المرأة والعولمة الفكرية

|بقلم: إيمان شمس الدين|

في عصر تتقاذفه الآراء والأفكار التي باتت تشكل كثير من رؤيتنا الكونية للحياة ،وعصر بات الشك فيه يعصف بيقينيات الأجيال ومسلماتها، وبات فيه السؤال المعرفي رهينة إجابات عابرة لنا من خارج عباءتنا الثقافية والدينية ما يتطلب صوغ مشروع فكري للمرأة لما تمثله من محورية مهمة في بعدها الحقيقي المتعلق بالذات وبعدها الحقوقي المتعلق بعلاقاتها المتصلة بالأسرة والمجتمع والدولة والعالم.ودورها في بناء أجيال بناءا معرفيا وسلوكيا وتربويا يكون فيه للأم النصيب الأكبر في التوجيه والتشكيل ، وهو ما يشعرنا بخطورة الدور في ظل غياب الوعي المعرفي والفكري والثقافي لدى كثير من النساء ، ومآلات هذا الغياب على المدى البعيد في تشكيل بنية العقل المعرفي لدى الأجيال القادمة . 

إننا اليوم أمام راهن يتطلب وقفة جادة مع الذات ، لإعادة صياغة الدور وفق تطورات الراهن المعاصر ومآلات المستقبل كي نرسم لنا منهجيات استراتيجية قادرة على تشخيص الخلل ووضع الحلول وفق ما نتبناه من رؤية كونية لها بعد إلهي وما ننشده من عدالة . كي نكون ممن يطور القابليات ويغذيها ببذور التوحيد لتنمو شجرة العدالة في أجواء خالية من الشوائب الفكرية ، وقائمة على منطق الشك الدافع نحو البحث عن الحقيقة والمعرفة .

وللمرأة في هذا المضمار دور محوري ومهم جدا ، حيث أنها كإنسانة مستَخْلفة على الأرض عليها تقع وظائف عديدة منها وأهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

لتتجلى لدينا تشخيص الحاجة في زماننا وفق إرادة الخالق لا وفق ما تهواه أنفسنا ، تحت شعار : 

رب افتح لي طريقا يكون فيه رضاك ” .

منهجيتي  هي طرح تساؤلات قد تشكل للمُراجِع مرجعية في البحث والتوسع في الفكرة ، بدل أن أطرح خلاصة أفكاري بطريقة مدرسية إملائية وهي خلاصة تفكير عقلي عرضة للنقد والتقويم والتثوير ، لذلك أحببت أن تكون بيئة الفكرة مفتوحة دوما للباحث ، بحيث يصوغ كل منا رؤيته وفق قابليته العقلية ووعاءه الفكري ، فيراكم بذلك معرفة متحركة في بيئة مفتوحة فكريا لا تحدها أطر فكر لباحث بعينه بل يكون السؤال هو نقطة الانطلاق دوما نحو مزيد من البحث ، هذا التراكم المعرفي ينفعنا جميعا في استكشاف قدراتنا العقلية في عملية التفكير ، وصياغة مشروع يضم فيه هذه العقول النشطة لتشكل مجموعة قادرة على مقارعة الفكرة بالفكرة وفق منهجية علمية وموضوعية.

لذلك حولتها لمجموعة تساؤلات أجيب عليها وأترك للقاريء الحرية في الاكتفاء أو زيادة البحث وهو أنفع من وجهة نظري، لتشكل الإجابة والتساؤل منطلقا جديدا نحو بحث أعمق وتأصيل أكثر رسوخا وتجذيرا.

تساؤلاتنا فكرية ، لذلك محل اشتغالنا هو ساحة الفكرة ،وفي هذه الساحة يحاول الباحث أن يكون موضوعيا فينزع كل قبلياته ومسلماته سعيا منه في قراءة موضوعية للواقع ، ليتمكن الاستفادة من أكبر قدرممكن من التجربة البشرية ، ليستخلص منها نظرية فكرية تخرج من رحم الواقع وتستلهم أصالتها من عمق الاسلام وخباياه، فتكون الفكرة بمثابة الملهم للعقل في إعادة قراءته للاسلام بروح العصر وواقعه وواقعيته، فهذا الدين عميق فأوغلوا به برفق.

