الكفاءات ثروة المجتمعات

لا تقاس قيمة المجتمعات ومكانتها بوفرة عددها وكثافتها السكانية، فليست الأمة الأكثر عددًا هي الأرقى والأفضل، بل قد تكون الكثرة الكمية عبئًا يستنزف الموارد، ويعوّق الحركة، كما عبّر عن ذلك رسول الله  فيما رواه عنه مولاه ثوبان، قال: قال رسول الله : “يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا!

قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟

قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ”[1].

كما أنّ الثروات والموارد المالية ليست هي العامل الأساس في تقدم المجتمع، وكشاهد على ذلك نرى كثيرًا من الدول الأفريقية تمتلك الكثير من الموارد الطبيعية بكافة أشكالها، بل إنّها تعوم على بحور من المعادن والموارد، ورغم ذلك تعاني من التخلف عن ركب الحضارة؛ لأنّها لا تحسن إدارة واستثمار هذه الثروات، وفي المقابل نجد دولًا في أوروبا وأمريكا، وبعض دول آسيا، لا تمتلك ربع ما تمتلكه دول القارة السمراء من الموارد الطبيعية، لكنهم يمتلكون العقول والأفكار التي قادتهم إلى التقدم والرقي والحضارة.

ومن ذلك ندرك أنّ مقياس تقدم المجتمعات يتمثل في القوة النوعية، المتمثلة في الكفاءات والقدرات العلمية والعملية، فالمجتمع الذي يتوفر على الكفاءات النوعية يكون هو الأفضل والأقوى، وإن كان محدود العدد والموارد، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة :249]

ومن هنا اعتبر القرآن الكريم فردًا واحدًا بمثابة أمة كاملة، لما كان يتمتع به من صفات ومواصفات عظيمة، وهو نبي الله إبراهيم الخليل ، يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل، الآية: 120]

وكان العرب يقولون عن المتفوق في شجاعته وتدبيره (رجل كألف)، فالكفاءة والإبداع هما مصدر قوة الأفراد والشعوب، والمجتمع الأقوى هو الذي تكثر الكفاءات وقدرات الإبداع بين أبنائه.

لهذا فإنّ بروز الكفاءات في أيّ مجتمع هو مكسب للهوية الاجتماعية، ذلك أنّ بروز صاحب الكفاءة المنتمي إلى أيّ مجتمع يعزّز موقع مجتمعه، فالناس حين تشيد بالأوطان والمجتمعات إنّما تشيد بالكفاءات التي تزخر بها، لذلك نجد الدول تفتخر بشخصياتها وكفاءاتها من العلماء والمخترعين.

 يذكر في هذا السياق قول الإمام الباقر  لتلميذه أبان بن تغلب: >اجلِسْ في مَسجِدِ المَدينةِ وأفتِ الناسَ؛ فإنّي اُحِبُّ أن يُرى في شِيعَتي مِثلُكَ<[2].

ولعلّ هدف الإمام أن يرى الناس أنّ لهذه الجماعة وهذه المدرسة كفاءات وقدرات يستفيد منها كلّ المجتمع المسلم.

إنّ هذا الخطاب موجّه في الحقيقة إلى كلّ مؤمن في كلّ عصر ومجتمع، أن يحقق هذا الأمل، فالإمام يحب أن يكون في أبتاعه ومدرسته شخصيات متفوقة تمتلك العلم والكفاءة.

الشركات العملاقة

إنّ من يتابع تطور الشركات العالمية اليوم، يلحظ ارتفاع ميزانياتها إلى مستوى الدول!

تُرى ماذا تمتلك شركات التكنولوجيا العملاقة كـ (أبل) و(شركة “ألفابيت” الشركة الأم لـ “غوغل”)[3] و(سامسونج) وغيرها، كي تربح المليارات، وتمتلك ميزانيات تفوق دولًا غنية بالموارد الطبيعية؟!

