الأبعاد السياسية والحركية لثورة الإمام الحسين (ع)

حينما نستعرض كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ومواقفه ، حين تولّى ( يزيد ) الأمر بعد أبيه ( معاوية ) ، ودُعِيَ الإمام من قبل عامل يزيد على المدينة إلى البيعة ، إلى أن هبط الإمام أرض كربلاء ، ووقف بها في مواجهة جيش بني أُميّة ، نجد عاملين اثنين كانا السبب الباعث على الخروج والثورة على الحُكم الأمَوي ، والذي انتهى إلى استشهاد الإمام ( عليه السلام ) في وقعة الطف .
الأول : العامل السياسي .
الثاني : العامل الحركي .
لابدّ لنا من أن ندرس هذين العاملين في كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، في هذا المسير ( من المدينة إلى كربلاء ) ؛ لنستطيع أن نُقدِّم تفسيراً وافياً ودقيقاً لحركة الإمام وثورته .

العامِل السياسي :
ونبدأ بدراسة العامل السياسي في هذه القضيَّة .
كان أوّل شيء اهتمّ به يزيد بن معاوية بعد أن تولّى الخلافة من بعد أبيه ، هو فرض البيعة على الحَرمين الشريفين . وكان الحرمان الشريفان يُعتبران نقطتي الثقل السياسي في إعطاء الشرعيّة ، أو سلب الشرعيّة من مركز الخلافة في الشـام .
وأكثر ما كان يهمّ يزيد من أمر البيعة ثلاثة أشخاص : الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وعبد الرحمان بن أبي بكر ، وعبد الله ابن الزبير .
ولذلك فقد كانت بيعة الحرمين الشريفين أوّل ما فكر فيها يزيد بن معاوية ، بعد أن تولّى الأمر في الشام . ولا شكّ أنّ أمر الحسين ( عليه السلام ) كان يشغل بال الخليفة الجديد ومُستشاريه من بني أُميّة أكثر من أيّ شخص آخر . وكان معاوية قد سعى من قبل لأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) بولاية العهد لابنه يزيد فلم يفلح .
وكان من جواب الإمام الحسين ( عليه السلام ) له ـ حين دعاه إلى قبول ولاية العهد لابنه يزيد ـ : ( وهيهات هيهات يا معاوية ، فضحَ الصبحُ فَحْمة الدُجى ، وبهرَتْ الشمسُ أنوار السرج ، ولقد فضَّلتَ حتّى أفرطـت ، واستأثرتَ حتّى أجحفتَ ، ومنعتَ حتّى مَحَلت ، وجُزتَ حتّى جاوزتَ ، ما بذلتَ لذِي حقٍّ من اسم حقّه بنصيب ، حتّى أخذ الشيطانُ حظَّه الأوفر ، ونصيبَه الأكمل .
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد ، من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) ، تريد أن تُوهِم الناس في يزيد ، كأنَّك تصف مَحجوباً ، أو تنعَت غائباً ، وقد دلَّ يزيدُ من نفسه على موقع رأيه ، فخُذ ليزيد فيما أخذ فيه ، من استقرائه الكلاب المُهارشة عند التهارش ، والحَمام السِبق لأترابهنّ ، والقِيان ذوات المعازِف ، وضربِ الملاهي ، تجده باصراً . ودَع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله من وِزرِ هذا الخلْق بأكثر ممّا أنت لاقيه .
فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جَور ، وحنقاً في ظلم ، حتّى ملأت الأسقِية . ما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ، فتُقدِم على عملٍ محفوظ في يومٍ مشهود ، ولاتَ حين مَناص ) (1).
فلمّا مات معاوية وتولَّى يزيد الأمر ، كان أوّل ما فكَّر فيه أن يأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) ، فكتب في ذلك إلى عامله المدينة ( الوليد بن عتبة ) (2)، فامتنع الحسين ( عليه السلام ) امتناعاً شديداً في قصّة طويلة ، يذكرها الطَبرى (3)، وابن أعثم (4)، وغيرهما من المُؤرِّخين .
فقد قال الحسين ( عليه السلام ) لمروان ، وكان حاضراً ذلك المجلس ، وكان يحثّ الوليد ألاّ يترك الحسين حتّى يأخذ البيعة منه في ذلك المجلس ، وإلاّ فيضرب عنقه ، فقال له الإمام الحسين :
( ويلي عليك يا ابن الزرقاء * ، أتأمر بضربِ عُنقي ؟! كذبتَ والله .والله ، لو رام ذلك أحد من الناس ، لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فرُم ضرب عُنقي إن كنت صادقاً ) .
