نيّة التقرّب في الوقف وتوسعة موارده

الوقف من الأمور التي رغّبت الشريعة بها، من أجل التوسع في أعمال البرّ والخير، حيث تطال بنفعها من يحتاج إليها. وقد يتساءل البعض: هل إن النية للوقف واجبة لصحة وقوفاتهم، أم لا تشترط النيّة، بل كل فعل قصد به الوقف يصحّ؟

يرى فقهاء معاصرون أنّ نية التقرب إلى الله ليست شرطاً لصحة الوقف، قال السيّد محمد كاظم اليزدي : “الأقوى وفاقاً لجماعة عدم اشتراط نيه القربة، للإطلاقات، ولصحّة الوقف من غير المسلم.. نعم، ترتب الثّواب موقوف على قصد القربة، مع أنه يمكن أن يقال بترتب الثواب على الأفعال الحسنة، وإن لم يقصد بها وجه الله”. (اليزدي، ملحقات العروة الوثقى).

حتى إن الوقف يعمّ بأغراضه خدمة غير المسلمين. قال الشهيد الثاني: “يجوز الوقف على أهل الذمّة أنفسهم، لعدم استلزامه المعصية بذاته، إذ نفعهم من حيث الحاجة، وأنهم عباد الله، ومن جملة بني آدم المكرَّمين”.(الشّهيد الثّاني، شرح اللّمعة الدمشقيّة).

ذهب بعض الفقهاء، ومنهم السيد محمد كاظم، إلى أنّه “يجوز الوقف والبرّ والإحسان على الحربيّ أيضاً، لإطلاق الأمر بالخير والإحسان”.(ملحقات العروة الوثقى).

ويجيب السيّد الخوئي(قده) على سؤال بقوله:

“إنّ الوقف يقع بفعلٍ قصد به الوقف أيضاً، فلا يختصّ إنشاؤه بالقول، والله العالم”.(أجوبة الاستفتاءات/ صراط النّجاة، الجزء الثاني).

ويذهب العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) إلى أنّه ليس من الواجب لصحّة الوقف قصد التقرّب إلى الله:

 “لا يشترط في تحقق الوقف قصد التقرب إلى الله تعالى، وإن كان قصد التقرب مدعاة لمزيد من الثواب عنده والزلفى لديه تعالى؛ هذا رغم أنَّ بعض الوقوف لا يكاد ينفكّ عن قصد التقرب، كالوقف لشؤون الجهاد والعلماء وتبليغ الدّين والفقراء والأيتام ونحو ذلك”. [فقه الشّريعة، الجزء الثاني، ص 387].

أمّا العلّامة الشّيخ محمد جواد مغنيّة(رض)، فيذهب إلى القول:

“اتّفق الكلّ على أنَّ الوقف يتحقّق بلفظ (وقفتُ)؛ لأنّه يدلّ على الوقف صراحة وبدون قرينة، لغة وشرعاً وعرفاً، واختلفوا في تحققه بلفظ (حبستُ، وسبلتُ، وأبّدتُ) وما إلى ذلك، وأطالوا الكلام بدون طائل.

والحقّ أنّه يقع ويتمّ بكلّ لفظ يدلّ عليه، حتى باللغة الأجنبية؛ لأنّ الألفاظ – هنا – وسيلة للتعبير، وليست غاية في نفسها. أمّا القائلون: إنّ الوقف لا يقع إلاّ بلفظ معيّن، فيتلخص دليلهم بأنّ الأصل بقاء الملك لمالكه، أي أنّ العين قبل التلفظ كانت على ملك المالك، وبعده نشكّ في انتقالها عنه، فنستصحب بقاء الملك. ويلاحظ بأنَّ هذا يتمّ لو شككنا في أنّ المالك هل أراد الوقف أم لا، أو علمنا بأنّه أراد قطعاً، ولكن شككنا في أنّه هل أنشأه وأوجد سببه؟ أمّا إذا قطعنا بأنّه أراد الوقف، وأيضاً قطعنا بأنّه أتى بما يدلّ عليه، فلا يبقى مجال للتّشكيك، والحال هذه، وإن حصل التّشكيك، فهو وهم لا أثر له. اللّهمّ إلاّ إذا رجع الشّكّ إلى سببيّة الصّيغة وتأثيرها من الوجهة الشرعيّة.

هل يتمّ الوقف بالفعل، كما لو بنى مسجداً وأذّن للصّلاة فيه، أو أذِن بالدّفن في قطعة أرضٍ بنيّة وقفها مقبرة، دون أن يقول: وقفتُ وحبستُ، وما أشبه، أو لا بدَّ من النطق، ولا يكفي مجرد الفعل؟

قال الحنفية والمالكية والحنابلة: يكفي مجرد الفعل، وتصير العين وقفاً به. (المغني لابن قدامة، ج٥، باب الوقف، وشرح الزرقاني على مختصر أبي ضياء، ج٧، باب الوقف). وعلى هذا القول جماعة من كبار الإماميّة…

وقال صاحب الجواهر وصاحب العروة في ملحقاتها – من الإماميّة -: إنّ القربة ليست شرطاً لصحة الوقف ولا لقبضه، بل للأجر والثّواب عليه، وإذاً يتم الوقف بدونها…”.[الفقه على المذاهب الخمسة، ص 583- 587].

وأخيراً وليس آخراً، فإنّ الوقف يشمل أعمال الخير، على ما فيها من نشر المعرفة والعلم، أو الإنفاق على الفقراء، وعمارة الأرض بما ينفعها من طرق وجسور ومنشآت، بما ينعكس خيراً على الجميع؟ من هنا، لا بدّ من التفكير اليوم في موارد يمكن للوقف فيها أن يساعد في مواجهة الصعوبات التي يواجهها النّاس، وليس فقط ما اعتاد الناس عليه من وقوفات تقليدية على المساجد أو الحسينيات، وأمثال ذلك على أهميّتها.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها. 

التعليق


*