وماذا تملك دول مثل اليابان وسويسرا وسنغافورة؟!

ليس لديها سوى القليل ـ بل النادر ـ من الموارد الطبيعية!

ورغم ذلك نجد اليابان ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وسويسرا وسنغافورة في قائمة أغنى دول العالم.

إنّ العامل المؤثر في ذلك هو امتلاك العقول، وصناعة الأفكار والإبداع، فقد استثمروا في (الإنسان) فأنتج لهم أفكارًا متطورة، وأبدع تقنياتٍ عصريةً أعطت لهم الفرصة للتقدم، ودفعتهم لنهضة اقتصادية كبيرة، فالاستثمار في العقول هو الأقوى، وصناعة المستقبل تعتمد على الأفكار أكثر من اعتمادها على ما تخرجه الأرض من موارد طبيعية، فرأس المال البشري لا يقدّر بثمن، والأفكار الخلاقة تؤدي إلى ربح المليارات، كما أنّ العقول تصنع المال والنجاحات، والتفوق العلمي يصنع من الأفكار الرائدة كيانات عملاقة، تتفوق ميزانياتها وأرباحها على دول يسكنها الملايين[4].

فمثلًا شركة التكنولوجيا العملاقة (أبل) تجاوزت قيمتها السّوقية حاجز الـ (868 مليار دولار)[5]، وهو ما يفوق اقتصادات عشرات الدول في العالم؛ لكونها تستثمر في الإنسان، وتعطي الفرصة للأبحاث، حيث تنفق ما لا يقلّ عن (14 مليار دولار) على الجانب البحثي، وهو ما يفوق الإنفاق البحثي لكثير من الدول المعروفة، كما تمتلك جيشًا من الباحثين الشباب، وفرت لهم فرص البحث، وهيّأت لهم كلّ الأسباب ليبدعوا أفكارًا خلّاقة، أثمرت نجاحًا منقطع النظير، حقق لها دخلًا هائلًا، فالفكرة الواحدة قد تكسب هذه الشركات مليارات الدولارات.

التنافس على جائزة نوبل

جائزة نوبل هي أكبر جائزة مرموقة ومأمولة في العالم، وقد منحت لأول مرة في عام 1901م، وحصل عليها أفراد وجماعات من 30 دولة تقريبًا.

 وحصل على الجائزة على مدار تاريخها الذي يمتد إلى 104 أعوام، ما يربو على 800 فائز.

وقد أعد موقع (وورلد أطلس) قائمة بأكثر البلدان التي حصل مواطنوها على الجائزة بفئاتها المختلفة، تصدرتها الولايات المتحدة بالفوز 353 مرة، تلتها بريطانيا وألمانيا وفرنسا على الترتيب.

وقد حصدت (إسرائيل) 12 جائزة، مقابل 7 جوائز للدول العربية مجتمعة.

هجرة العقول العربية

في ورقة منشورة في موقع مؤسسة الفكر العربي تحت عنوان: (هجرة العقول العربية أسبابها وآثارها الاقتصادية)[6]، كتبها محمد المنصوري وعبد العالي بوحويش الدايخ من جامعة عمر المختار، جاءت الإحصائيات التالية:

1/ يهاجر حوالي (100.000) مئة ألف من أرباب المهن وعلى رأسهم العلماء والمهندسون والأطباء والخبراء كلّ عام من ثمانية أقطار عربية، هي: لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس، المغرب، الجزائر، كما أنّ (70%) من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الرأسمالية للتخصص لا يعودون إلى بلدانهم.

2/ منذ العام 1977ولحدّ الآن هاجر أكثر من (750.000) سبعمئة وخمسين ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية.

3/ إنّ (50%) من الأطباء، و(23%) من المهندسين، و(15%) من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا.

4/ يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية خصوصًا أنّ (45%) من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم.