ثُمّ أقبل الحسين ( عليه السلام ) على الوليد بن عتبة فقال :
( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومُختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المُحترَمة ، مُعلِن بالفسق ، ومثلي لا يُبايع مثله ) (5).
وعندما خرج الحسين ( عليه السلام ) من عند الوليد ، لامَهُ مروان على ذلك لَوماً شديداً ، فقال له عامل يزيد :
( ويحك ، أتُشير عليّ أن أقتل الحسين ؟! فو الله ما يسرّني أنّ لي الدنيا وما فيها ، وما أحسب أنّ قاتله يلقى الله بدمه إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة ) .
فقال له مروان مُستهزئاً :
( إن كنتَ إنّما تركت ذلك لذلك ، فقد أصبتَ ) (6).
وقد كان موقف الإمام ( عليه السلام ) في الامتناع من البيعة ليزيد موقفاً واضحاً ، لا يشكّ فيه أحد ، وكلمات الإمام في مواقف مُتعدِّدة ـ في مسيرة من المدينة إلى كربلاء ـ توضِّح هذه الحقيقة .
يقول الإمام ( عليه السلام ) لمحمّد بن الحنفيّة ( أخيه ) :
( يا أخي ، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأً ولا مأوىً ، لما بايعتُ والله يزيد بن معاوية أبداً ) (7).
وخطب الإمام يوم عاشوراء في جيش بني أُميّة فقال :
( ألا وأنّ الدَعيّ بن الدَعيّ قد رَكزَ بين اثنتين ، بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة . يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون ، وحجورٌ طابت وطَهرتْ ، تُؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام ) (8).
وقال لأخيه عُمَر الأطرف ، عندما دعاه إلى أن يتجنَّب مُجاهَدة يزيد :
( إنّي لا أُعطي الدَنيَّة من نفسي أبداً ، ولتلقينّ فاطمة أباها ، شاكيةً ممّا لقيَت ذرّيّته من أُمّته ) (9).
وعندما خرج الإمام ( عليه السلام ) يوم عاشوراء ، ليقاتل جيش ابن سعد بنفسه ، كان يرتجز ويقول :
الموتُ أوْلى من ركوبِ العَارِ *** والعارُ أوْلى من دخولِ النارِ (10)
فلم يكن الإمام ـ إذن ـ ليبايع يزيد مهما يكن من أمر .
ومن طرف آخر ، لم يكن يزيد ليترك الإمام ( عليه السلام ) من دون بيعة مهما تكن النتيجة .
وقد كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يُؤمن بهاتين القضيّتين معاً ، فلا سبيل إلى بيعة يزيد مهما يكن من أمر ، ولا يمكن أن يتركه يزيد من دون بيعة أيضاً ، وكانت النتيجة المُترتّبة على هذين الأمرين واضحة للإمام كلّ الوضوح ، لا يشكّ فيها لحظة واحدة .
وقال الإمام لأصحابه ، حينما أرادوا الخروج من الحجاز إلى العراق : ( وأيم الله ، لو كنتُ في جُحر هامَّة لاستخرجوني ) (11).
ولمّا علم عبد الله بن جعفر أنّ الحسين يريد الخروج إلى العراق ، كتب إليه يدعوه إلى البقاء ، فكتب إليه الحسين ( عليه السلام ) :
( والله يابن عمّي ، لو كنتُ في جُحر هامّة من هوام الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني . والله يابن عمِّ ، لَيعدينَّ عليّ كما عدَتْ اليهودُ على السبت ) (12).
وفي رواية أُخرى ، يرويها الشيخ المفيد في الإرشاد عن الإمام ( عليه السلام ) بنفس المضمون :
( والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العَلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ، سلَّطَ الله عليهم مَن يذلّهم ، حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الأُمم ) (13).
إذاً فلم يكن للإمام الحسين ( عليه السلام ) غير طريق واحد ، وهو الشهادة ؛ فإنَّ يزيد لا يقبل من الإمام بغير البَيعة ، والحسين ( عليه السلام ) لا يعطي البَيعة ليزيد ، مهما تكن الأسباب ، فلا طريق للحسين إلاّ الشهادة ، ولابدّ أن يكون الحسين ( عليه السلام ) عازماً على الشهادة ، حين خرج من الحجاز إلى العراق .