 

 مقدمة:

إن تحديد دلالات الاصطلاحات والمفاهيم وتعريفاتها الدقيقة يساهم إلى حد كبير في البناء الفوقي لهذه المصطلحات.

إذ أن التحديد يعني توضيح مسار الفكرة ومنطلقها وبيئتها ، فكثيرة هي المصطلحات التي نتفق جميعا كبشر عليها كمصطلح بحد ذاته مجردا عن كل شيء، لكن تكمن المشكلة في أننا لسنا متفقين على مرادات أو الدلالات التي نرتئيها للمصطلح على المستوى الفكري.

لأن للمصطلح بيئته التي نشأ بها وتشكلت منه الفكرة ، وموطن الفكرة وبيئتها ومحل نموها يحدد مسارها ومآلاتها وثمارها.

فعودة كل فكرة لمنشئها يحدد منهجيات التفكير.

إن أي مفهوم لابد أن يكون له بيئة حاضنة شكلت له دلالاته المعرفية ورؤاه الفلسفية، 

فتحليل المفاهيم الأساسية لأي فرع أو حقل معرفي يعتبر المدخل الأول لتفكيك ذلك الفرع أو الحقل بشكل يسمح بتشخيصه وتحديد وضعيته، ومعرفة مبادئه ومداخله. فالمفاهيم ليست ألفاظا كسائر الألفاظ ، وما هي مجرد أسماء أو كلمات يمكن أن تفهم أو تفسر بمرادفاتها ، أو بما يقرب من المعنى إليها، بل هي مستودعات كبرى للمعاني والدلالات كثيرا ما تتجاوز البناء اللفظي وتتخطى الجذر اللغوي لتعكس كوامن فلسفة الأمة، ودفائن تراكمات فكرها ومعرفتها…. فالمفهوم أشبه بوعاء معرفي جامع يحمل من خصائص الكائن الحي أنه ذو هوية كاملة قد يحمل تاريخ ولادته وسيرورته وتطوره الدلالي.. لذلك كانت دائرة المفاهيم أهم ميادين الصراع الفكري والثقافي بين الثقافات عبر التاريخ وستظل كذلك … “

د.طه جابر العلوانينحو منهجية قرآنية معرفيةدار الهاديالطبعة الأولى ص ١٢٣

لذلك لابدلنا بداية من تفكيك ثم توضيح ثم بناء لتتضح الفكرة في ذهنية القاريء.

 

١. ما هي العولمة ؟

أنها صياغة إيديولوجية للحضارة الغربية من فكر وثقافة واقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع باستخدام الوسائل الإعلامية ، والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم.” 

٢. هل العولمة إيجابية أم سلبية مطلقا ؟

إيجابيات العولمة :

١. انفتاح الثقافات والشعوب وهو شعار وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا وهو ما يفتح الأفق أمام التكامل العقلي نحو مزيد من المعرفة مما ينعكس إيجابا على واقع الإنسان الحياتي في التنمية والتقدم.

٢. تلاقح الثقافات وجمع العقول وتبادل الخبرات بما ينفع الناس.

٣. تنمية وترشيد العقل والاطلاع على التجارب البشرية والاستفادة منها في ترشيد وعي الناس وما الثقافة الحقوقية التي بدأت تنشر إلا مثال واضح على ذلك.

 

السلبيات :

١. محاولة الاحلال الثقافي وليس التكامل وفق أسس الاحترام والتعدد.

٢. الاحلال الثقافي ينعكس على تشكيل الهويةهوية الفرد والجماعة وهوما يؤثر حتما على قضية الانتماء التي تنعكس سلبا على مسألة الولاء والبراءة التي تعتبر من فروع الدين نتيجة الخلط المفاهيمي واختلاف دلالات المصطلحات.

٣. فرض هوية جمعية شمولية لا تأخذ بالحسبان خصوصيات الثقافة والهوية لكل مجتمع بما يسهل عمليا قضية تهيأة العقول والقابليات للهيمنة الفكرية ومن ثم يسهل الهيمنة على كل شيء.