5/ يوجد نحو 4102 عالم إسلامي في مختلف علوم المعرفة في مؤسسات ومراكز أبحاث غربية.

وعن هذه المأساة يتحدث الدكتور مصطفى حجازي، متألمًا لحالة الإنسان المهدور في عالمنا العربي، فنحن – كأمّة – (نعدّ أجيالًا من الشباب تضم نخبة من الكفاءات العلمية، إلّا أنّها حين تصبح جاهزة للعطاء، لا تجد التربة الخصبة التي يمكن أن تنمو فيها. فلا تشجيع للبحث، ولا تمويل كافٍ، ولا رعاية، ولا مؤسّسات بحثية ذات أطر وقوانين، ويضاف إلى ذلك المحسوبيات العصبية، وتغليب الولاء، وتكون النتيجة خسارة مزدوجة: خسارة كلفة إعداد النخب العلمية الشابة من ناحية، وخسارة عطائها من الناحية الثانية)[7].

وأشار إلى هذه الظاهرة الخطيرة بألم المفكر والكاتب “نايف كريم”، بقوله: (ليس الدم وحده هو الذي ينزف في الوطن العربي، بل إننا نعاني نزيفًا أعمق وأخطر وأشدّ إيلامًا، إنّه نزيف الأدمغة. ومكمن الخطورة في هذا النزيف القاتل، إنّه يتم بهدوء من دون ضجيج كالذي يثيره نزيف الدماء مع أنّ آثاره أشدّ وطأة على مستقبل الوطن العربي، وتصيب أضراره كلّ مواطن عربي ولعدة أجيال)[8].

إنّ اجتذاب تلك الدول للكفاءات لإدراكها لقيمتها، فعلينا أن نقدّر قيمة الكفاءات لمجتمعاتنا وأوطاننا.

كيف تنمو الكفاءات؟

الكفاءة قوة وقابلية في ذات الإنسان، فقد حباه الله مخزونًا هائلًا من المواهب والكفاءات، ودعاه لاكتشافها وتنميتها، فالإنسان مدعو لاكتشاف وتنمية المواهب المكنونة في نفسه، تمامًا على غرار استصلاح الأرض، من خلال الاهتمام بها وزراعتها، وهذا يحتاج إلى بذل جهد وعناء، لكنّ الناس يتفاوتون في ذلك، فهناك من لا يلتفت إلى مواهبه وكفاءاته، وهناك من يلتفت لها لكن يسيطر عليه الكسل والعجز!

ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : >واسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أنْعَمها الله عَليكَ، ولا تُضَيِّعنَّ نِعْمةً مِن نِعَمِ اللِه عِندَكَ ولْيُرَ علَيْكَ أثَرُ ما أنْعَمَ الله بهِ عَليكَ<[9].

فينبغي للإنسان أن يجتهد في اكتشاف وتطوير الكفاءات والمواهب التي وهبه الله إيّاها، في أيّ مجال من المجالات، علمية كانت في آفاق المعرفة المختلفة، أو أدبية في الشعر والنثر والخطابة، والفن، والتصوير، أو عملية في  الإدارة، والتصنيع، عليه أن يكتشف هذه المواهب وينمّيها، ببذل الجهد والمثابرة.

يقول الشاعر المتنبي:

لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ                 الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ

 ونشير هنا إلى ثلاثة عوامل مهمّة لاكتشاف وتنمية الكفاءات:

أولًا: الاجتهاد الشخصي

إنّ صناعة الإنجاز والتميّز والعقول المبدعة لا يتأتى عن طريق الصدفة، ولا بضربة حظّ، ذلك أنّ ملايين البشر عاشوا حياة عادية على كوكبنا ثم رحلوا، دون أن يتركوا خلفهم بصمة أو تغييرًا، في مقابل ذلك برزت قلة من الأفراد في كلّ عصر، ممن تميّزوا بفاعليتهم وإنجازهم، بحيث غيّروا وجه مجتمعاتهم، بل العالم أجمع، ونقلوا البشرية إلى واقع جديد، فأصبحت الحياة بعدهم مختلفة عما قبلهم.

