في رحاب تعاليم الإمام الجواد (ع)

نحاول أن نختار بعض كلمات الإمام (ع)، سواء في الموعظة أو في الجانب الاجتماعي السلوكي، من خلال بعض كلماته التي قالها وهو ينصح بعض أصحابه: “لا تكن وليّاً لله في العلانية وعدوّاً له في السرّ”.

فالإمام (ع) أراد من خلال هذه الكلمات، أن يعالج حالة أولئك الّذين يظهرون أمام الناس بمظهر الأتقياء المؤمنين، سواء في عباداتهم أو في كلماتهم أو في علاقاتهم، لكنهم في الوقت نفسه، عندما يعيشون السريّة في حياتهم، فقد تجدهم أعداء لله، كأولئك الّذين يظلمون أسرهم، ويظلمون النّاس الذين هم تحت سلطتهم، أو كأولئك الّذين يفتنون ويكذبون في السرّ، بحيث يظهرون للناس بمظهر الأتقياء، ولكنهم في السرّ يعيشون عيشة الأشقياء، الذين لا يتركون ذنباً إلا أذنبوه، ولا يتركون أحداً إلا ظلموه.

وفي كلام آخر، يتحدّث الإمام (ع) عن الناس الذين يستمعون إلى بعض الخطباء أو بعض الوعّاظ، وينجذبون إليهم ويأخذون ما يتحدثون به من دون تفكير، بحيث إنهم يسلّمونهم عقولهم من دون أن يفكروا في طبيعة هذا الخطيب أو ذاك؛ في علمه، في ثقافته، في استقامته، يقول (ع): “من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده – فهو يعني أنَّ الإصغاء والتّسليم لمن يتكلَّم هو نوع من أنواع العبادة، لأنَّ العبادة تمثّل غاية الخضوع – فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله – فإذا كان كلامه هو كلام الله، فإنه قد عبد الله في إصغائه إليه – وإن كان ينطق عن إبليس فقد عبد إبليس”، لأنه خضع له بكليّته وانجذب إلى كلماته.

وهكذا، يتحدّث الإمام عن الصفات الأساسية للمؤمن، بقوله: “المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله – أن يوفّقه الله للحقّ وللخير وللالتزام الديني، وأن يفتح قلبه على ذلك كلّه – وواعظ من نفسه – بمعنى أنّه لا يحتاج إلى واعظ من الخارج، بل يحاسب نفسه ويعظها بالتأمّل والتدبّر والتفكير، حتى تعرف نفسه من خلال تأمّلاته ومجاهداته، ما ينبغي لها أن تفعله، وما ينبغي لها أن تتركه – وقبول ممن ينصحه”، أن يستمع النصيحة من الناصحين الذين يملكون الخبرة والمعرفة والإخلاص، فيفتح عقله لهم، ليفكر في ما ينصحونه به، ويتقبّل ذلك عندما يرى الخير في هذه النصيحة، لأن الإنسان المؤمن لا بدّ له من تجديد نفسه بما يصلحها، وأن يغيّرها فيما إذا كانت تسير في اتجاه ليس من مصلحتها، ولهذا يقول تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

وأيضاً، مما قاله لرجلٍ استوصاه، قال له: “أوَتقبل؟ قال: نعم، قال: توسّد الصبر – كن الإنسان الصّابر على ما يواجهك من النوائب والمصائب والتحدّيات، ونحن نعرف أنّ الصّبر لا يعني الاستسلام من دون تفكير، ولكنّ الصّبر هو أن لا يسقط الإنسان أمام المشكلة، بل أن يتحمّل كلّ مفاعيلها المؤلمة، لأنّ هناك من الناس من يجزعون عند المصائب، ويسقطون أمام المشاكل، لأنهم لا يتحمّلون آلام المصيبة، ولا يتحمّلون النتائج السلبيّة للمشكلة، لذلك فهم لا يتماسكون، بل يسقطون أمامها.