٣. ما هي الجوانب السلبية والإيجابية في العولمة؟

٤. ما هو الفكر وما هي أهميته ؟

1- الفكر في اللغة

* عرف ابن منظور في لسان العرب الفكر بقوله : الفكر، والفكر : أعمال الخاطر في الشيء (…) والتفكر اسم التفكير، ومنهم من قال فكري. وقال الجوهري : التفكر: التأمل.

* وعرفه الفيروز آبادي بقوله : الفكر، بالكسر ويفتح، أعمال انظر في الشيء كالفكرة.

 

 2- الفكر في المعاجم الحديثة والمعاصرة

  * يقول جميل صليبا : “وجملة القول أن الفكر يطلق على الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات، أو يطلق على المعقولات نفسها، فإذا اطلق على فعل النفس دل على حركتها الذاتية، وهي النظر والتأمل، وإذا اطلق على المعقولات دل على المفهوم الذي تفكر فيه النفس“.

 * وعرفه صاحب (المعجم الوسيط) بقوله : “الفكر إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول ]و[ الفكرة : الصورة الذهنية لأمر ما“.

* أما صاحب الموسوعة الفلسفية فقد ذكر عدة تعريفات منها : الفكر ]هو[  النتاج الأعلى للدماغ كمادة ذات تنظيم عضوي خاص، وهو العملية الايجابية التي بواسطتها ينعكس العالم الموضوعي في مفاهيم وأحكام ونظريات (…) هو الشرط الجوهري لأي نشاط آخر، طالما أن هذا النشاط هو نتيجته المجملة والمتمثلة، والكلام هو صورة الفكر“.

 

 3- الفكر في القرآن الكريم

لقد وردت مشتقات الفكر في القرآن الكريم في عدة مواضع، بصيغة الفعل، ولكثرثها نذكر منها قوله تعالى :

أ– (وسحر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).

ب– (إنه فكر و).

ج– (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون).

يقول أبو حامد الغزالي : “اعلم أن معنى الفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة“. وقد جعل الفكر مرادفا للتأمل والتدبر.

وعرفه طه جابر العلواني بقوله : “الفكر اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الانسان، سواء أكان قلبا أو روحا أو ذهنا بالنظر والتدبر، لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة، أو الوصول إلى الأحكام أو النسب بين الأشياء“.

 

 ٥. ما هي العولمة الفكرية ؟

العولمة الفكرية والثقافية والاجتماعية وتعني نشر الفكر الغربي في النظر إلى الكون والحياة والإنسان ، بوسائل منها : الأدب الغربي الذي أخذ يتسلل إلى مجتمعاتنا باسم الحداثة ، وشبكة المعلومات الدولية والفضائيات التي أصبح انتشارها في العالم ممكنا ، بعد أن غزا الغرب الفضاء وثبت فيه عددا كبيرا من الأقمار الصناعية .

 

٦. أين تكمن خطورة العولمة الفكرية ؟

لا قياس مع وجود فارق 

وتزداد أهمية تحديد المفاهيم والمصطلحات كلما تنبهت الأمة إلى ضرورة تحديد الأرضية الثقافية والفكرية التي ينبغي الوقوف عليها، وهي تحاول قدر الإمكان استئناف النظر في مداخل النهضة والتقدم، بنقد كل ما من شأنه تعطيل هذا النظر، وكذا النهوض المعاق، بفعل عدة عوامل، لعل من أبرزها : عدم توفر الأمة على موجبات التكوين العلمي والمعرفي المطلوب، خاصة إذا نظرنا إلى القضية المطروحة في علاقاتها بعدة مشكلات، تتقدمها مشكلة المثاقفة المفاهيمية والاصطلاحية التي برزت بشكل واضح وملح مع بروز الكتابات ذات الطبيعة التغريبية، التي لا ترى المخرج من هذه الوضعية المأساوية للأمة إلا من باب استعارة واقتراض ما عند الآخر من مفاهيم ومصطلحات ومناهج ونظريات، في إطار نقل التجربة العامة الدافعة إلى تحقيق ما يظنون أنه سيتحقق وهوعصر التنوير العربيقياسا علىعصر التنوير الأوربي، متناسين قاعدة أساسية في هذا الباب، وهيأنه لاقياس مع وجود الفارق، وما أكثر الفوارق بيننا وبين الآخر.

