فاطمة (ع).. المواجهة والاحتجاج

| العلامة السيد علي فضل الله |

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}. صدق الله العظيم.

هي التي تربّت على يدي أبيها رسول الله(ص)، ونهلت من معينه الصافي، فانطبعت شخصيّتها بشخصيّته، وامتزجت روحها بروحه، حتى صارت أخلاقها أخلاقه، وعبادتها عبادته، ورضاها رضاه، وسرورها سروره، وحزنها حزنه، وأذاها أذاه. هي فاطمة بنت محمد صلوات الله وسلامه عليها، التي نعيش اليوم في الثّالث من جمادى الثّانية ذكرى وفاتها، وذلك بناءً على الرّواية التي ترى أنَّ وفاتها حصلت بعد خمس وتسعين يوماً من وفاة رسول الله(ص).

معاناة الزّهراء(ع)

وتعدّ ذكرى وفاة الزّهراء(ع)، من المناسبات التي تعمِّق في وجدان محبّيها علاقة الارتباط والولاء التي يكنّونها لها من جهة موقعها عند الله، فهي وصلت في الموقع عنده أنَّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، ولكونها بضعة رسول الله(ص)، والتي حظيت منه بلقب أمِّ أبيها، وللألم الذي عاشته بعد أن غادر رسول الله الحياة، وللظّلم الذي تعرَّضت له. وما يعمِّق الحزن أكثر، هو أنّها هي نفسها من تحدَّثت عن هذا الظلم وعبَّرت عنه.

لقد عانت السيِّدة الزهراء(ع) مما حصل يوم السَّقيفة، حيث اتُّخِذ القرار بإبعاد عليّ(ع) عن الخلافة، عانت  وهي ترى هذا الانحراف يحصل أمامها، ولم يكن قد مضى على رحيل الرَّسول(ص) إلّا أيّام، وهو الّذي كان يقول: “من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”.

وعانت السيّدة الزهراء(ع) من حرمانها من ميراث أبيها أرض “فدك”، ولم تكن قيمتها المادّية ما يعنيها، بقدر ما مثَّل لها ذلك أذى شخصيّاً، حين صُوِّر الأمر وكأنَّها تخالف ما قاله أبوها، عندما نُقِل عنه حديث هي لم تسمعه، مع أنّه يخصّها وحدها: “نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث”، أو كأنّها تطالب بما ليس لها، وحاشا لابنة رسول الله أن تفعل ذلك.

وأكثر ما عانته(ع)، هو من الصَّمت والسّكوت الذي خيَّم على مجتمع المسلمين، وأدَّى إلى مرور تلك الأحداث، لقد أرَّقها ذلك، وشعرت بخطورته إن هو استمرّ.

المواجهة والاحتجاج

وإزاء كلِّ هذه المعاناة المتعدِّدة الجوانب، كان لا بدَّ للزّهراء من اتخاذ موقف حاسم وصلب. فماذا فعلت؟

أوّلاً: تحدّثت، وبصوت عال، في مسجد أبيها، وأمام جموع المسلمين، حيث سمّت الأمور بمسمّياتها بخصوص الإرث، وبدليل قرآني لمن منعها حقّها:

أأُغلب على إرثي؟! يا بن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فريّاً، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم؟! إذ يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا(ع)، إذ يقول: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، وقال: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}، وقال: {إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}“، إلى أن فنَّدت مزاعمهم وقالت: “وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها، أم هل تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟! أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمِّي؟!…”. وهو القائل: “علَّمني رسول الله ألفَ باب، كلّ بابٍ يفتح ألف باب”. وفي خطبتها الكثير من الحجج المنطقيّة.

ثانياً: خطبت في نساء المهاجرين والأنصار، وبعثت برسائل لاذعة من خلالهنَّ إلى رجال المدينة، لسكوتهم على موضوع الخلافة، فقالت لهنَّ مما قالت (والخطبة بليغة جدّاً):

 “واللهِ أصبحتُ عائفةً لدُنياكم، قالِيَةً لرجالكم…”. ثم قالت: “وما الّذي نَقَموا من أبي الحسن؟ نَقَموا واللهِ نكيرَ سيفه، وشِدّة وَطْأته، ونَكالَ وَقْعته، وتنمّره في ذات الله”. إلى أن أنهت كلامها: “فيا حسرةً عليكم، وأنَّى لكم وقد عُمِّيتْ عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟!”.

ثالثاً: أوصت، ومن باب الاحتجاج السياسيّ، أن تُدفَن سرّاً، وأن لا يحضر جنازتها من ظلمها، كانت تريد أن يكون ذلك شاهداً على الظّلم الذي لحق بها، ولتخلّد بذلك احتجاجها على القوم الذين ظلموها. كانت تريد أن تؤسِّس لمنطق عدم السّكوت عن ظلم وانحراف، وأنَّ الحقّ لا ينبغي أن يموت أو يندثر.

 ولكن، في كلّ هذا المشهد الأليم والاحتجاجي المستمرّ والمتواصل، كانت فاطمة(ع) بحكمتها ورجاحة عقلها ورساليّتها، واعيةً لما يتربَّص بالإسلام ممن كانوا ينتظرون أيّ فرصة نزاع داخل المجتمع الإسلاميّ حتى ينقضّوا على هذا الدّين، وهي سمعت كلام أبي سفيان، عندما جاء إلى عليّ(ع) محرّضاً ومصطاداً في الماء العكر، وقال: “يا أبا حسن، أبسط يدك حتى أبايعك. والله، لئن شئت لأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً”. وطبعاً، رفض عليّ(ع) وقال: “إنّك ـ والله ـ ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنّك ـ والله ـ طالما بغيت للإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك”.

