مسؤوليَّة الكلمة وآثارها في المجتمع

قال الله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}. صدق الله العظيم.

مسؤوليَّة الكلمة:

لا يشكّ أحد في مدى الخطر الّذي تتركه الكلمة على حياة الإنسان كفرد، أو على استقرار المجتمعات والأوطان.

عندما تخرج الكلمة عن وظيفتها، فبدلاً من أن تكون، كما أريد لها، أداةً للتواصل بين الناس، وتفاعل الآراء والأفكار، وبثّ روح المحبّة والتّآلف، وبعث الخير في النفوس، تتحوّل إلى أداة لزرع الفتن والأحقاد والتوترات، أو لنشر الفساد والانحراف والرّذيلة، وهو أمر يزداد بعد تطوّر وسائل الإعلام والتّواصل، حيث لم يعد للكلمة حواجز تقف عندها على مستوى الزَّمان والمكان، وصار بالإمكان لأيِّ واحد من موقعه أن يطلقها.

وإلى ذلك، ورد تحذير رسول الله(ص)، عندما قال: “إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظنّ أن تبلغ ما بلغتِ، يَكتب الله تعالى بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإنَّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظنّ أن تبلغ ما بلغت، يَكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه“.

وقد ورد في الحديث: “رُبَّ كلام أنفذ من سهام“.

وقال الشّاعر:

جراحاتُ السّنانِ لها التـئـامٌ          ولا يلتامُ ما جرحَ اللّســانُ

وقد جاء في الحديث: “رُبَّ لِسَانٍ أَتَى عَلَى إِنْسَانٍ“، و”كَمْ مِنْ دَمٍ سَفَكَهُ فَمٌ“.. حتى ورد: “بلاء الإنسان من اللّسان“.

وهذا يتجلّى في الآخرة أيضاً، فعن رسول الله(ص)، لما سأله أحد أصحابه، وهو معاذ بن جبل، عمّا يدخله الجنّة ويباعده من النّار، فقال له(ص): “ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه؟“، قلت: بلى يا رسول الله. قال: “كفّ عليك هذا“، وأشار إلى لسانه. قلت: يا نبيَّ الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ قال: “ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ النّاس في النار على وجوههم ـ أو قال على مناخرهم ـ إلا حصائد ألسنتهم؟!“.

ولذلك، جاء في الحديث: “يعذِّب الله اللّسان بعذاب لا يعذِّب به شيئاً من الجوارح ـ وطبعاً الصورة هنا مجازيّة للدّلالة ـ فيقول: أي ربّ، عذَّبتني بعذاب لم تعذِّب به شيئاً، فيقال له: خرجت منك كلمة، فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسُفِك بها الدّمُ الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام“.

الرّقابة على اللّسان:

ومن هنا، كان تشديد الرّقابة من الله على اللّسان أكثر من غيره من الجوارح: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ* إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.

فقد وكّل الله باللّسان ملكاً خاصّاً معدّاً إعداداً خاصّاً للقيام بهذه المهمَّة الخطرة في حسابات الله بآثارها ونتائجها. قال سبحانه: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.

ولهذا، عندما رأى أمير المؤمنين(ع) رجلاً يتكلّم بكلام من دون وعي وتدبّر لطبيعة كلامه أو لنتائجه، قال: “إنّك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربّك، فتكلّم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك“.

ومن هنا، حثّت الآيات والأحاديث الإنسان على أن يشدّد الرّقابة الذاتيّة على كلّ كلمة قبل إطلاقها أو كتابتها أو بثّها، توقّياً لمنزلقات هذه الكلمة، ومنعاً من الوقوع في محاذير تبعاتها. وقد اعتبرت هذا التّدبير علامةً فارقة تميّز المؤمن من غيره.

ففي الحديث عن الإمام عليّ(ع): “إنّ قلب المنافق من وراء لسانه، لأنَّ المؤمن إذا أراد أن يتكلَّم بكلام، تدبَّره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شرّاً واراه، وإنَّ المنافق يتكلَّم بما أتى على لسانه، لا يدري ماذا له وماذا عليه“.