إنّ بروز الطاقات المبدعة والمتميّزة هو ثمرة طبيعية للجدّ والاجتهاد والعمل، فليس هناك من اختلاف خلقي أو تكويني لدى روّاد الإبداع والتميّز عن سائر البشر، وإنّما حباهم الله ذات النعم التي أعطاها لكلّ إنسان في هذه الحياة، والله تعالى يقول: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: 78].

ربما يتصور البعض أنّ من أبدعوا وتميّزوا قد خدمتهم ظروف مساعدة، لكننا حين نقرأ سير العظماء والمبدعين، والذين فجروا طاقاتهم نجد أنّهم لم يكونوا جميعًا في ظروف مناسبة، بل كان بعضهم يعيش ظروفًا صعبة قاسية، لكنّهم تغلّبوا على تلك الظروف، وتجاوزوا الصعوبات بإرادتهم وجدّهم واجتهادهم. وكشواهد على هذه الحقيقة نذكر النماذج التالية.

توماس ألفا أديسون

هو مخترع المصباح الكهربائي الذي أنار الحياة، أحد أعظم المخترعين في تاريخ البشرية، فقد حقق ما يقارب 1100 اختراع.

ولد توماس ألفا أديسون في ولاية (أوهايو) الأمريكية في العام 1847م، وقد عانى في طفولته من مشاكل في السمع، فترك المدرسة التي التحق بها، وتكفّلت والدته بتعليمه في المنزل، واشتغل في البداية بأعمال متنوعة بسبب ضيق ذات اليد والفقر، فقد عمل في بيع الصحف والحلويات، على الأرصفة وفي القطارات، وكان يستغلّ وقت فراغه ليقوم ببعض تجاربه الكيميائية التي أدت إلى وقوع حريق في محطة للقطار فطرد منها!!

استطاع أن ينشئ مختبرًا للأبحاث الصناعية من الأموال التي حصل عليها جرّاء اختراعه (الفونوغراف) واستطاع بالعمل الدؤوب أن يحقق أعظم اكتشاف في التاريخ وهو الكهرباء، مما مكّنه من اختراع المصباح الكهربائي، وتوفي توماس ألفا أديسون في العام 1931م عن عمر ناهز أربعة وثمانين عامًا.

عباس محمود العقاد

من عمالقة الفكر والأدب والثقافة في العالم العربي، درس المرحلة الابتدائية فقط، لكنّه انكبَّ على قراءة الكتب،

وفي سيرته أنّه قرأ أكثر من (60.000) كتاب، في مختلف صنوف المعرفة، كان لا ينام من الليل إلّا سويعات قليلة، ومعظم وقته يشغله بالقراءة والمطالعة والكتابة، فقد ألف أكثر من 120كتابًا.

سويشيرو هوندا

وُلد سيكيرو هوندا في عائلةٍ فقيرةٍ جدًّا في مقاطعة هماماتسو في اليابان، وكان من فرط فقر عائلته أنّ خمسة من إخوته توفوا نتيجة سوء التغذية، ولانعدام الموارد المادية والاقتصادية. ترك هوندا المدرسة عام 1922 وكان عمره 15 عامًا، ثم ترك قريته وتوجه إلى طوكيو وعمل في محلّ لتصليح السيارات لمدة 6 سنوات، قبل أن يقترض مالًا ليفتح أول محلّ لتصليح السيارات عام 1928. حصل هوندا في السنة نفسها على براءة اختراع لتصميمه مكابح معدنية للسيارات، بعد أن كانت تصنع من الخشب. سجل هوندا حافلٌ بأكثر من 470 ابتكارًا وأكثر من 150 براءة اختراع باسمه.