كانت الزهراء(ع) تدرك أنَّ الإسلام لايزال طريّ العود، ومن الممكن لأيّ تطورات في غير محلّها، أن تودي بكلّ إنجازات رسول الله(ص)، فحرصت على أن تبقى الأمور الخلافيّة في حدود الاحتجاج الذي قامت به، وقوّة المنطق الذي عبّرت عنه، لكنّها لم تكن تريد لها أن تتحوَّل إلى فتنة أو توتّر داخل المجتمع الإسلامي.

لقد كانت السيّدة الزهراء(ع) قادرة، كونها ابنة رسول الله(ص)، على أن تجيّش النفوس، وتحرّك الشارع وتعبّئه، وتصعّد المواجهة وتطيل أمدها، ولكنّها آثرت الوقوف مع عليّ عندما قال: “لأسَلِّمَنَّ ما سَلِمَت أمور المسلمين، ولم يَكن فيها جَور إلا عَلَيَّ خاصَّة”.

 لقد نظرت الزّهراء وعليّ(ع) آنذاك إلى الصورة بأكملها، إلى المشهد كلِّه، وإلى المصلحة العليا. لقد فصلا بين ما ينبغي أن يكون، وبين ما يمكن أن تؤول الأمور إليه في ظلّ الظروف الدقيقة آنذاك.

إنَّ الأسلوب الذي تعاملت به الزهراء وأمير المؤمنين(ع) مع ما حدث، هو دعوة لنا إلى الاقتداء به، وهو أمر مطلوب من كلِّ المذاهب من دون استثناء، حتى ننجح في تطويق كلِّ التوجهات التي تعمل بوعي أو دون وعي، لتحويل نقاط الخلاف إلى بؤر توتير وتفجير لساحتنا الإسلاميّة، لا تنتج إلا دماراً وخراباً وضياعاً.

لقد أرادت الزّهراء(ع) أن تؤكّد المنطق الذي يقول إنه عند الاختلاف، لا بدّ من أن يظهر كلٌّ موقفه، ولكن لا بدّ من الحذر من الفتنة ومن المتربّصين بها.

ونحن عندما نتحدَّث عن ضرورة أن لا يحدث احتقان داخل السّاحة الإسلاميّة العامّة، فإنّنا لا نريد لهذا الاحتقان أن يدخل إلى ساحة محبِّي السيِّدة الزّهراء(ع) ومن يوالونها، ولا نريد للاختلاف حول بعض التّفاصيل، أن يتحوَّل إلى سبب للنّزاع والتّوتّر، فقد بتنا نخشى كلّما اقتربت هذه الذّكرى، من العابثين والموتّرين الذين يخرجون هذه المناسبة عن قدسيَّتها ودورها.

إنّنا أمام ذلك، نعيد تأكيد ما كنَّا أشرنا إليه مراراً وتكراراً، أنَّ اختلاف الرأي وتعدّد الآراء على وقوع حادثة كسر الضّلع أو أيّ شيء آخر يتعلّق بالسيّدة الزهراء(ع)، مما اخُتلف عليه، ليس جديداً، بل كان يدور دائماً بين العلماء والمؤرّخين والباحثين والدَّارسين، ولايزال يدور، ولكنَّه لم يكن ليشكِّل حالة تفريقيّة أو عصبيّة، أو حالة اتهامات واتهامات متبادلة.

إننا نريد لهذا الاختلاف ولكلّ اختلافاتنا، سواء في شؤون التاريخ أو العقيدة أو الفقه، أن يعالَج بالمنطق العلميّ والموضوعيّ، الذي يدرس صحّة سند الروايات أو عدم صحَّتها، ويبحث في السياق والظروف والمعطيات الاجتماعية والسياسية في حينه، ولتكن الأبحاث العلميّة الرّصينة هي المكان والموقع الأفضل للتحقّق من هذه المسألة أو تلك، فالحجَّة بالحجَّة، وبمنهج علميّ يتّسم بالأخلاق والتقوى أوّلاً وأخيراً، فلا يتحوَّل الاختلاف إلى مادّة تصل إلى حدّ التفسيق والتضليل والسبّ واللّعن، بحيث تخرج عن سياقها وعن أدبيّات التعامل عند الاختلاف.

إننا نريد للسيّدة الزهراء(ع) أن تدخل إلى كلّ السّاحات، بما أعطت وقدّمت، وبما عاشته من طهر وصفاء ونقاء ومحبّة، وما حملته من رسالة وعاشته من جهاد وتضحية، ولتكونَ هي المدرسة القدوة، ببنوّتها وزواجها وأمومتها، بفرحها وألمها وحزنها… وهكذا تظلّ حاضرة في الوجدان والعقول والقلوب على مدى الزّمن.

لكن هذا يتوقَّف على أسلوب تقديمنا للزّهراء(ع) وكيفيّة تعاملنا مع ذكراها.

السّلام على الزهراء يوم ولدت، ويوم انتقلت إلى رحاب ربِّها، ويوم تقف بين يديه لتحصل على ما وعدت به {فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً}.

التعليق


*