الخيار الثالث : وكان هناك طريق آخر ثالث ، اقترحه عليه بعض الناصحين ، رفَضه الإمام رفضاً قاطعاً ، وهو : أن يبتعد عن ساحة المعركة ويعتزل الناس ، ويذهب بعيداً إلى اليمن ، أو إلى بعض شُعَبِ الجبال ، ويحتجب عن الناس ، فيكون قد حقّقَ الغاية ، وهو الامتناع عن البيعة ليزيد ، دون أن يُعرِّض نفسه وأهل بيته وأصحابه للأذى والهلاك من قِبَل يزيد ووُلاته وعُمّاله .
يقول ابن الأثير : لمّا عزم الحسين ( عليه السلام ) على الخروج من الحجاز إلى العراق ، جاءه ابن عبّاس فقال :
( يا ابن العمّ ، إنّي أتصبّر ولا أصبر . إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال . إنّ أهل العراق قوم غُدَّر ، فلا تقربنّهم . أقِم في هذا البلد ( مكّة المكرّمة ) ، فإنّك سيّد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا ، فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثُمّ أقدِم عليهم ، فإن أبَيتَ إلاّ أن تخرج ، فسِر إلى اليمن ؛ فإنّ بها حصوناً وشعاباً ، وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عُزلة ) (14).
وكان ممّن يحمل هذا الرأي أخوه محمّد بن الحنفية ؛ إذ جاء إلى الحسين ( عليه السلام ) ، لمّا عزم على مغادرة المدينة بأهل بيته ، فقال له ـ كما يروي ابن الأثير ـ :
( يا أخي ، أنت أحبّ الناس إليَّ ، وأعزّهم عليّ ، ولستُ أدّخِر النصيحة لأحدٍ من الخلْقِ أحقّ بها منك .
تَنَحّ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وابعث رسُلك إلى الناس ، فإن بايعوا لك ، حمدت الله على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك ، لم يُنقِص الله بذلك دِينك ولا عقلك .
قال الحسين ( عليه السلام ) : فأين أذهب ؟ قال : انزل مكّة ، فإن اطمأنّت بك الدار ، فبسبيل ذلك ، وإن نأَتْ بك لحِقتَ بالرمال وشُعَب الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد ، حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ) (15).
وفي العراق ، اقترح الطرمّاح بن عدي على الإمام ، أن يمتنع عن جيش يزيد بن معاوية بمعاقِل طَيّ المنيعة ، فقال للإمام : فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به ، حتّى ترى من رأيك وتستبين لك ما أنت صانع ، فسِر حتّى أُنزلك مناع جبلنا ، الذي يُدعى ( أجا ) . امتنعنا والله به عن ملوك غسّان ، وحميَر ، ومن النعمان بن المُنذر ، ومن الأسود والأحمـر . والله أن دخل علينا ذلّ قط ، فأسير معك حتّى أُنزلك القرية ) (16).
إلاّ أنّ الإمام ردّ هؤلاء جميعاً من دون تردّد ، لا لأنّه كان يشكّ في صدْقهم ونُصحهم له ، ولا لأنّهم كانوا موضع ارتياب وشكّ عند الإمام ، ولكن ؛ لأنّ هؤلاء لم يكونوا يفهمون الإمام ورأيه وموقفه بالشكل الصحيح .
فلم يكن همّ الإمام فقط أنّه لا يُبايع يزيد ، وألاّ يَضع يده في يد ابن معاوية ، ولو كان الإمام يكتفي بهذا الحدّ ما كلّفه ذلك كثيراً ، فما كان أيسر على الإمام أن يعتزل الناس ويغادر الحجاز إلى بلدٍ ناءٍ من هذه البلاد النائية ، الّتي نصحه بها أخوه محمّد ، وابن عمّه عبد الله بن عبّاس ، أو نصحه بها الطرمّاح بن عديّ .
إلاّ أنّ الإمام لم يكن يكتفي بهذا الموقف السلبي في أمر خلافة يزيد بن معاوية ، ولم يكن هذا الموقف السلبي في رفض البيعة إلاّ وَجهاً واحداً من وجهَي الموقف ، أمّا الوجه الآخر ، وهو الأهمّ ، والذي كلَّف الإمام نفسه وأهل بيته وأصحابه وشيعته ، فهو إعلان هذا الرفض على المَلأ من المسلمين .
