واقعة كربلاء تجسيد عملي للإسلام

إذا أردنا البحث في جامعية الإسلام وكليّته لا بد لنا من مراجعة ومطالعة النهضة الحسينية، لأننا سنرى أن الإمام الحسين عليه السلام قد طبّق كليَّات الإسلام عملياً في واقعة كربلاء، وجسّمها تجسيماً حيّاً حقيقياً وواقعياً. ولذلك فإنّ السر وراء الإصرار المتزايد للأئمة الأطهار وتوصياتهم المحققة بضرورة إحياء وتخليد هذه الذكرى يعود في الواقع إلى رغبتهم وإرادتهم القاضية بضرورة إحياء وتخليد هذا الإسلام المجسّم المتمثّل بهذه الحادثة.

● سأشرح بعض جوانب قضية كربلاء، بالمقدار الذي أتمكن منه، من أجل تبيين الجوانب التوحيدية والعرفانية والخلوص الصادق والنقي في سبيل الله والاعتقاد بأننا نحن خلق الله ليس لنا سوى الله ملاذ:
ربما كانت عبارة أبي عبد الله عليه السلام التي وردت في خطبته التي ألقاها في مكة وهي من أوائل الخطب التي ألقاها عليه السلام، وحدها كافية. فقد أورد فيها عليه السلام: “رضى الله رضانا أهل البيت” أي أن الطريق الذي يختاره الله هو الطريق الذي نحبه ونرغبه. وإذا قرأنا الجملة الأخيرة التي نطق بها أبو عبد الله عليه السلام قبل موته سنرى بروز هذا المفهوم بالذات مجدداً. لقد كان أبو عبد الله بعد راكباً على فرسه ومنهك القوى وقد أصابته جراحات كثيرة وقواه الجسميَّة قد شارفت على النهاية وإذا بالسهم الأخير يأتي من طرف العدو فيقع في صدره الشريف ويسقط أبو عبد الله في فرسه إلى الأرض. وفي تلك اللحظة يقول: “رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين”.
ثم لاحظوا معي كيف يُمضي أبو عبد الله الحسين عليه السلام ليلة العاشر من محرم، وكيف أنه عليه السلام قد أرادها للاستغفار والدعاء والمناجاة والصلاة والتحدث إلى الباري عز وجل. يأتي رجل (أبو الصائدي) إلى الإمام الحسين عليه السلام ويقول له: يا بن رسول الله لقد حان وقت الصلاة وإننا نريد أن نصلي صلاتنا الأخيرة جماعة بإمامتك. فانظروا أية صلاة كانت! كانت السهام تنزل من حولهم كالمطر، لكن الحسين وأصحابه كانوا يغرقون في الذكر والخشوع لله.

● ولكننا إذا أطللنا على الواقعة من زاوية أخرى فسنرى رجلاً ثائراً يقف مقابل سلطات الجائرين ولا يمكن لأية قوة دنيوية أن تخضعه. فحديثه كله يدور حول العزة والشرف والحرية: “لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد”. و”هيهات منا الذلة”. و”الموت أولى من ركوب العار”. و”لا أرى الموت إلاَّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاَّ برما”.

● وإذا ألقينا النظر على القضية من زاوية أخرى فإننا سنرى وجهاً آخر من مآثر الحسين عليه السلام، نراه ذلك الرجل الخبير الواعظ الحكيم الذي لا يرضى حتى لعدوه أن يصاب بذلك المصير المشؤوم الذي يؤدي به إلى النار لقد كان نموذجاً عن جده: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾.
فهنا نرى الحسين وقد تحوّل إلى قطعة محبة وصداقة بحيث أنه يصبح على درجةٍ من المحبة والوداد حتى تجاه عدوه.

● نأتي الآن إلى ما يسمى بالأخلاق – الأخلاق الإسلامية بالطبع – حيث يمكن الحديث عن قيم ثلاث كانت بارزة في هذا المقطع الحسيني: المروءة والإيثار والوفاء.
إن الإسلام يصل في مفهوم المروءة إلى أعلى درجات المحبة والإنسانية إذ يأمرنا ديننا أن نعامل الصديق بالمروءة وكذلك العدو أيضاً. فما معنى أن يُعطي أبو عبد الله الحسين عليه السلام الماء لعدوه الذي يُعاني من العطش. إنها المروءة بعينها وهي أعلى مرتبة من الشجاعة. وعندما تقدم شمر ذي الجوشن من مخيم الحسين عليه السلام ينبري أحد أصحاب الحسين قائلاً: “يا مولاي أتسمح لي بأن أرميه بسيف” فيقول الحسين: “لا… آلينا ألاَّ نبدأهم الحرب أبداً…”.

