن تكون ملائمة تُناسب بين الخطر الذي يتعرض له المريض والفائدة التي يرجوها من العمل الجراحي التجميلي([6]).

وتقرر هذا الموقف في ما قضت به محكمة استئناف ليون في: 17/3/1937م “بأن الطبيب الذي يقوم بإزالة الشعر الغزير من جسم سيدة بالعلاج الكهربائي، فإذا لم يحدث منه أي تقصير في العلاج فلا يُسأل عن الضرر الحادث لتلك السيدة، متى ثبت أنه لم يكن هناك عدم تناسب بين النتيجة المرجوة والمخاطر العادية للعلاج الكهربائي”([7]).

وأما الموقف القانوني العربي؛ فهو وإن لم يكن مواكباً للمستجدات الحياتية – ومنها الموقف من عمليات التجميل الجراحية – بدرجة تتناسب مع تطور هذه العمليات وشيوعها، فإن الفقه والقضاء ينظران إليها كحالة من حالات العمل الجراحي العام الذي يبرره القانون بالشروط التي أُلزم بمراعاتها([8]). وعندئذٍ تدخل تحت أسباب الإباحة كونها واحدة من الأعمال الطبية([9])، والتي رخّص فيها القانون للأطباء – طبقاً للقواعد العامة – إجراءها بشروط منصوص عليها([10]).

للاطلاع على الكتاب كاملاً:

انقر هنا

([1]) الجوهري، مرجع سابق، ص321.

([2]) مرجع سابق.    http://www.post–gazette.com

([3]) الجوهري، مرجع سابق، ص323.

([4]) محتسب بالله، مرجع سابق، ص208.

([5]) الفضل، مرجع سابق، ص28.

([6]) الجوهري، مرجع سابق، ص323.

([7]) محتسب بالله، مرجع سابق، ص212.

([8]) المرجع السابق نفسه، ص217.

([9]) حسني، مرجع سابق، ص207.

([10]) حومد، عبد الوهاب، المفصل في شرح قانون العقوبات/القسم العام، ط دمشق 1990م، ص650.

التعليق


*