جوان رولينغ

عندما كتبت رولينغ الجزء الأول من قصص (هاري بوتر) لم تكن كاتبة معروفة، حيث كان الكتاب هو أول محاولاتها الأدبية، وعندما كتبته كانت حالتها الاجتماعية غير مستقرة ومفلسة تمامًا، وتعيش على الضمان الاجتماعي (المساعدات الحكومية)، وعندما حاولت نشر الكتاب للمرة الأولى تم رفضها من اثني عشر ناشرًا مختلفًا، وعندما وافق أحد الناشرين أخيرًا على الأمر، أخبرها أنّ قصص الأطفال لا تجلب المال ويجب ألّا تتوقع أيّ أرباح، وأن تحصل على عمل لتؤمن احتياجاتها.

اليوم هي واحدة من أشهر نساء العالم، وثروتها تتجاوز 600 مليون دولار أمريكي، وعلامة هاري بوتر التجارية باتت تقدر قيمتها بحوالي 15 مليار دولارًا.

وهكذا يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته ويحقق طموحاته، وإن كان في البدء يعيش ظروفًا صعبة أو غير مناسبة.

ثانيًا: دور الأسرة

للأسرة دور أساس في ملاحظة مواهب ونبوغ أبنائها، بدءًا من زرع الطموح في نفوسهم، والاهتمام بأسئلتهم،

ويرى علماء التربية أنّ من مؤشرات النبوغ عند الطفل الأسئلة التي يطرحها على والديه، حيث يبدأ الطفل بالأسئلة في نهاية سنّ الثانية حتى سنّ الخامسة، إمّا لخوفه ورغبته في الاطمئنان، أو لجذب انتباه والديه، أو لسعادته لتمكنه من الكلام، فمن المفترض ألّا نهمل أسئلة الطفل، ولا نكفّه عن السؤال، بل نشوّقه إلى المعرفة، ونجيبه بمقدار فهمه، أو نطلب مشاركته في البحث عن جواب؛ لأنّ تجاهل أسئلة الطفل يقمع انطلاق التفكير لديه، ويشعره بالإحباط، وقد أثبتت الدراسات أنّ عقول الأطفال تبدأ فهم الدلالات السببية للعلاقات بين الكائنات والأشياء الموجودة في البيئة المحيطة في سنّ مبكرة.

إنّ تحفيز الأبناء والبنات للتفكير، وتشجيعهم على كسب المعارف، وتربيتهم على القراءة، وتعريفهم بقصص العظماء والمبدعين، ليكونوا قدوات لهم، كلّ ذلك يوجههم لاكتشاف مواهبهم وتنمية طاقاتهم.

من جهة أخرى، على الأسرة أن تستثمر في تعليم أبنائها، فهو أهم استثمار لصناعة المستقبل في حياة الأبناء.

إنّ تعليم الأبناء والبنات يجب أن يكون محور اهتمام الوالدين، وأولوية حياتهم، باختيار أفضل المدارس، ولو استلزم ذلك كلفة مالية كرسوم المدارس الأهلية، ومتابعة انتظامهم وأدائهم التعليمي، وصولًا إلى توفير البعثات لهم ليواصلوا دراساتهم العليا في الجامعات المتقدمة داخل البلاد وخارجها.

وإلى جانب المسار التعليمي، يجب الالتفات إلى سائر المواهب والكفاءات الكامنة في شخصيات الأبناء والبنات، وكذلك المهارات العملية، فطريق التميّز والتفوق لا ينحصر في المسار التعليمي، وهناك قادة ومشاهير ومخترعون ومكتشفون، ظهرت كفاءاتهم من خلال الممارسة العملية والتجارب الميدانية. وبعضهم لم يكن متفاعلًا مع برامج التعليم الأكاديمي، وكان فاشلًا في دراسته، وغير راغب في مواصلتها، لكنّ شخصيته تبلورت في مجالات أخرى، وأبدع فيها، وحقق إنجازات مميزة.