ونأتي الآن للحديث عن الإيثار، وهل يمكن العثور على تجسيد لهذا المظهر أفضل من تجسيد أبي الفضل العباس له؟! بعد أن فرّق أبو الفضل العباس أربعة آلاف فارس، ممن كانوا موكلين بشريعة الفرات، وخاض بفرسه في ماء النهر، وبعد أن ملأ القربة اغترف من الماء غرفةً وأدناها من فمه ليشرب، ولكنه رمى الغرفة ولم يشرب. يقول الراوي: “فتذكر عطش أخيه الحسين” ولكن كيف عُرِف هذا؟ ذلك أن أبا الفضل ارتجز على الفور بعد رميه لغرفة الماء:
يا نفس من بعد الحسين هوني    وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين واردُ المنون    وتشربين بارد المعين
ونتحدث الآن عن الوفاء الذي تجلى برجل اسمه عمرو بن قرضة بن كعب الأنصاري وكان من حرس أبي عبد الله عليه السلام وقت الصلاة وقد جعل بدنه درعاً ومتراساً لأبي عبد الله الحسين عليه السلام. يقول الراوي أنه قد أصابته السهام من كل جانب حتى وقع على الأرض فتقدم منه الحسين وهو يعاني سكرات الموت ولعله شك بنفسه إذا كان قد أدّى واجبه وأوفى بالعهد أم لا! فيقول كلماته الأخيرة “أوفيت يا أبا عبد الله؟”.

● ونأتي الآن للحديث عن المساواة الإسلامية والتآخي العقيدي، نقول: إن الذين احتضنهم الحسين عليه السلام في آخر لحظات حياتهم كانوا أفراداً معدودين اثنان منهم كانا من الموالي أحدهم يدعى جون مولى أبي ذر الغفاري.
في يوم عاشوراء يأتي هذا العبد الأسود ويقف أمام الحسين عليه السلام ويستأذنه في البراز فيقول له الحسين عليه السلام: “يا جون أنت في إذن مني، إنّما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتلِ بطريقتنا”. يقول الراوي: “فوقع جون على قدمي أبي عبد الله الحسين يقبِّلهما ويبكي وهو يقول: “يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم؟! والله إن صريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، وإن لوني لأسود، فتنفس عليّ بالجنَّة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض لوني، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم”. فأذن له الحسين عليه السلام بالقتال وعندما استشهد ذهب إليه الحسين عليه السلام واحتضنه وقال: “اللهم بيّض وجهه، وطيِّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمّد وآل محمد”.

● أمر آخر نجده في مطالعتنا لحادثة كربلاء وهو هذه الحركة العجيبة في هذه الواقعة التاريخية: فالرجل له دور فيها والمرأة لها دور والشيخ والعجوز والشاب والطفل كلّ له دوره:
عندما عاد الكلبي من جولة له مع العدو مقطوع اليد اليمنى إلى الحسين عليه السلام وكانت أمه موجودة قال لها: يا أماه، أرضيت عني أم لا؟ فقالت له: ما رضيتُ عنك حتى تُقتل بين يدي الحسين عليه السلام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن زوجته التي كانت امرأة شابة تعلّقت بثيابه وقالت له: “بالله عليك لا تفجعني بنفسك”. فردت أمه: “يا بني أعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله تنل شفاعة جده يوم القيامة”. ويذهب الرجل فيقاتل حتى يستشهد فتتقدم أمه من بعده وهي ترفع عمود خيمةٍ من الخيام وتحمل على العدو وهي ترجز:
أنا عجوز سيدي ضعيفة    خاوية باليةٌ نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة    دون بني فاطمة الشريفة

لقد ذكر أيضاً أن عشرة أو تسعة أنفار لم يبلغوا الحلم استشهدوا في كربلاء أحدهم لم يذكر التاريخ اسمه تقدم للمعركة فقال الحسين عليه السلام: “هذا شاب قتل أبوه ولعل أمه تكره خروجه” فيرد الشاب عليه عليه السلام: “أمي هي التي أمرتني بذلك”. وطلب الإذن من الحسين عليه السلام في القتال فأذن له. عندما خرج هذا الشاب إلى ميدان الجهاد عمل خلافاً لما كان يعمله سائر الفرسان والأصحاب وبهذا يكون قد سبقهم جميعاً في هذه البادرة الرفيعة، فهو لم ينتسب بحسبه ونسبه كما هي العادة بل عرّف عن نفسه بأميره الحسين عليه السلام، حيث خرج يقول:
أميري حسين ونعم الأمير    سرور الفؤاد البشير النذير
عليّ وفاطمة والداه    فهل تعلمون له من نظير؟
له طلعةٌ مثل شمس الضحى    له غرّة مثل بدر منير

فهل ترون معي الآن الأدوار العجيبة والفريدة التي لعبها الجميع في حادثة كربلاء.
والحقيقة أنه كلما يتأمل الإنسان أكثر ويتعمق أكثر، يكتسب دروساً جديدة من هذه الواقعة.

 

الشهيد مرتضى المطهّري

التعليق


*