وقد ورد: “لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه“.

وفي الحديث: “صلاح الإنسان في حبس اللّسان“.. “مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَحَقَ بِطُولِ السِّجْنِ مِنَ اللِّسَانِ“.. “سلامة الإيمان في حفظ اللّسان“.

ولذلك، ورد أنّ بعض صحابة رسول الله(ص)، كانوا يضعون حصاةً في ألسنتهم، أو يكتبون ما يقولون ويتدبّرونه جيداً قبل أن يقولوه، حتى يتوقّوا تبعات كلماتهم.

ونحن عندما نتحدّث عن اللّسان، فلكونه الوسيلة الأبرز للتّعبير، وإلاّ، فإنّ الأمر يتعلّق بكلّ وسائل التعبير، بما يكتب، وبما يدوَّن عبر مواقع التواصل وغيرها.

خارطة طريق الكلمة:

وقد جاءت التّشريعات لترسم خارطة طريق للكلمة لا بدَّ من أن تتحرّك ضمن دائرتها.

وهي تشدّدت في النهي عن الغيبة والكذب والنّميمة والسّخرية والهمز واللّمز والتّنابز بالألقاب والسبّ والشتيمة والكلام البذيء والقول بغير علم وبدون دليل واضح، واللّغو والكلام اللاهي والخوض بالباطل…

وهي في ذلك، حمَّلت الإنسان ليس فقط مسؤولية الكلمة التي تصدر عنه، بل مسؤوليّة تداعياتها وآثارها أيضاً.

ودائماً نذكّر بالحديث الذي ينبغي أن لا ننساه، حتى نعي جيّداً ما تؤدّي إليه كلماتنا، التي غالباً ما نطلقها من دون حساب، أو من دون علم، أو بفعل حالة غضب وانفعال، أنّه يؤتَى للإنسان يوم القيامة بقارورة فيها دم، ويقال له هذا نصيبك من دم فلان، فيقول أنا لم أقتل ولم أجرح…، فيقال: لم تفعل، ولكن صدرت عنك كلمة أدَّت إلى فتنة ودم، فأنت مسؤول عنها.. ولذلك يقول سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}.

ولم تقف التّوجيهات الإلهيّة عند ذلك، بل هي دعت الإنسان إلى تفحّص الكلمة قبل إطلاقها، وإلى حسن انتقائها؛ بأن لا يتكلَّم إلا بالكلام الأحسن على مستوى الفكرة، الكلام الذي يترك أثراً طيّباً على الأذان، فلا تمجّه، ولا ينفر منه القارئ، الكلام الذي لا يتسبَّب بفتنة، بل الّذي يدخل إلى القلوب ويحرّك العقول.

وإلى هذا، أشار عزَّ وجلّ: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، حيث دعا إلى القول الأحسن، كما على مستوى الفكر، وفي الخطاب، وعند الجدال، وأثناء الحوار في مواجهة الخصم… فأنت عندما تقف بين كلمتين، لا تختر الحسن، بل اختر الأحسن، لكي تنساب إلى قلب الآخر وعقله، فلا يكون هدفك تسجيل النقاط عليه، أو تفريغ حقدك، بل إطفاء الباطل عنده، وتقريبه من الحقّ أو إدخاله فيه.

فبدلاً من أن تواجه المختلف بكلام قاسٍ وجارح، وامتهانٍ لشخصه أو لكرامته، أو أن تقول له أنت على باطل، أو أنت كافر أو ضالّ، قل له استمعت أو قرأت وجهة نظرك، وأنا أحترمها، ولكن لو سمحت لي ببعض الملاحظات، وأبديت ملاحظاتك له.. ألا تقرّبه بذلك إلى فكرك؟ ألا تجعله يصغي إليك؟.