إذ لم ينل سليمان الراجحي نصيبًا كبيرًا من التعليم، حيث عمل منذ نعومة أظافره، وعبر التحدّيات بعمله وجدّه وإخلاصه حتى أصبح أحد الرجال الأغنياء الناجحين، حيث قُدِّرت ثروته في عام 2011 بـ 7 مليارات دولار وفقًا لمجلة فوربس.

وطرد (أنشتاين) من المدرسة ورُفض في محاولاته الأولى للالتحاق بالجامعة، واليوم إذ نتحدث عنه كأشهر عالم مرّ عبر التاريخ، وذلك بفضل إنجازاته العلمية العظيمة مثل التأثير الكهربائي للضوء (الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء بسببه)، والنسبية الخاصة والعامة، والمعادلة الشهيرة للعلاقة بين الكتلة والطاقة.

وقد ترك الدراسة هارلاند ساندرز ديفيد مؤسس دجاج كنتاكي فيما بعد، وعمل كرجل إطفاء، وبائع لشركات التأمين، وبائع لإطارات السيارات، وعامل في محطة محروقات، ووظائف أخرى عديدة، تعرّض للطرد من العمل عشرات المرّات، واليوم سلسلة دجاج كنتاكي لديها أكثر من 16000 مطعم حول العالم.

وترك الجامعة بعد فصل دراسي واحد فقط ستيف جوبز (ت 2011م)، ومن ثم استقالته من عمله ليذهب في رحلة ”تنويرية“ تضمّنت الكثير من تعاطي المخدرات في الهند، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة، ويقوم لاحقًا بتأسيس شركته الشهيرة (أبل).

وترك بيل غيتس الدراسة الجامعية في جامعة هارفرد، ثم فشل في إنشاء شركة وتركها لشريكه، ثم أسّس بعدها شركة مايكروسوفت الشهيرة التي هيمنت على قطاع أنظمة الحواسيب عبر السنوات.

ثالثًا: البيئة الاجتماعية

المجتمع الذي يتطلع للمستقبل، يعي أهمية صنع الكفاءات وبناء القدرات، وتنمية المواهب والطاقات في صفوف أبنائه، لذلك يسعى لتهيئة الأجواء المشجعة، وتوفير الوسائل اللازمة، التي تتيح الفرصة لكلّ صاحب موهبة أن يظهرها وينمّيها، فالراغب في مواصلة دراسته العليا، إذا لم يتوفر له ابتعاث من الحكومة، ولم تكن أسرته قادرة على تمويل ابتعاثه، يجد من المجتمع مساندةً لتحقيق رغبته، والمهتم بالأبحاث والدراسات والتجارب العلمية، يجد مؤسسات رسمية أو أهلية تحتضنه، وذوي المواهب الفنية يجدون الأجواء المناسبة لهم، وهكذا في مختلف مجالات الحركة والابداع.

إنّ بناء المؤسسات التي تحتضن الموهوبين وتتبنّى المبدعين، وتشجع المتميّزين لمواصلة مشوار تفوّقهم وتميّزهم، أمر في غاية الأهمية لتقدم المجتمعات والأوطان.

وهنا نشيد بمجموعة من الشباب في محافظة القطيف بادروا بإنشاء مؤسسة باسم (مركز العلم) لتشجيع الشباب والفتيات على الاهتمام بالعلم والبحوث العلمية.

هؤلاء الشباب المبادرون عانوا في الحصول على دعم اجتماعي لمؤسستهم، فكثير من الناس لا يدركون بعد قيمة مثل هذه المشاريع العلمية، مع أنّ فضلها كبير ونتائجها عظيمة، للمجتمع والوطن بشكل عام.

وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى دور المعلمين ومناهج التعليم، في استثارة مواهب الطلاب عبر تطوير وسائل التعليم، وعدم الاكتفاء بطرق التلقين.

