في ذكرى ولادة الزَّهراء (ع) رمز المرأة المسلمة

المعروف بين علمائنا والمشتهر عندهم، أنّ مولدها (ع) كان بعد البعثة بحوالى خمس سنين، ونحن لا نرى مانعاً من الالتزام بذلك، رغم أنّنا لم نصرف جهداً استثنائيّاً في بحث هذا الموضوع.

لقد تعلّمت السيّدة الزهراء (ع) الكثير من رسول الله (ص) ومن عليّ (ع)، وقد قامت بدورها في نشر المفاهيم الإسلاميّة الصحيحة وتعليم ذلك لنساء عصرها.

إنّ تعظيم السيدة فاطمة (ع)، لأن رسول الله (ص) كان يعظّمها، وقد جاء في ذلك الروايات من الفريقين، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (ص) أنّه قال: “إن حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة، وإن فاطمة سيدة نسائهم”، وغيرها الكثير من الروايات الموجودة في كتب الفريقين”. (استفتاءات- تاريخ وسيرة).

لقد بلغ الوعي لديها درجة اتّسعت لكلّ المرحلة التي عاشتها، فقد كانت – وهي الثّكلى برسول الله (ص)، والمظلومة من خلال ما جرى لها، مع ما ألقي عليها من مسؤوليّة – كانت تخرج لتدافع عن الحقّ، تارةً باستقبالها للمسلمين والمسلمات، وأخرى ـ كما تقول بعض الرّوايات – بالطّواف على جموعهم لتحدِّثهم عن حقّ عليّ (ع)، كان كلّ هذا يعيش في شخصيَّة شابَّة لم تبلغ العشرين من عمرها على أشهر الرِّوايات، أو لم تبلغ الثلاثين من عمرها.

لذلك، فإنَّ إنسانةً تملك هذه الشّخصيَّة، حريّ بها أن تكون قدوةً للمرأة المسلمة، ولا سيّما أنها سيّدة نساء العالمين.

من هنا، على كلّ نساء العالمين أن يقتدين بها ويتعلّمن منها، وأن يعشن المسؤوليّة من خلال سيرتها وحياتها، وأن يرتفعن إلى مستوى الطّهر الذي ارتفعت إليه.

وعليه، فإنّ إعزاز رسول الله (ص) لها لم يكن إعزاز أب لابنته، وإن كان للعاطفة دورها في علاقة الأب بابنته، ولكنّه إعزاز الأب النبيّ الّذي رأى بابنته تجسيد رسالته، ولهذا حدّثنا عنها وهو يراقب كلّ فكرها فلا يرى في فكرها إلا الحقّ، ويراقب كلّ خطواتها فلا يرى في خطواتها إلا خطوات الحقّ، ويراقب كلماتها فلا يرى في كلماتها إلا كلمات الحق، ويراقب كلّ شؤونها، فيرى فاطمة (ع) الإنسانة التي ترضى لرضى الله وتغضب لغضبه، ولذلك كان يرضيه ما يرضيها لأنه يرضي الله، ويغضبه ما يغضبها لأنّه يغضب الله، فهي المعصومة التي لم تقدّم رجلاً في فكر أو قول أو عمل، ولم تؤخّر أخرى، إلا من خلال ما تعلم أنَّ فيه رضى الله تعالى.

وفي ضوء ذلك، ينبغي لنا – وقد أراد لنا رسول الله (ص) أن نعظّم الزّهراء (ع) كرمز للمرأة المسلمة، ونرفع من شأن المرأة في كلّ منطلقاتها – أن ننمي طاقات المرأة، فقد عمل رسول الله (ص) على تنمية طاقات الزّهراء (ع)، وعمل عليّ على تنمية طاقات زينب (ع)، وهذا ما يوجب علينا جميعاً – رجالاً ونساءً – أن نعمل في سبيل أن يتكامل الرجل مع المرأة علماً، ليكون للمرأة طاقة العلم كما للرّجل، وحركة في المواقع التي يرضاها الله، ليكون للمرأة التحرّك إلى جانب تحرك الرجل.

إن الله تعالى أراد للمرأة أن تكون بنتاً ترعى والديها، وزوجةً لزوجها، وأمّاً لأبنائها، ولكنّه أراد لها أن تكون واعية للإسلام ولحركة المسؤوليّة في الحياة، وقد خسر المسلمون – كما خسر غير المسلمين في كلّ التاريخ – طاقات المرأة، عندما عملوا على إبقائها جاهلة ومتخلّفة، تعيش على هامش حياة الرّجل، على أساس أنّ دور المرأة هو في البيت، ولكن ألا ينبغي أن يتحلّى من في البيت بالوعي والعلم والثقافة؟! كيف يمكن للمرأة الجاهلة أن تربي الأولاد المنفتحين على المعرفة، وكيف يمكن لها أن تملأ حياة زوجها وحياتها بالذّات؟!. 

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

التعليق


*