القرآن الكريم كتاب هداية وتذكرة

نعيش في هذه الأيّام شهر نزول القرآن الكريم؛ هذا السّفر الجليل الذي نقل البشريّة من الظلمات إلى النّور، وكان ولا يزال وسيبقى كتاب تذكرة وهداية للإنسان، يستحثّه ليل نهار أن ينفتح على آفاقه الواسعة، كي يستفيد منها في تثبيت واقعه الروحي والأخلاقي والمعرفي، وينطلق لمواجهة ما يعترض مسيرته في هذا الوجود المليء بالمصاعب والإغراءات.

يقول تعالى في كتابه العزيز، وفي افتتاحه لسورة البقرة المباركة: {ألم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}[البقرة: 1-2].

ويوضح سماحة العلامة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله(رض)، العديد من النقاط المهمّة المتعلّقة بكتاب الله تعالى، وما فيه من معاني لا بدّ لنا من أن نقف عندها، ونرتفع إلى مستوى فهمها، والتفاعل معها بشكل واع ودقيق، وصولاً إلى أن نكون فعلاً من جيل المتقين والمهتدين بهداية القرآن، التي تفترض صوغ شخصية قرآنية رساليّة بعيدة من الاستغراق في الآفاق الحياتية الضيّقة والسطحيّة التي لا تعطي عمقاً وبعداً وقيمة للإنسان، ما دام مبتعداً عن خطّ الهداية الذي يفتح له قلبه على مشاعر الخير، وعقله على موقف الحقّ والحكمة.

 يقول سماحته: “{ألم* ذَلِكَ الْكِتَابُ}… استعملت الألف واللام في «الكتاب» للتّدليل على النوع، فذلك الكتاب يعني الكامل، تماماً كما تقول «ذلك الرّجل»، أو «ذلك البطل»، وتريد الكامل في الرجولة أو البطولة؛ فكأنَّ النوع مجسّد فيه، لاجتماع كلّ خصائص الكمال المتفرقة في الأفراد في هذا الفرد؛ فهو يمثّل النوع بكلّ صفاته وخصائصه. وعلى هذا الأساس، فالمراد بـ [ذَلِكَ الْكِتَابُ]، الكامل في هدايته، الجامع لجميع الخصائص التي تجعل منه قيمة عظيمة هادية للنّاس في كلّ مجالات العصر”.

ويتابع عارضاً لأهمية ما ينبغي التمتّع به من تقى ووعي لاكتشاف ما في القرآن العظيم من حقائق تثبّتنا على الهدى، وتبعدنا عن الشّبهات، وتجعلنا من المتقين الساعين إلى حفظ النفس مما يضرّها من مشاعر شرّيرة، وحفظ العقل مما يؤذيه من أفكار الباطل، وحفظ المشاعر مما يدنّسها ويخنقها:

يقول سماحته: “{لاَ رَيْبَ فِيهِ}، أي أنّه الكتاب الذي لا يحمل في آياته وفي مفاهيمه أي عنصر من العناصر التي توحي بالرَّيب أو تقود إليه، فلا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه إذا دقّق في الخصائص الموجودة فيه، وفي المعاني الأصيلة الواضحة الّتي إذا تأمّلها الإنسان، وأمعن النظر فيها، ووعاها وعياً صحيحاً، لما ارتاب فيها، ولانكشفت أمامه كلّ أجواء الرّيب والشّكّ والشّبهة.

{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، هذه هي الصّفة الثَّالثة من صفات الكتاب الكامل في كلِّ شيء، الّذي لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه، فهو {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} . إنّه كتاب هداية، وهذا هو دوره الأصيل، وليس دوره أن يكون كتاباً يتحدَّث عن المخترعات أو عن أيّ شيء آخر مما ينسب إليه، إنما هو كتاب هدى للإنسان ليوجِّهه إلى الطّريق الصّحيح والصّراط المستقيم.. ولا مانع من أن يلتفت القرآن إلى بعض الأسرار الكونيّة، والظواهر الطبيعيّة، إذا دعت إليها المعالجة القرآنيّة لبعض المواضيع، ولكنَّها لا تأتي على أساس مستقلّ دائماً، بل تكتفي بالتركيز على عنصر الهداية في وسائلها وأهدافها. فليس القرآن كتاباً علميّاً يجمع علوم الكيمياء والفيزياء وعلوم الحيوان والنّبات وغير ذلك، بل هو كتاب إرشاد وتوجيه وهداية للإنسان، ليعرف كيف يسير ويصارع وينظّم حياته في كلّ المجالات.

إنّه يحدّد للإنسان الفكرة في صفاء ونقاء، ويربطه، من خلال ذلك، بالمسيرة الإسلامية من بدايتها إلى نهايتها، ويخطّط له مسيرته وحياته من خلال الأحكام الشرعية التي تعرّفه كيف يتحرّك، من موقع المسؤوليّة، في هدوء واطمئنان، حركةً تعرف نفسها جيّداً، لأنها تعيش الوضوح في الرؤية، والانسجام مع الهدف.

ولعلّ القيمة الكبيرة للهدى القرآنيّ، هي أنه لا يتجمّد عند حدود الذّات ليملأها بالإشراق والصفاء، وتقف الهداية في الداخل، فلا تتجاوزه إلى خارج نطاق الذات في حياة الآخرين، بل هو الهُدى الممتدّ من القلب إلى الحياة، كمثل الينبوع المتدفّق الذي ينطلق ويتفجّر، ليفيض ويتدفّق على الأرض الرحبة الفسيحة ليمنحها الخصب والحياة”.

ويختم سماحته بالكلام عن أبعاد الهداية القرآنية ومواصفاتها التي تنسجم مع آفاق الإنسان الروحية والمعرفية، لجهة السمو بها والارتفاع بمداركها وتجلياتها.

يقول سماحته: “أمّا طابع الهُدى القرآني، فهو فريد من نوعه، لأنّه لا يقف في منطقة الفكر ليشير إلى العقل أن يتفلسف ويحلّل، ويبدع الفكر من موقع الفلسفة والتّحليل، ولكنَّه يتحرّك في أبعاد النفس الإنسانية، ليثير فيها الفكر الممزوج بالعاطفة، والعقل المتحرّك بالوجدان، والروحيّة المتّصلة بالواقعية”.[تفسير من وحي القرآن، ج 1، ص 103].

أمّا العلامة الشّيخ محمد جواد مغنيّة، فيقول في تفسيره:

“{ذَلِكَ الْكِتَابُ}: إشارة إلى القرآن الكريم {لا رَيْبَ فِيهِ}، حيث بلغ الغاية والنّهاية في وضوح الدّلالة على صدقه، لأنّه المعجزة الإلهيَّة التي تحدَّى بها سبحانه كلّ جاحد ومعاند {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}. والهدى هو الدليل المرشد إلى الّتي هي أقوم، و(المتقين جمع المتقي، والمراد بهم هنا الذين يرغبون في طاعة الله ورسوله، ويعدّونها ذخرًا ونصرًا)”. [التفسير المبين، الشّيخ مغنيّة].

ندعو الله تعالى أن يوفِّقنا لنكون من العاملين في خطّ هدايته، والسّاعين إلى أن نكون الأتقياء في كلّ ساحات الحياة، لا نبتغي سوى وجه الله ورضوانه، وإحياء الحقّ وإماتة الباطل.

محمد عبد الله

إنّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها. 

التعليق


*