ومن المؤسسات والبرامج التي تستحق الإشادة مؤسسة (موهبة)[10] لرعاية الموهبة والإبداع، وكذلك برنامج الابتعاث الرسمي[11] الذي وفّر فرصًا تعليمية متقدّمة، ساهمت في زيادة عدد الكفاءات العلمية في الوطن، فقد أتاح هذا البرنامج فرصة لعدد كبير من أبناء وبنات الوطن لتلقي العلم في أفضل الجامعات في مختلف بلدان العالم.

تقدير الكفاءات

ومن أهم عوامل بناء الكفاءات وتشجيعها، إحاطتها بالتقدير والاحترام في بيئتها الاجتماعية. ولهذا الموضوع بعدان:

البعد الأول: دور صاحب الكفاءة

في البدء على صاحب الكفاءة أن يتمتع بالثقة بنفسه، وأن يظهر كفاءته، ويمارس عطاءه، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى، الآية: 11]، أي أظهر النعمة.

وفي الحديث عن النبي محمد : >إنَّ اللهَ يحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمتِه على عبْدِه<[12].

وعن الإمام جعفر الصادق : «إِنِّي لَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ نِعْمَةٌ، فَلَا يُظْهِرَهَا»[13].

وإظهار الكفاءة يكون بإشهارها، وإبراز نتاجها عبر الكتابة والخطابة، وكتابة البحوث التخصصية والترشح للمسابقات والمنافسات.

 إنّ على ذوي الكفاءة أن ينخرطوا في التجمعات المرتبطة باهتماماتهم، فعالم اليوم يزخر بالمؤسسات التخصصية، والتجمعات النوعية، التي تشكل بطبيعة الحال ساحات تلتقي فيها المواهب والقدرات، لذلك يتوجب على ذوي المواهب أن يبحثوا عن تلك الساحات وينتموا إليها، ليس على المستوى الوطني فحسب، وإنّما التطلع للمشاركة في التجمعات والمؤسسات والمؤتمرات على المستوى الإقليمي والعالمي.

حيث تنتشر في بلدنا وفي كلّ بلاد العالم شتى أصناف الجمعيات التخصصية، للمؤرخين والمهندسين والمحاسبين والأطباء والفنانين والأدباء وغيرهم، فعلى من لديه موهبة وقدرة في أيّ مجال أن يسعى ليظهرها، والمكان الطبيعي لبروز الكفاءة هو في إطارها وساحتها التخصصية، حيث تتوفر دواعي التنافس، وتبادل التجارب والخبرات.

ونلحظ في مجتمعنا أنّ بعض ذوي الكفاءات يتردّد في إظهار كفاءته، لضعف ثقته بنفسه، أو بسبب التقاعس والكسل، أو لتهيبه من مواجهة العوائق والتحدّيات، وقد يبرر مواقفه بأنّ الظروف غير مساعدة، أو لرغبته في التزام خلق التواضع وعدم التباهي، والبعد عن الأضواء، وأمثال ذلك من الأعذار والتبريرات.

لكنّها تبريرات غير صحيحة، وبها يظلم الإنسان نفسه ويئد كفاءته، ويحرم مجتمعه من عطائه ومن إضافة رصيد قوته.

البعد الثاني: دور المجتمع

تختلف المجتمعات في درجة اهتمامها وتقديرها للكفاءات، فهناك مجتمعات تتجاهل كفاءات أبنائها وتئدها، وهناك مجتمعات تبرز كفاءاتها بكلّ احترام وتقدير، وفي هذا المجال يعتبر الشعب المصري من الشعوب التي تهتم بتقدير شخصياتها، فتراهم يطلقون على المميّزين من شخصياتهم أفضل الألقاب، فالشاعر أحمد شوقي عندهم (أمير الشعراء)، والأديب طه حسين أطلقوا عليه (عميد الأدب العربي)، وفي مجال الفنّ والغناء أطلقوا على فاتن حمامة لقب سيّدة الشاشة، وعلى أم كلثوم كوكب الشرق، وأطلقوا على بلادهم مصر (أمّ الدنيا)، وهذا مظهر للثقة بالذات.