وهذا الإعلان ، هو الّذي أغضب بني أُميّة وأثارهم ، فقد اعتبروه تحدّياً صارخاً لسُلطانهم وحُكمهم ، وخروجاً على حُكمهم وسلطانهم ، ولم يكن بنو أميّة يتحمّلون شيئاً من ذلك في أيّام سطوَتهم وسلطانهم وزهوِّهم . وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يتوخّى من هذا الإعلان مطلباً سياسيّاً ، لم يكن يتحقّق لولا إعلان الرفض ، وهو : إسقاط شرعيّة خلافة بني أُميّة في نظر العامّة من المسلمين .
فقد كانت الخلافة ـ رغم كلّ السلبيّات الّتي أحاطت بها إلى هذا الحين ـ تتمتَّع بالشرعيّة في نظر الأكثريّة من المسلمين ، وكانت هذه الشرعية تُمكِّن بني أُميّة من رقاب المسلمين ، وتَشلّ عمل ودَور المعارضة ، وتُعطي للنظام الأموي قوّة ومقاومة كبيرة .
وأخطر من هذا كلّه ، أنّ هذه الشرعيّة كانت تُمكّن بني أُميّة من إدخال الانحرافات الجاهليّة ـ الّتي جاء بها بنو أُميّة معهم إلى الحكم ـ إلى الإسلام ، فيمسّ الخطر عندئذٍ الإسلام ، وتكون مصيبة المسلمين مُصيبتَين : مصيبة في حياتهم ونظام أمورهم ، ومصيبة أُخرى ، أكبر وأخطر ، في دينهم .
وكانت هذه النقطة الثانية تشغل بالَ سيّد الشهداء أكثر من أيّ شيء آخر ، فقد بدأ هذا الانحراف يتسرّب إلى هذه النقطة بالذات . يُشير الإمام ( عليه السلام ) في كلامه مع مروان بن الحكم ، صبيحة الليلة الّتي خرج فيها الإمام من بيت الوليد ، رافضاً البيعة ، حيث التقى مروان بالإمام في الطريق فنصح الإمام بالبيعة ليزيد ، فقال الإمام لمروان :
( على الإسلام السلام ، إذ بُليَت الأُمّة براعٍ مثل يزيد . ولقد سمعتُ جدِّي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول : الخلافة مُحرَّمة على آل أبي سفيان ) (17).
إذن ، كان الإمام يخشى أكثر ما يخشى على الإسلام ـ بالذات ـ من أن يدخل عليه ما جاء به بنو أُميّة إلى الحكم ، من انحراف وفساد ، وإذا كان لا يُمكن إسقاط الخليفة وانتزاع السلطان منه ، فإنّ من المُمكن انتزاع الشرعيّة من الخلافـة ، وتجريد الحُكم الأموي من الشرعيّة التي كان يحرص عليها حُكّام بني أُميّة .
ومثل هذا الأمر يتطلّب موقفاً صريحاً مُعلَناً في رفض البيعة ، والامتناع عن قبول خلافة يزيد من جانب الإمام في وَسطِ الرأي العام الإسلامي حينذاك ، وهذا ما عمد إليه الحسين ( عليه السلام ) عندما رفض البيعة ، ورفض أن يُخفي موقفه السلبي هذا ، ويعتزل الوسط السياسي إلى بعض الشعاب والوديان والجبال ؛ ليسلم بنفسه وأهل بيته وأصحابه من ملاحقة حُكّام بني أُميّة .
لقد كان الإمام يُخطِّط ليجعل من موقفه هذا موقفاً سياسيّاً صارخاً ، واحتجاجاً في وجه حُكّام بني أُميّة ، وإعلاناً لسحب الثِقة والشرعيّة من حُكّام بني أُميّة ، وإعلام الأُمّة كلّها بذلك ، وهذه بعض النماذج من كلمات الإمام ومواقفه الصريحة في هذا الصدَد :
أوّلاً : غادر الإمام المدينة إلى مكّة ليلاً بجميع أهله ، وسار على الجادّة الّتي يسلكها الناس ، فقال له ابن عمّه مسلم بن عقيل : ( لو عَدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة ، كما فعل عبد الله بن الزبير(18)، كان عندي الرأي ، فإنّا نخاف أن يلحقنا الطلب . فقال له الحسين ( عليه السلام ) :
( لا والله يا ابن عمِّ ، لا فارقت هذا الطريق أبداً ، أو أنظر إلى أبيات مكّة ، أو يقضي الله في ذلك ما يحبُّ ويرضـى ) (19).
