مسؤوليّة الكلمة الطيّبة في عصر الفتن

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}.

الاختلاف أمر طبيعيّ، وهو سنّة من سنن الله في خلقه، لذا نرى النّاس يختلفون في أديانهم ومذاهبهم وأفكارهم، وفي نظرتهم إلى القضايا، وفي أساليبهم وتوجّهاتهم، ولو شاء الله أن لا يختلفوا لما اختلفوا.. وهذا ما أشار إليه الله سبحانه عندما قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ…}..

كيف نخاطب الآخرين؟!

ولكنّ الله سبحانه لم يشأ لهذه الاختلافات أن تتحوّل إلى فتن وتوترات ونزاعات تربك حياة الأفراد والمجتمعات، لذلك دعا الناس بقوّة إلى التنبّه إلى كلماتهم في أحاديثهم وخطاباتهم وعبر وسائلهم الإعلاميّة ومواقع التواصل، وعندما يتحاورون أو يتخاصمون، فيجب أن يعمدوا إلى الأحسن في القول، والأحسن في الحوار، والأحسن في التعامل مع ما يصدر عن الآخرين من إساءات.. وحثّهم على الابتعاد عن كلّ كلام مسيء ومستفزّ.. وإلى هذا أشار الله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}.

لقد دعا الله سبحانه في هذه الآية النّاس إلى أن يتخاطبوا بالأحسن، لأنّ الشيطان يلتمس سقطاتهم وعثرات ألسنتهم، فيخلق العداوة والبغضاء فيما بينهم.

وقال سبحانه لمن يتحرّك في خطّ الدعوة، وللذين قد يدخلون في حوار مع من يختلفون معهم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. وقال عزّ وجلّ لمن يتعرّض للإساءة من الآخرين، أن لا يبادلهم بالمثل، بل بالتي هي أحسن، حتى يحوّل عداوتهم إلى صداقة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}، وقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}.

من دروس الرّسول (ص)

هذا السلوك هو الذي عبَّر عنه (ص) في حياته، وفي كلّ مراحل دعوته، رغم الإساءات التي تعرَّض لها، ولذا عندما قيل له وهو في قمّة المعاناة: ادعُ على المشركين.. قال: “إني لم أبعث لعّاناً، وإنما بعثت رحمة”، وهو القائل: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. 

وقد ورد أنه مرّ به يهودي، فقال له: السام عليك، يعني الموت عليك.. موهماً بذلك أنّه يسلّم على النبيّ (ص)، فاكتفى النبيّ (ص) بالقول: وعليك.

وهنا ثارت ثائرة زوجته السيّدة عائشة التي شهدت هذه الواقعة، وراحت تسبّ هذا اليهودي وتلعنه، فقال لها رسول الله (ص): هوّني عليك، ما بهذا نبادل إساءاته.. “إنَّ الرّفق لم يوضع على شيء قطّ إلا زانه، ولم يرفع عنه قط إلّا شانه”.. “إنّ الله رفِيق يحبّ الرّفق، ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف”..

وقد قالها رسول الله (ص) لا عن ضعف بل عن قوّة، فقد كان آنذاك في المدينة المنوّرة، وكان الأمر والحكم له. ولذلك، عندما تحدث الله سبحانه وتعالى عن أسلوب النبيّ (ص) الذي به استطاع فتح قلوب الناس وجعلها تهفو إليه، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}. 

فقد كان رسول الله (ص) مثالاً من الرّحمة مع الآخرين، حتى لو كانوا من أقسى النّاس وأشدّهم.

موقف الأئمّة (ع) من السّباب

وهذا هو الأسلوب الذي انتهجه عليّ (ع) في معركة صفّين، فهو عندما سمع أصحابه يسبّون أهل الشّام كردّ فعل على سبّ هؤلاء لعليّ (ع) ولمن معه، خاطبهم قائلاً: “كفّوا عمّا بلغني عنكم من الشّتم والأذى” فقالوا: ألسنا محقّين؟ قال: بلى. قالوا: ومَنْ خالفنا مبطلين؟ قال: بلى. قالوا: فلِمَ منعتنا من شتمهم؟ فقال: كرهت أن تكونوا سبّابين”.

وأمّا البديل: “ولكن لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبِّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به”.

وهذا الأسلوب هو ما أوصى به الإمام الباقر (ع) شيعته، عندما قال لهم: “قولوا للنّاس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله يبغض اللّعّان والسبَّاب والطعَّان الفاحش المتفحّش”.

وفي وصيّة للإمام الصّادق (ع): “اتّقوا اللهَ، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جرّوا إلينا كلَّ مودةٍ، وادفعوا عنّا كلَّ قبيح”.. “قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَكُفّوهَا عَنِ الْفُضُولِ وَقَبِيحِ الْقَوْلِ”.

حرمة سبّ الآخرين

وهذا المبدأ هو ما حرص عليه العلماء والمراجع الواعون في فتاوى دينيّة شرعيّة، عندما حرَّموا في الدائرة الإسلاميّة، وفي الدائرة الإنسانيّة، الإساءة بالسّباب أو اللّعن لرموز المسلمين الآخرين، وكلّ من يختلف معهم في الدّين أو الفكر أو الموقف، رغم الاختلافات والتحفظات عما يصدر عنهم.

وهم في ذلك عندما أطلقوا فتاواهم، لم ينطلقوا من مجاراةٍ للآخرين، بل من فهمهم لأخلاقيّة الإسلام، ووعيهم العميق لمدلول كلام الله سبحانه الّذي يدعو إلى عدم السبِّ، حتى لو وصل الأمر إلى المشركين الذين أعلن الله الحرب عليهم، فقال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}، ومن منهج رسول الله (ص) والأئمّة (ع)، في سيرتهم ومواقفهم وكلماتهم، ومن وعيهم بأنّ هذا الأسلوب لا يفيد، فالسبّ يستجرّ سبّاً، واللّعن يستجرّ لعناً، ومن خشيتهم من تداعيات السبّ على أرض الواقع، وهذا ما نراه اليوم بأمّ أعيننا.

الحاجة إلى الكلمة الطيّبة

إنّنا في عصر الفتن، بحاجة إلى من يئدها، لا من يسعّرها، وإلى من يبرّد القلوب، لا من يثير مكامن الحقد فيها، وهذا لا يتمّ إلا بالكلمة الطيّبة التي تقرّب القلوب، وتعزّز أواصر الوحدة، وتزيل التوترات والأحقاد من النفوس، فبهما نعبِّر عن إيماننا: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت”، وهو ما هدانا الله إليه: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}، وهو الذي يبقى في الدنيا ويأتي نتائجه في الآخرة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}.

اللّهمّ أعنّا على أنفسنا بما تعين به الصّالحين على أنفسهم، اللّهمّ جنّبنا مزالق السّوء ومرابض الفتن ودعاة الشّرّ، إنّك أنت العزيز الحكيم.

السيد علي فضل الله

التعليق


*