وهذا ما نجده عند رسول الله(ص)، ورسول الله(ص) كان يحرص إذا عرف بخطأ أحد من أصحابه، على أن لا يواجهه، حتى لا يخدشه، بل كان يقف أمام الناس، وهو بينهم، ليعظ الناس جميعاً، ويوجّههم إلى أن لا يقعوا في هذا الخطأ، ويبيّن لهم سبل العلاج.

أمّا لماذا؟ فلأنّ الشيطان ينتظر أن تصدر عنا الكلمات المشبعة بالعداء والتوتّر والحقد، الكلمات المسيئة والمهينة، ولذلك قال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}. والنَّزغ يعني في اللّغة الإفساد، فالشّيطان الحاقد على الإنسان، من أولويّات مشروعه أن يثير الفتن بين النّاس.

آثار الكلمة الطيّبة:

ونحن بحاجة إلى أن نفتح القلوب بدلاً من أن نغلقها، وأن نطفئ نيران العداوة والبغضاء بدلاً من أن نوقدها، وأن نؤلّف بين النفوس بدلاً من أن نباعد بينها، وأن نوصل كلمة الحقّ والخير بدلاً من أن نبعِّد عنها..

وقد بيّن الله سبحانه أهمية نتائج هذه الكلمة وآثارها، عندما قال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا…}.

فقد شبّه الله الكلمة الطيّبة بالبذرة التي تصبح شجرة، والشّجرة تحمل الثمار، وفي كلّ ثمرة بذرة، أو آلاف البذور، وفي كلّ بذرة شجرة تحمل أيضاً آلاف البذور، فمن بذرة صغيرة تُصنع غابة كبيرة.

هكذا الكلمة الأحسن، الكلمة الطيّبة نراها تنتشر وتتحرّك في كلّ الآفاق، لتستقبلها القلوب، وتطلقها كلّ الألسنة، لتعمّم السّعادة والخير والطّمأنينة، وتقتلع الأحقاد، وتزيل الهموم، وتخفّف الآلام في كلّ مكان تصل إليه، وهي التي تؤتي أكلها كلّ حين، ويبقى تأثيرها على مدى الزّمن.

وقد ورد في حديث عن رسول الله: “والّذينفسِي بِيَدِهِ، ما أنفَقَ النّاسُ مِن نَفقَةٍ أحَبَّ مِن قَولِ الخَيرِ“.

وفي وصايا الإمام الصّادق(ع) إلى شيعته: “معاشر الشيعة، كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للنّاس حسناً، احفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول“.

وقد ورد في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(ع) في ذلك: “حقُّ اللّسان إكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبرّ بالنّاس، وحسن القول فيهم“.

الحاجة إلى الكلمة الطيّبة:

أيّها الأحبّة: إنّ كلماتنا تمثّل التّعبير العمليّ عن شخصيّاتنا، فكما لا نحبّ أن نظهر أمام الآخرين إلا بالمظهر الجميل على مستوى الشّكل واللّباس، فلنحرص على أن لا نُظهِر إلا جميل قلوبنا وعقولنا وكياننا.

وهذا لا يعني أن نداري الآخرين ونجاملهم، ونقدِّم لكلّ واحد ما يناسبه حتى يقبلنا أو يرضى عنا، بل أن نقدّم ما نحن عليه بصدق وشفافية، وبقالب جميل يتناسب ومنطلقاتنا الدينية والتربوية.

إننا أحوج ما نكون إلى الكلمة الطيّبة، أن نعوّد ألسنتنا عليها، حتى نتقي بها الفتن والتوتّرات والتشنّجات، ومواقع سوء الظنّ التي تحمِّل الكلمة المحامل السيّئة، لشحن النفوس بالكراهية والأحقاد.

فبالكلمة الطيّبة نتأسّى برسول الله(ص)، الّذي تحدّث الله عنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

وهي وحدها التي تقبل عند الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.

وبها نبلغ ما عند الله الّذي يقول: {أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.

جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

 

التعليق


*