دور الصّوم في تنمية الشخصيّة الإسلاميّة

قد نستطيع التوقّف أمام هذه الفريضة، لنجد أنّها تمثّل في تكوينها الماديّ ـ إنْ صحّ التعبير ـ الإمساك عن الطّعام والشّراب وبعض الملذّات الخاصّة، وتمثّل في مدلولها الروحي، العمل الّذي يأتي به الإنسان متقرّباً إلى الله، في ما تعنيه عباديّة العمل من انطلاقة من معنى التقرّب به إلى الله.. فإذا وحّدنا بين الجانب المادّي والرّوحي، كانت النتائج الحاسمة؛ يقظةً روحيّةً متحرّكةً في داخل الإرادة، وإرادة ثابتةً قويّةً في حركة الرّوح، ممّا يوحي للإنسان بالمراقبة الدائمة لخطواته العمليّة، ومشاعره الذاتيّة، وأفكاره الخاصّة، من خلال ما تحقّقه المراقبة اليوميّة في مسألة الملذّات العادية التي يريد أن يحفظ نفسه من ممارستها.. فإنّ الالتزام بالكفّ عنها على أساس هدف القرب من الله، يعمِّق في الذات ـ بشكل متحرِّك ـ معنى القرب من الله كعنصر أساس من العناصر الحيّة من غايات الإنسان في الحياة، وهو ما ينعكس إيجابيّاً على كلّ جوانب شخصيّته الأخرى في الفكر والشّعور والعمل.. لأنّ القاعدة الثابتة واحدة في ذلك كلّه.. لأنّ الإنسان لا يمكن أن يحقِّق القرب من الله في حياته، إلا إذا تحوَّل كيانه إلى حركة دائبة شاملة في هذا الاتجاه في جميع المجالات العمليّة التي يستهدفها في الحياة.. وهذا ما تعمل التربية الإسلاميّة الهادفة على تحقيقه في عمليّة تدريب الإنسان المسلم، عندما توجّه كلّ اهتماماته نحو الله، باعتبار أنّه غاية الغايات، فلا يتحرَّك الإنسان إلا من خلاله على أساس الشعور الحميم العميق بالخوف منه أو المحبّة له.. وهذا هو معنى العبوديّة في ما تعنيه من الخضوع المطلق لله، في كلّ منطلقاته وتطلّعاته، وذلك هو سرّ التّوحيد الإسلاميّ الذي يمثّل وحدة الدّرب والهدف من خلال وحدة الخالق في ما توحيه لنا الآية الكريمة.{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.وقد يستطيع الصوم، في مدلوله الإنساني، أن يحرّك الجانب الاجتماعي في شخصيّة الإنسان المسلم، وذلك من خلال بعض المشاعر الذاتيّة التي يعيش فيها الشّعور بالجوع والحرمان، فيلتفت في ومضة روحيّة سريعة، إلى الفئات المحرومة التي تعيش الجوع والحرمان في ظروف اقتصاديّة صعبة، لتثير في نفسه الإحساس بالمسؤوليّة في الخروج من هذا الواقع الذي يفرض مثل هذه المشكلات والآلام، فيتحرّك، تبعاً لذلك، من أجل المواجهة العملية للواقع، بالجهد الفردي تارة، أو بالجهد الجماعي أخرى، أو بالتحرّك السياسي الزاحف نحو تغيير النظام في حالة ثالثة.وقد يثير الصّوم مشاعر الإنسان في الأجواء الروحيّة نحو أفقٍ أبعد، فينتقل من الشّعور بالجوع والحرمان، إلى ما ينتظره في يوم القيامة من جوع وعطش، عندما يطول وقوفه بين يدي الله على أساس الأعمال المنحرفة التي تنتظر من خلالها الحسابات الدقيقة الطويلة.. فيعمل في الدنيا ليخفّف عن نفسه هذا الموقف الطويل، بما يتراجع فيه من خطوات، وما يصحِّح من أخطاء.. وما يتحرَّك نحوه من مشاريع وأهداف، وهذا ما عالجه رسول الله (ص) في بداية خطبته التي استقبل بها شهر رمضان: “واذكروا بجوعكم وعطشكم جوعَ يوم القيامة وعطشه”.وهكذا نجد في الصّوم مجالاً واسعاً للانطلاق إلى آفاق متنوّعةٍ واسعة في ما يريد الله للإنسان أن يعيشه من آفاق الخير والتّقوى والصّلاح.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

التعليق


*