ثانياً : دخل الإمام مكّة بصورة علنيّة ، مُتحدّياً بني أُميّة . ويصف الخوارزمي نزول الحسين ( عليه السلام ) بمكّة فيقول : ( وكان قد نزل بأعلى مكّة ، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً ، ثُمّ تحوّل الحسين إلى دار العبّاس ، وحوّلها إليه عبد الله بن عبّاس ، فأقام الحسين مُؤذّناً يُؤذِّن ، رافعاً صوته ، فيُصلي بالناس ) (20).
( دخل الحسين إلى مكّة ففرح به أهلها فرحاً شديداً ، وجعلوا يختلفون إليه بكْرَة وعشيّة ، واشتدَّ ذلك على عبد الله بن الزبير ؛ لأنّه قد كان طمع أن يُبايعه أهل مكّة ، فلمّا قدم الحسين شقَّ ذلك عليه ، لكنّه كان يختلف إليه [ إلى الحسين ] ، ويُصلِّي بصلاته ، ويقعد عنده ، ويسمع من حديثه ، وهو ـ مع ذلك ـ يعلم أنّه لا يُبايعه أحد من أهل مكّة والحسين بن علي بها ؛ لأنّ الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير ) (21).
وكان عمرو بن سعيد الأشدق يومئذٍ عامل يزيد على مكّة ، فهاب الحسين وهرب إلى المدينة ، وكتب إلى يزيد بأمر الحسين ، يقول الخوارزمي : ( وهاب ابن سعيد أن يميل الحُجّاج مع الحسين ، لِما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق ، فانحدر إلى المدينة ، وكتب بذلك إلى يزيد ) (22).
ثالثاً : تتَّفق المصادر التاريخيّة أنّ الحسين ( عليه السلام ) خرج من مكّة إلى العراق يوم الثامن من ذي الحجّة ( يوم التروية ) ، عندما كان الحُجّاج يتوجَّهون إلى عرفات ، استعداداً ليوم عرفة ، وقد أثار خروج ابن بنت رسول الله يوم التروية ـ من بين الحُجّاج ـ إلى العراق انتباه عامّة الحُجّاج ، الّذين كانوا قد أمّوا البيت الحرام من مختلَف الآفاق ، فهذا ابن بنت رسول الله يحلّ من العمرة ، ويُغادر مكّة في وقت يتوجَّه فيه الحُجّاج إلى عرفات لأداء الحَجّ .
ولا نحتاج إلى تأمُّل طويل لنكشف أنّ طريقة الحسين ( عليه السلام ) في الخروج من المدينة إلى مكّة ، ثُمّ مقامه في مكّة ، ثُمّ مغادرته لها إلى العراق ؛ كان بهدف التعبير والإعلان عن رفْضه للبيعة .
ولو كان الإمام يريد أن يتجنَّب البيعة فقط ، دون تنبيه وإلفات الرأي العام الإسلامي لهذا الموقف السياسي ؛ لما احتاج إلى كلّ هذه الخطوات التي كلَّفته ، وكلَّفت أهل بيته وأصحابه كثيراً ، وأثارت عليه سُخط بني أُميّة وغضبهم . ولقد كان بنو أُميّة يكتفون من الحسين ( عليه السلام ) ـ في أغلب الظنِّ ـ أن يحتجب ويبتعد عن الرأي العام ، ويخرج إلى ثَغر بعيد من ثغور المسلمين ، بعيداً عن الأجواء السياسيّة ، لكنّ الحسين أبى أن يبايع إباءً قاطِعاً ، وأبى أن يخرج إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ، ويترك الساحة السياسيّة والاجتماعيّة ومسؤوليَّته الشرعيّة ، وإليك النصّ الذي يبيِّن اتّجاه هذه الساحة :
هناك نصّ يرويه الطبري عن عقبة بن سمعان بهذا الشأن ، وعقبة هذا كان قد رافق الحسين ( عليه السلام ) من المدينة إلى كربلاء ، ولم يَفته شيء من كلمات الإمام وإشاراته ومواقفه .