وفي ظل شبه غياب للاهتمامات الفكرية تأتي خطورة العولمة الفكرية في المناشيء الفلسفية التي تنطلق منها الفكرة القادمة إلينا من الآخر مع إصراره لعملية الاحلال وليس التلاقح والتكامل واحترام الآخر. هذا الاختلاف في المناشيء سيحدث خللا في المباني والمنهج وبالتالي في الثمرات التي ستشكل رؤية الإنسان لله والكون والطبيعة .

في كتابه ( الشهيد محمد باقر الصدر ) المدرسة القرآنية يشرح عناصر المجتمع ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر 

الأول: الإنسان

الثاني : الأرض أو الطبيعة على وجه عام

الثالث العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان

ويعتبر العنصر الثالث هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان

الأولى صيغة رباعية

والثانية صيغة ثلاثية

 

الصيغة الرباعية:

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان ، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع وهو بعدا رابعا للعلاقة الاجتماعية وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في إطار المجتمع وإنما خارج عن إطار المجتمع وتعتبر هذا الطرفأي الصيغة الرباعيةمقوما من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية

وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف.

والطرف الرابع هنا هو المستَخْلَف أي الله

 

الصيغة الثلاثية:

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع 

تجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع اي الله.

وبين الصيغتين يكمن الفرق في الفكرة ومناشيء انطلاقها

 

٧. لماذا العولمة الفكرية ؟

إن الهيمنة على العقل هي بمثابة الهيمنة على الإنسان وسلوكه ومنهجه ورؤيته الكوينية التي تحدد له أولوياته وأهدافه وآلياته في هذه الدنيا.

وهو ما يمهد لكل محاولات الهيمنة والاختراق في ساحات الفعل الاجتماعي وتمكين الآخر بعد أن عجز عن طريق العسكرأن يحقق ما يريد أن يحقق ما يريد من مصالحه ونفوذه بأقل الخسائر 

بأسلوب كي الوعي وتغيير دلالات المفاهيم والمصطلحات كما حدث تماما في موضوع الإرهاب وتحويل مسارات الجهاد الحقيقي وثقافة المقاومة والرفض والعزة والاباء وجعلها كلها في صف واحد تحت مصطلح الارهاب مع التكفير والقتل على الهوية.فالعولمة الفكرية عسكرة لكن من نوع آخر ، عسكرة ثقافية وفكرية تصوغ رؤى ذات زواهر مفاهيمية متفق عليها تماما عقليا بل هي من البديهيات العقلية ، لكن تحول هذه المفاهيم خلفيات ثقافية ذات عمق تاريخي وإرث ثقافي تراكمي ومباني فلسفية قاعدية تتكئ عليها لتشكل جوهرها مهما اتفقنا مع ظاهرها ، إلا أن الجوهر يبقى في حالة الثبات في الغاية والآليات .

وأخطر هذه الغايات هي الاحلال الثقافي والتغيير الهوياني للإنسان ليغير انتمائه الثقافي إلى انتماءات ثقافية جديدة ، والاداة في ذلك العقل.فعملية كي الوعي أو صناعة العقول أو إعادة صياغة مخرجات عقلية جديدة كلها آليات لهدف واحد هو الاستعمار والهيمنة وفق حرب ناعمة وليست عسكرية وخطورتها تكمن في خفاؤها وتغلغلها بشكل دقيق وهادئ في المنظومة الفكرية الاسلامية والتي أصلا تعاني من عدم الرصانة ووجود ثغرات كبيرة في بنيتها تسهل عملية اختراقها .

فإن هيمنا على العقل استطعنا الهيمنة على الإنسان وتوجيه رؤاه وافكاره بنحو بعيد عن الثوابت والاصالة الاسلامية.

٨. وما هي خطورة العولمة الفكرية على المرأة؟

المرأة بشكل عام هي العنصر الأضعف عبر التاريخ لأسباب عديدة كان أهمها على الاطلاق تهميش وظيفتها وسلبها البعد الإنساني وبالتالي ابعادها عن ساحات التنضيج العقلي ودفعها نحو الانكماش في الأولويات والرؤى وسقف الطموح بل تحويلها لأداة فاعلة جدا في تنفيذ الخطط التي يصوغها عقل الرجل وعدم إشراكها في مراكز القرار أو تحويلها لأداة استمتاع وإنجاب فقط.