وحينما نذكر الكفاءات نقصد مختلف المجالات العلمية والأدبية والعملية والفنية وغيرها، وفي مجتمعاتنا هناك احترام وتقدير لعالم الدين، وهذه ميزة طيبة، لكن لا ينبغي أن يقتصر الاحترام على فئة علماء الدين فقط، فالنصوص الدينية التي حثت على احترام العلم والعلماء لا تختص بعلماء الدين، بل ورد عنه : >الْعِلْمُ عِلمانِ: عِلْمُ الْادْيانِ وَعِلْمُ الْابْدانِ<[14]، وحينما قال تعالى: ﴿إنّما يخشى الله من عباده العلماء﴾ جاء ذلك في سياق الحديث عن علوم الطبيعة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴿٢٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر، الآيات: 27-28]

ولذلك قال الفقهاء: كما أنّ الاجتهاد في طلب العلم الديني واجب كفائي، كذلك هو واجب في العلوم التي تحتاجها الأمة في أمور حياتها المختلفة.

مظاهر سلبية

من المؤسف حقًّا أن تسود في بعض مجتمعاتنا حالة من التحاسد والتنافس السلبي، فتوأد الكفاءات بدل إبرازها، فبينما يشاد بالكفاءات من خارج المجتمع، تبقى بعض الكفاءات من أبناء المجتمع مغمورة لا تنال ما تستحق من الاحترام والتقدير، وهناك مقولة متداولة تعبّر عن هذه الحالة: (ما ساد نبي في قومه)، ومقولة أخرى: (حمامة الحي لا تطرب).

ومن المظاهر السلبية حالة النرجسية التي يتصف بها البعض، حيث تزعجه الإشادة بكفاءة غيره، أو التأثر بحالة الانتماء الفئوي التي تمنع الإنسان من الإشادة بمن يختلف معه في التوجه الفكري!

إنّ الإنسان الواعي الخالي من العقد هو من يقدّر كفاءة أبناء مجتمعه ويفخر بهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم، فأيّ كفاءة تصب في صالح المجتمع وترفع من قدره ومكانته ينبغي تقديرها وإجلالها.

ونحن نقرأ في التاريخ كيف أنّ الشريفين الرضي والمرتضى مدحا أبا إسحاق الصابي بقصائد رائعة، وهو من الصابئة، يخالفهما في الدين والعقيدة، لكنّهما يشيدان بمكانته الأدبية وشخصيته الإنسانية.

وهكذا هو الإنسان السّوي، يشيد بالرموز والكفاءات في مجتمعه، لكن البعض يلجأ إلى شخصيات مجتمعه عند الحاجة فقط، وبعد انقضاء حاجته يتجاهل فضلهم عليه.

وهي حالة عبّر عنها عنترة بقوله:

ينادونني في السلم يا ابن زبيبة     *** وعند اصطدام الخيل يا ابن الأطايب

وكان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء “رحمه الله” يردّد قول (جساس بن مرة):

وَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها                                 وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ

هَذا لَعَمركُمُ الصَّغارُ بِعَينِهِ                                 لا أُمَّ لي إِن كانَ ذاكَ وَلا أَبُ                    

لما كان يعانيه من حالات التنكر لمكانته وشخصيته، حيث يلجؤون إليه عند الحاجة والمشكلة، ويتجاهلونه في حالة الرخاء.

إنّ المجتمع الذي يحترم كفاءاته يكون مدعاة للفخر، ويشجع أبناءه على السير في طريق التميّز والتفوق؛ لأنّ الناس يقتدون بمن يكون محطّ احترام وتقدير، ويسعون للوصول إلى مكانته.

سماحة الشيخ حسن الصفار 

التعليق


*