يقول ابن سمعان : ( صحبتُ حسيناً ، فخرجتُ معه من المدينة إلى مكّة ، ومن مكّة إلى العراق ، ولم أُفارقه حتّى قُتِـل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ، ولا في الطريق ، ولا بالعراق ، ولا في عسكر ، إلى يوم مقتلـه ، إلاّ وقد سمعتُها .
لا والله ، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون ، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ، ولكنّه ، قال : ( دعوني ، فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس ) (23).

الخيارات الثلاثة :
إذن ، كان أمام الإمام الحسين ( عليه السلام ) خيارات ثلاثة :
الأوّل : أن يُبايع يزيد بن معاوية .
الثاني : أن يُغادر الساحة السياسيّة ووَسط الرأي العامّ إلى ثَغرٍ ناءٍ من ثغور المسلمين . حتّى لا يكون خطراً على الحكم الأموي .
ونكتشف من كلمة عقبة ابن سمعان أنّ هذا الخيار كان أيضاً ممّا يطرحه عليه بنو أُميّة ، على شكلِ الإبعاد والإقصـاء ، كما فعَل عثمان بن عفّان بأبي ذَرّ من قبل .
وهذه الطريقة من الإقصاء عن الساحة السياسيّة ؛ لتعطيل المعارضة وإفشال دورها ، كان معمولاً بها في تلك الأيّام . وكلمة عقبة بن سمعان واضحة أيضاً في ذلك : ( أن يُسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ) .
وأمّا الناصحون للإمام ، فكانوا يقترحون عليه أن يختار هذا الشقّ ، ويختار الجهة الّتي يعتزل فيها الساحة السياسيّة ، دون أن يُسيّروه إليها .
ومهما كان من أمر ، فقد رفض الإمام هذا الخيار من بني أُميّة ، ومن مُحبِّيه ، ورفض أن يترك الساحة ويعتزلها ، ولم يقتصر في أمر رفض البيعة على هذا الحدِّ السلبي ، الّذي كان لا يرفع التكليف الشرعي والمسؤوليّة عن عاتقه . فقد كان الإمام يُصرُّ على أن يُترَك لشأنه ليذهب ـ كما يقول عقبة بن سمعان في كلمته ـ في هذه الأرض العريضة مُعلِناً عن رأيه في يزيد ، ورفضه لبيعته ، وعاملاً بتكليفه الشرعي في الحُكم الأموي ، وهذا ما كان يرفضه بنو أُميّة رفضاً قاطعاً ، وقد عبَّرَ الإمام عن ذلك لأصحابه ، حينما أراد الخروج من الحجار إلى العراق بقوله :
( والله لو كنتُ في جُحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني ) (24).
الثالث : هو خيار المواجهة والشهادة . وقد اختاره الإمام ـ بالذات ـ من بين هذه الخيارات .
ومن كلمات الإمام في كربلاء ، أمام جيش ابن سعد :
( لا والله ، لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ) (25).
فلا يُعطيهم يده للبيعة ، إعطاء الذليل ، وهو الخيار الأوّل الّذي تحدّثنا عنه ، ولا يفرّ فرار العبيد ، وهو الخيار الثاني الذي أقترحه عليه بنو أُميّة ، لإلغاء دوره وتعطيل موقفه ، عن خُبثٍ ومَكْر ، واقترحه عليه بعض الناصحين له عن عدمِ وعي .
وهذا هو العامل الأوّل لثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

العامل الثاني لحركة الإمام وخروجه وثورته هو : ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ؛ لتحريك الأُمّة وتوعيتها ، وكسر حالة الركود والجمود والاستسلام في الأُمّة .
وقد بيَّنّا ـ فيما مرّ ـ كيف عمل حُكّام بني أُميّة على نشر الإرهاب والفساد في المجتمع ، وقد تمكَّنوا فيما أرادوا من تمييع المجتمع الإسلامي ، والقضاء على روح المقاومة والثورة والتمرّد في المسلمين ، ونشر روح الاستكانة والاستسلام للواقع الفاسد .
وأبرز دليل على انتشار هذه الحالة السلبيّة في المجتمع الإسلامي ـ يوم ذاك ـ هو أن يتولَّى يزيد أُمور المسلمين ، ثُمّ لا ترتفع صرخات الاستنكار والاحتجاج في العالم الإسلامي ، إلاّ ما كان هنا وهناك ، من اعتراضات ضعيفة ومبتورة للمعارضة ، لا يسمعها ولا يدعمها أحد .