وموقعية المرأة في البناء الاجتماعي موقعية جدا مهمة وفاعلة ومؤثرة كونها تمثل نصف المجتمع وتشترك في صناعة وتربية وصياغة النصف الآخر ، لما تملكه من مقومات كثيرة في بعديها الإنساني والأنثوي.

بالتالي وجود هذا العنصر المهم في المجتمع ولكن وجودا ضعيفا وأداتي يشكل ثغرة كبيرة في جسد وبنية المجتمع يسهل اختراقها وتوظيفها خاصة في مشاريع الاستعمار الفكري كونها تشكل محورا دوما في الحوارات الفكرية وصياغة الرؤى حول دورها خاصة مع غياب رؤية اسلامية معاصرة حول شخصية المرأة في المنظومة الاسلامية تغطي وجودها كجزء من كل وليس ككل وذات منفصلة .

هذا الغياب في ظل العولمة الثقافية والفكرية أو شبه الغياب سيسهل من عملية الاختراق وتقديم بدائل ظاهرها مقنع بل يقدم أفكار نهضوية لكن واقعها وحقيقتها رق جديد لتخرج المرأة من الاستعباد إلى الاستلاب .

اختراق المجتمع من خلال المرأة ذات الموقعية والوظيفة الحساسة في بناء المجتمعات وصياغة فكر الأجيال سيكون له دور كبير في عملية الاحلال الثقافي والتغيير الهوياني وإعادة توجيه الانتماءات .

من هي المرأة في المشروع الإلهي؟ 

ومشروع المرأة في الاسلام الذي كان يسير فيه النبي ص رويدا رويدا للأخذ بقابليات المجتمع تدريجيا، التي كانت غارقة بثقافتها القبلية والجاهلية اتجاه المرأة وإخراج هذه العقليات من هذا الفضاء الضيق إلى أفق أرحب يستطيع استيعاب تشريعات السماء ونظرة الله من خلال تشريعاته لواقع ودور المرأة ووظيفتها .

فكما تدرجت الشريعة في عدة أمور كالصلاة ومنع الخمر وتعدد الزوجات وغيرها من الأحكام التي تدرجت فيها وفق تهيؤ قابليات المجتمع آنذاك .. فكذلك موضوع المرأة كان من الموضوعات التي تدرج بها رسول الرحمة وفق منهج مرحلي كان يفترض أن يتم إكماله بعد رحيله ، إلا أن الانقلاب كان شاملا وشمل بشموليته مشروع المرأة في الاسلام .

وتراكم هذا الانقلاب عبر التاريخ بانقلابات كثيرة انحدرت بواقع المرأة من خلال تحجيم دورها واقتصار هدف وجودها على جزء من كل وهي كونها زوجة وأم ، وهي أدوار مهمة لكنها ليست الأدوار الوحيدة التي عنيت بها المرأة  ، خاصة أن خطورة هذه الأدوار تكمن في حاجة المرأة للعلم والمشاركة الاجتماعية كي تؤدي هذه الأدوار كما يجب وكما هو الاستحقاق الوظيفي لها، فلكي تقوم بالاستحقاقات الوظيفية المناطة بها فلا بد أن يكون لها امتداد وفق هذه الاستحقاقات من الاسرة إلى المجتمع إلى الدولة .فالأمو والزوجية كوظيفة  تأتي ضمن منظومة وظيفية كاملة وتحقق الاتزان لشخصية المرأة في عدة مقامات ، وهي على مستواها كفرد وما يرتبط بها كشخصية حقيقية وعلى مستوى كونها مرتبطة بارتباطات علائقية كشخصية حقوقية ترتبط بأسرة ولها ارتباط بمجتمع تقع جزء من مسؤولية تقدمه عليها. فلا يمكن أن تكون أما أو زوجة صالحة ما لم تتوفر لها مقومات الصلاح وأهمها العلم والتحصين كي تنتج مجتمعا متعلما ومحصنا وتمتد بهذا من الأسرة إلى المجتمع .

