مفهوم الأوقاف الإسلامية

اقتضت طبيعة المال أن يكون قابلاً للتبادل بين الناس تحقيقاً لمعاني الانتفاع الكامل، فاقتضى مفهوم التملك حرية التصرف في المال بمختلف الوجوه الناقلة للملكية، سواء تمت هذه التصرفات عن طريق عقود المعاوضات، أو عقود التبرعات، أو غيرها من العقود الناقلة للملكية. والملك هو اختصاص الشخص بشيء يخوله شرعاً الانتفاع والتصرف فيه وحده ابتداءً إلا لمانع.

والوقف هو حالة من الحالات الاستثنائية التي ترد على المال كمحل للملك، وتخرجه من قابليته للتداول، حيث يظل ممنوعاً من التداول والانتقال من يد ليد، محبوساً على جهة معينة تستفيد من ريعه بصورة تفيد الاستمرار والدوام، دون أن تملك هذه الجهة حق التصرف في أصل المال. فالوقف هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء.

والأوقاف بهذا المعنى تتعلق بالمال، والمال عند جمهور الفقهاء هو: كل ما له قيمة مادية بين الناس وجاز الانتفاع به شرعاً في حالة السعة والاختيار.

وعليه فإن الأموال التي يصح وقفها تشمل جميع الأعيان والمنافع التي لها قيمة مادية بين الناس، وجاز الانتفاع بها شرعاً في غير ضرورة ولا حاجة.

ومن ثم يجوز وقف جميع الأعيان، كالعقارات والأشجار والزروع، كما يجوز وقف المنافع، كحقوق طبع الكتب والنشر، وسكنى الدار.

وعلى الجملة فقد أجاز بعض الفقهاء وقف كل شيء مملوك. وإن كان هناك من الفقهاء من يرى أنه لا يجوز وقف المنقول إلا ما ورد له استثناء، كالمتصل بالعقار اتصال قرار، وما هو ثابت، مثل المباني والأشجار، أو الأشياء التي خصصت لخدمة العقار، كالمحاريث والأبقار، والغلمان الذين يخدمون فيها.

والوقف يمثل أحد أبواب الإنفاق الطوعي الذي نادت به الشريعة الإسلامية وحثت عليه، حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْض} [البقرة: 267]، ويقول تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]، ويقول تعالى أيضاً: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7].

والوقف وإن كان يدخل في باب الإنفاق العام والصدقات الطوعية التي حث عليها الإسلام إلا أنه يتميز بأنه يتصف بالدوام، لأن الوقف يشترط فيه بقاء أصل عين المال والتصدق بالمنفعة، فهو لهذا يدخل في مصطلح الصدقة الجارية التي لا ينقطع ثوابها عن صاحبها، حيث يقول رسول الله (ص): “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.

فالوقف بهذا المعنى يمثل تدفقاً مباشراً – مثل ري الأرض، أو أجرة الدار، أو ثمار المزرعة – يذهب للموقوف عليهم، أو تدفقاً نقدياً غير مباشر – كالانتفاع بسكنى الدار، أو ركوب الدابة، أو شرب ماء البئر، أو أكل ثمار المزرعة الموقوفة – وهي منافع يمكن تقويتها بالنقود، بحيث يمثل هذا الانتفاع غير المباشر تخفيضاً للمصروفات النقدية التي كان من المفترض أن يدفعها الموقوف عليه.

من التقرير الفقهي
العدد 13-14 ربيع وصيف 2010
الوقف

التعليق


*