وكان لابُدّ من حركة قويّة في وسط العالم الإسلامي ، تهزّ ضمائر المسلمين هزّة عنيفة ، وتبعث في نفوسهم الحياة والإحساس بالمسؤوليّة ، وتكسر عنهم طوق الخوف والرُعب الّذي كان يملأ نفوسهم آنذاك ، وتُعيد إليهم ثقتهم بالله ، ثُمّ بأنفسهم .
لقد كان لابُدّ من تضحية عزيزة نادرة ، تهزّ ضمائر المسلمين من الأعماق ، وتُعيد إليهم شخصيّتهم وإرادتهم الّتي انتزعها النظام الأموي منهم ، وتُشعِرهم بعُمق المأساة ، وعُمق المسؤوليّة .
وإنّ للدم والتضحية والفداء من الأثر في تحريك النفوس ، وكسر حاجز الخوف ، وإعادة الثقة إلى النفوس ، والتحسيس بالمسؤوليّة ، ما ليس لغيره من عوامل التحريك .
فإقدام الإمام على الخروج والثورة على النظام الأموي ، والمواجهة والمجابهة ، لم يكن فقط لغَرضِ رفض البَيعة ، وإعلان هذا الرفض ، وإنّما كان أيضاً لتحريك المسلمين ، وتحسيسهم بالمسؤوليّة ، وإعلان الموقف الشرعي ، ودعوة المسلمين إلى المواجهة والمُجابهة والمعارضة ، والتمرّد على النظام والسُلطة الأمويّة . والإنكار بالعمل والتضحية والقوّة ، من أهمّ شُعَب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد رُوى عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : ( مَن رأى منكم مُنكَراً ، فليُنكِر بيده إن استطاع ، فإن لم يَستطع فبِلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبِه ، فحسْبه أن يعلم الله أنه لذلك كاره ) (25).
وروي عن عليّ ( عليه السلام ) أنّه قال في صفّين :
( أيّها المؤمنون ، إنّه مَن رأى عدواناً يُعمَل به ، ومُنكَراً يُدعَى إليه ، فأنكره بقلبِه ، فقد سَلِمَ وبَرئ ، ومَن أنكرَه بلِسانه ، فقد أُجِر ، وهو أفضل من صاحبه ، ومَن أنكره بالسيف ، لتكون كلمة الله العُليا ، وكلمة الظالمين السُفلى ، فذلك الّذي أصاب سبيل الهُدى ، وقامَ على الطريق ) (26).
والخروج والثورة لإنكار المُنكَر والأمر بالمعروف ، ولتحريك المسلمين وتنبيههم ، من أوضح مصاديق ( الإنكار باليَـد ) ، وأقوى عوامل التحريك والتوعية في صفوف المسلمين ، وعندما نستعرض كلمات الإمام في مسيره من المدينة إلى كربلاء ، نجد أنّ مسألة رفض البيعة ، وإعلان الرفض كموقف سياسي ضدّ النظام الحاكم ، لا تُعبِّر عن كلّ أبعاد حركة الحسين ( عليه السلام ) وثورته ، فهناك بُعد آخر لهذه الحركة هو : الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر ؛ لتحريك المسلمين لمواجهة الطاغية ومُجابهته وإسقاطه .
وعنصر الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر عنصر بارز في حركة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، كما نقرأ في زيارته ( أشهدُ أنّك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكَر ) (3).
يقول أصحاب السيَر : إنّ الحسين ( عليه السلام ) لمّا تهيَّأ لمُغادَرة المدينة ، زار قبر جدّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، وصلّى ركعتين ، ثُمّ قال : ( اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد ، وأنا ابن بنت محمّد ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللهمّ إنّي أُحبّ المعروف ؛ وأكره المنكَر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام ، بحقّ هذا القبر ومَن فيه ، إلاّ ما اخترت من أمري هذا ما هو لك رضى ) (27).
وعندما نستعرض كلمات الإمام في مسيرته من المدينة إلى كربلاء ، نجد أنّ الإمام يُؤكِّد كثيراً في حركته هذه على عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في الكثير من المواقف ، ويُعلِن للمسلمين أنّ خروجه على بني أُميّة لم يكن من أجل أن ينال سلطاناً أو مُلكاً ، وإنّما ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وفي وصيَّته ( عليه السلام ) الّتي أودعها عند أخيه محمد بن الحنفيّة ، قبل الخروج من المدينة إلى مكّة ، يقول : ( إنّي لم أخرج أشِراً ولا بَطراً ، ولا مُفسِداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) . أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكَر ، وأسيرُ بسيرة جدّي محمّد ، وسيرة أبي علي بن أبي طالب ) (28).