فالنبي الأكرم ص حينما خرج للمباهلة خرج برجل وأطفال وإمرأة وقدم بهم نموذجا للمواجهة الحوارية في كيف يجب أن يكون عليه واقع المرأة المتصدية للأدوار الخارجية ، ففاطمة الزهراء ع التي خرج بها النبي مباهلا في دور سياسي واجتماعي بامتياز ، كانت أما وزوجة توصف بسيدة نساء العالمين وهي صفة لم تمتلكها لنسبها لرسول الله ،بل صفة كانت مستحقة لمقوماتها الشخصية التي وصلت لمقام النموذجية ليس فقط لعالمها وزمنها بل لكل الأزمنة إلى يوم القيامة . فالسيادة صفة عامة اختصت بها الزهراء عليها السلام بخاصية الامتداد والنمذجة لكل الأزمنة لكي نستلهم منها النموذج الحي في كل زمن كنساء فنسود مجتمعاتنا من خلال سعينا لامتلاك مقومات هذه السيادة من العلم والمكنة والقدرة.

فالإسلام لا يمثل عائقا أمام تطور المرأة باتجاه المشاركة الفاعلة والمساواة. لكن كل المشكلة تكمن في نظرة كل طرف للإسلام وطريقة تأويل النصوص المؤسسة.والتحرير الحقيقي المطلوب هو فتحرير المفاهيم من نمطيات الفهم التقليدي للنص الديني ، وتحرر المجتمع من محمولات العادات والتقاليد وتثوير فهم الحق والواجب على مستوى إنساني الغير متعلق بجنس ، يشكل مؤشرات مهمة في التحول الحضاري الديموقراطي بما يعنيه مفهوم الحضارة من نهضة على كافة المستويات.

وهو ما يتطلب مواكبة من المرأة والمهتمين بشأنها للسير قدما لتحقيق المزيد من المكتسبات الإنسانية خاصة على مستوى التعليم والصحة والتحصين العقلي والنفسي والنهوض بمستوى قراءة النص الديني بما يتناسب وعالمية الرسالة الإسلامية وخاتميتها.

 

خاتمة:

المرأة اليوم التي تربي أجيالا عليها أن لا تكون أم أو زوجة أو ابنة أو اخت عادية وبسيطة في ظل عولمة تسعى جاهدة لمحو هويتنا الاسلامية وسلبنا انتماءنا لهذا الدين العظيم وفك الرابط بيننا وبين النماذج الإسلامية المشرقة ، لاحلال هوية وفق ما رسمته عقلية الغزو الثقافي ليتماشى مع ثقافة الاستهلاك التي تريد تعميمها على الشعوب لتتماشى مع خطتها للهيمنة سلميا بعد أن عجزت عسكريا .

فالجهاد اليوم للمرأة هو جهاد ثقافي ومسؤوليتها عظيمة لأفشال هذا المشروع وإن كانت هناك عوائق كثيرة لكن المبدأ الأساس هو أن الحق ينتزع ولا يعطى أو يوهب ، لذلك بات لازما علينا كنساء النهوض من السبات العميق فلم يعد لدينا حجة في ظل وجود كل هذه التكنولوجيا التي سهلت وسائل التواصل العلمي والثقافي والسياسي وباتت المرأة قادرة على أن تصبح عالمة وهي في منزلها .

وفي ظل الفساد الذي لم يمر على عصر من العصور كما هو عليه عصرنا فيصبح لزاما منا كنساء التصدي بعد التأهيل والنزول للساحات نزولا معنويا وميدانيا ، معنويا يتعلق بساحة النفس والأسرة وميدانيا في ساحات المجتمع لأن إدارة النفس بشكل سليم سيمكننا من إدارة الأسرة لتتسع دائرة تمكيننا من إدارة المدن.

فجهادنا اليوم ثقافي .

فلم يعد مقبولا أن تقدم لأجيالنا في الحاضر والمستقبل المرأة من خلال نماذج الغرب وفق قوالب أنثوية لا تعير لإنسانية المرأة وبعدها المعنوي أي اهتمام ، ونحن لدينا شخصيات تاريخية وقرآنية تشكل نماذج متقدمة في عالم المرأة تم اهمالها أو قراءتها بشكل مجافي لواقعها في مجتمعها ووظيفتها والثمار التي حققتها في تلك الحقب الزمنية.

المصدر: موقع رؤى

RelatedPost

التعليق


*