أما الإنسان الصابر، فهو الإنسان الذي يحكّم عقله، ليدرس المشكلة وليدرس المصيبة، وليخطّط كيف يواجهها، وكيف يحتويها، وكيف يتجاوزها بالإرادة الصّلبة، فهذا ما يمكن أن يحقق له النجاح في الدنيا والآخرة.

– واعتنق الفقر – إذا جاءك الفقر، فلا تسقط نفسك أمامه، بأن تبذل نفسك لمن يذلّك، ولا تتنازل عن مبادئك وعزّتك وكرامتك وحريتك نتيجة المغريات التي يقدّمها الآخرون في حالة فقرك، بل حاول أن تعتنق الفقر، وتعمل حتى تتجاوزه – وارفض الشهوات – لأنّ الشهوات تنطلق من عمق الغرائز، وعلى الإنسان أن يجعل عقله أقوى من غريزته وأقوى من شهوته، لأنّ الله لم يمنع الإنسان من شهوة، ولكنّه أراد له أن لا تطغى شهوته على عقله، وأن لا يسقط مصيره أمام أهوائه. {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} – واعلم أنّك لا تخلو من عين الله – فالله يراقبك في كلّ كلماتك، وفي كلّ أعمالك؛ في خلوتك، في حياتك مع الناس، في بيتك، كيف تتعامل معهم، وكيف تقوم بمسؤوليّاتك تجاههم، ويراقبك في عملك كيف تتقنه، وكيف تخلص له، ويراقبك في مواقفك، كيف تتّخذها؛ هل تتّخذها من خلال اقتناعك وإيمانك، أم تتّخذها من خلال شهواتك ومطامعك؟ والله يراقبك حتى في حركة فكرك، وفي ما تنطلق به نواياك، ويراقبك في عواطفك؛ هل تتحرّك مع الحقّ أم مع الباطل. وهكذا يراقبك الله في كلماتك، فقد قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ}، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور – واعلم أنّك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون”.

وهكذا ينطلق الإمام (ع) ليتحدث عن الإنسان في الحياة، كيف يتحرّك بالمعروف؛ المعروف في الكلام والعمل، وفي الموقف: “إن للجنة باباً يقال له باب المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف”.

وقد قال لأِحد أصحابه عندما سأله عن مسألة القسم، بأنّ الله يقسم في القرآن بالليل {واللّيلِ إذا يغشَى} ويقسم بالنهار {والنَّهارِ إذا تجلَّى}، وهكذا يقسم بالنجم {والنّجمِ إذا هَوَى}، فقال(ع): “إنّ لله أن يقسم من خلقه بما يشاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به”. فالإمام يوجه الناس إلى أنّ القسم يمثّل الإحساس بالعظمة لمن تقسم به، وعلى الإنسان أن لا يقسم إلا بالله، ليشعر بمعنى التوحيد لله، لأنّه إذا أراد أن يؤكّد شيئاً، فعليه أن لا ينظر إلاّ إلى الله، لأنّ الأمور هي بيد الله سبحانه وتعالى لا بيد غيره، ولأنّ الرّقابة العليا هي رقابة الله على الإنسان، لا رقابة غيره.

وورد في الحديث عنه (ع) في الجانب الاجتماعي والسياسي: “إنّ المؤمن لا يخون”، وقد وردت هذه الكلمة جواباً عن سؤال شخص، قال له إني رجل أريد أن ألازم مكة والمدينة وعليّ دين، قال له (ع): “ارجع إلى مؤدّي دينك، وانظر أن تلقى الله وليس عليك دين، فإنّ المؤمن لا يخون”. فالمؤمن عليه أن يفي بكلّ التزاماته، والدين هو عهد التزام، فإذا كنت تهمل دَينك وتنكره تحت أيّ تأثير من التأثيرات، فإنّك بذلك تكون خائناً للأمانة، لأن الدَّين أمانة، حيث لا فرق بين أن تستدين المال من شخص وتتصرف به، وبين أن تضعه في الخزانة وتحفظه له من ناحية الأمانة، حيث أعطاك هذا الإنسان ثقته، وهو يريد أن يساعدك، فاعتبرك أميناً على ماله لترجع إليه هذا المال في الوقت المناسب.

والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، وقد ورد أنّه “لا دين لمن لا أمانة له”. لذلك يحاول الإمام (ع) في هذه الكلمة أن يوضح فكرة، وهي أنّ المؤمن لا يخون.

وعليه، أحبّ أن أنبه إلى مسألة موجودة في بلاد الاغتراب وغيرها، وهي أن يستقرض شخص مالاً، حيث تسمح له القوانين بالاستقراض، وهذا حال الكثيرين، فبعد أن يستقرض المال، يأتي إلى بلاده، وهو يتصوّر أنّه لا يتوجّب عليه أن يعيد هذه الأموال، وخصوصاً أن البعض يحصِّن موقفه ببعض الفتاوى، بحجّة أنّ هؤلاء ليسوا مسلمين، وبالتّالي، فإن الاستيلاء على أموالهم مباح، ولذلك نقول إنّ هذا مخالف للشَّرع ولتعاليم الإسلام، والله تعالى يقول: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. وهذا ما ينطبق على الذين يعلنون إفلاسهم وهم في الحقيقة عكس ذلك، { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل}.

وهناك أنواع أخرى من الخيانة، وهي خيانة الوظيفة، حيث يؤتمن الموظَّف من قبل صاحب العمل، ثم يستغلّ هذا الموظَّف موقعه ليحابي فلاناً أو فلاناً، ويرتب الأمور على خلاف الوظيفة، فهذا خائن لوظيفته، ولا سيّما إذا كانت وظيفة عامّة تتعلّق بقضايا الناس وأحوالهم وما إلى ذلك.

وفي كلمة للإمام الجواد (ع) يقول فيها: “كفى بالمرء خيانةً أن يكون أميناً للخونة”، بمعنى أن يساعد الخونة ويدعمهم، ويغطّي خيانتهم، وينفّذ مخطّطاتهم، لأن الله لا يريد للإنسان أن يكون خائناً بشكل مباشر أو غير مباشر، لأنّ الذي يساعد الخونة ويدعمهم ويؤيّدهم، يتحمّل الجزء الكبير من خيانتهم، سواء كانوا خونة في الدّين أو في السياسة أو في الاجتماع أو ما إلى ذلك، لأنّه لو لم نساعدهم نحن، لما وصلوا إلى هذه المراحل من القوَّة.

وهذا ما ينطبق أيضاً على الطغاة والخونة، ممن تعطي لهم الثّقة، فيتم انتخابهم في مختلف المواقع، فأنت عندما تعطيهم صوتك، فإنّك تصبح شريكاً لهم في الجريمة.

وعلى هذا الأساس، يجب أن نجري حساباً في كلّ صوت نعطيه أو في كلّ كلمة نقولها، لأنّ هذا الصوت ليس مجرد صوت نضعه في صندوق اللعبة السياسية أو الاجتماعية، بل هو صوت نضعه في جوهر المسؤولية، والله سوف يسألنا عنه بحسب النتائج السلبية أو الإيجابية {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}.

ولذلك، يجب أن يكون تأييدنا أو رفضنا له مبنيّاً على أساس رضا الله، {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}، فإذا كان هذا التأييد مرتكزاً على الأمانة أمام الله وأمام الناس، فسنحاسب حساباً يسيراً، وإذا كان تأييدنا مخالفاً لما يريده الله ورسوله وما يتّفق مع مصلحة الناس، فسوف نحاسب حساباً عسيراً.

لذلك، فانظر كيف تطلق كلمتك، وأين تضع صوتك، وكيف تعطي قوّتك لأيّ شخص، لأن القضية هي أنك سوف تقف {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله} { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

هذه تعاليم أئمّة أهل البيت (ع)، وهي تعاليم الإسلام الأصيل، تعاليم رسول الله (ص)، {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

التعليق


*