الهلال وعلماء الفلك عند العلامة الشّيخ محمد جواد مغنية

| مقالات فقهية |

مسألة رؤية الهلال وأقوال الفلكيّين فيها، تناولها فقهاء وأعلام، وكان لهم رأيهم الّذي يوضح توجّههم في المسألة المطروحة، وهي إمكانية الإفادة من أقوال الفلكيّين في معرفة رؤية الهلال، وتأكيد ذلك، وما يعنيه من بداية الشهر ونهايته. إذ يناقش العلامة الشّيخ محمد جواد مغنية(رض) المسألة، ويعطي رأيه فيها، ويخلص إلى جواز الاعتماد على أقوال الفلكيّين، وأنّه يتعين الأخذ بها، ووجوب طرح ما يخالفها،ضمن شروط أوضحها وشهد العصر ويشهد الزّمن على تحقّقها.

يقول الشّيخ محمد جواد مغنيّة(ره) عند تعرضه للمسأله : “في هذه السنة (1960)، قرّر كل مِن حكومة باكستان وتونس، أن يكون المعوّل في ثبوت الهلال على أقوال الفلكيّين، دفعاً للفوضى، ولما يلاقيه النّاس من الكلفة والمشقّة لعدم معرفتهم يوم العيد مسبقاً، فقد يفاجئهم على غير استعداد، وقد يستعدّون له ثمّ يأتي متأخّراً.

وقد ثار في الأندية والمجالس الدينية نقاش حادّ حول قرار الحكومتين بين مؤيد ومفنّد.

قال مَن يناصر القرار: ليس في الدّين ما ينافي الاعتماد على قول الفلكيّين، بل إنّ الآية 16 مِن سورة النّحل: {وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تسنده وتؤيّده.

وقال المعارضون: إنّ القرار يتنافي مع الحديث الشّريف: “صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته”، حيث إنّ المفهوم مِن الرّؤية، هو الرؤية البصرية التي ألفها النّاس في عهد الرّسول(ص)، أمّا الرؤية بالمكبّر والتّعويل على الحساب والمنازل، فبعيدة عن لفظ الحديث.

والحقيقة أنّ كلاً مِن الطرفين لَم يأتِ بالحجّة.

أمّا الاهتداء بالنجم، فالمراد به معرفة الطرق ومسالك البلاد، لا معرفة الأيام والأهلّة. وأمّا حديث الرؤية، فإنّه لا يتنافى مع العلم السّليم؛ لأنّ الرؤية وسيلة للعلم وليست غاية في نفسها، كما هي الحال في جميع الطرق الموصلة إلى الواقع، ولكننا نقول: إنّ أقوال الفلكيّين لا تفيد العلم القاطع لكلّ شبهة كما تفيد الرؤية البصرية؛ لأنّ كلامهم مبنيّ على التقريب لا على التحقيق، بدليل اختلافهم وتضارب أقوالهم في الليلة التي يتولّد فيها الهلال، وفي ساعة ميلاده، وفي مدّة بقائه.”

ينتهي الشيخ مغنية إلى القول، وهنا خلاصة رأيه الّذي يمكن الاستفادة منه في توضيح مبناه الفقهيّ حول القضيّة، وتوافقه في النّتيجة مع أقوال الفلكيّين القاطعة في رؤية الهلال:

” ومتى جاء الزمن الذي تتوفّر فيه لعلماء الفلك، المعرفة الدّقيقة الكافية الوافية، بحيث تتّفق كلمتهم، ويتكرّر صدقهم المرّة تلو المرّة، حتى يصبح قولهم مِن القطعيّات، تماماً كأيّام الأسبوع، وأنّ غداً السبت أو الأحد، يمكن، والحال هذه، الاعتماد عليهم، بل يتعيّن على مَن يحصل له مِن أقوالهم، ويجب أن يُطرح كل ما يخالفهم”.[من كتاب “الفقه على المذاهب الخمسة”، ص 164- 165].

لطالما شكّلت الرؤية مثار خلاف بحسب اجتهادات الفقهاء والمراجع، فيما الحساب الفلكيّ الدّقيق يعتبر داعياً لوحدة الكلمة والرأي، وخصوصاً أنّ العلم القاطع حجَّة تحفّزنا على الأخذ بها، لما فيه من الانسجام مع روح المنطق، حيث الحساب الفلكيّ الدَّقيق، هو ما يتناسب أكثر من غيره مع النّظام الزمني الّذي خلقه تعالى للكون في تنظيم حسابات الشهور.

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

التعليق


*