وفي مكّة ، كتب الإمام نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة ، جاء فيها :
( وأنا أدعوكم إلى كتاب الله ، وسُنّة نبيِّه ، فإن السُنّة قد أُميتَت ، وأنّ البُدعة قد أُحييَت ، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري ، أُهدكم سبيل الرشاد ) (29).
وفي منزل ( البيضة (*) ) ، في طريق العراق ، خطب الحسين ( عليه السلام ) في أصحابه وأصحاب الحرّ ، فقال : ( أيّها الناس ، إنّ رسول الله قال : مَن رأى سلطاناً جائراً مُستحِلاًّ لحرمِ الله ، ناكثاً لعهد الله ، مُخالِفاً لسُنّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، يعمل في عباد الله بالإثمِ والعدوان ، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله ، ألا أنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا الفساد ، وعطَّلوا الحدود ، واستأثروا بالفَيء ، واحلّوا حرام الله ، وحرَّموا حلاله ، وأنا أحقّ مَن غيّر ) (30).
وفي منزل ( ذي حسم ) ( بالقُربِ من كربلاء ) ، خطب الحسين ( عليه السلام ) بعد أن حمد الله وأثنى عليه قائلاً :
( إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وأنّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت ، وأدبرَ معروفها ، واستمرّت جذّاء ، فلم يبقََ منها إلاّ صُبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل . ألا ترَون أن الحقّ لا يُعمَل به ، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه ؟! ليَرغب المؤمنُ في لقاء الله مُحقّاً ، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ) (31).
وممّا يُؤكِّد عزم الإمام على الخروج والثورة ، أنّ الإمام صادر أموالاً كان قد بعثها عامل يزيد على اليمن إلى يزيد ( بالتنعيم ) بالقرب من مكّة المكرّمة . يقول الطبري :
( ثُمّ أنّ الحسين أقبل حتّى مرّ بالتنعيم ، فلقى بها عِيراً قد أُقبل بها من اليمن ، بعث بها مجير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية ، وكان عامله على اليمن ، وعلى العِير الوَرس والحَلّ ، ينطلق بها إلى يزيد ، فأخذها الحسين ، فانطلق بها . ثُمّ قال لأصحاب الإبل : ( لا أُكرهكم ، مَن أحبَّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفَينا كِراءه ، وأحسنّا صُحبته ، ومَن أحبَّ أن يفارقنا من مكاننا هذا ، أعطيناه من الكِراء على قدر ما قطَع من الأرض ) ) (32).

* * *
وعليه ، فإنّ حركة الإمام ( عليه السلام ) ـ كانت ذات بُعدَين : سياسي ، وحركي .
في البُعد الأوّل ، كان هدف الإمام الحسين ( عليه السلام ) رفض البيعة ، وإعلان هذا الرفض على المجتمع الإسلامي ـ يوم ذاك ـ والاستفادة من الجانب الإعلامي للفرض .
وفي البُعد الثاني ، كان الإمام يُخطِّط للخروج على النظام الحاكِم ، وما يُسمّى اليوم بـ ( الثورة المُسلَّحة ) ، والجهاد المُسلَّح ؛ بهدف تحريك المجتمع ضدّ الظلم ، وإيقاظ الأُمّة ، وبعث روح الجهاد ومقاومة الظالم في نفوسهم ، ودفع الناس للثورة على الظالم وإسقاطه ، وكسر حاجز الخوف ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر .
وهذان البُعدان واضحان من كلمات الإمام ومواقفه في مسيره من المدينة إلى كربلاء ، كما رأينا طرفاً من ذلك في هذه الدراسة .
وقد كان الإمام خلال هذه الحركة السياسيّة الجهاديّة على بيّنة من أمرَين اثنين ، لابُدّ أن نُشير إليهما ؛ لنتمكن من رسم الصورة الكاملة للمسيرة الحسينيّة :
الأمر الأوّل : إنّ هذه الحركة ـ ببُعدَيها السياسي ، والحركي ـ غير قادرة على إسقاط النظام الأموي ، فقد كان النظام الأموي قويَّاً مرهوب الجانب ، قد أعدَّ له معاوية كلّ أسباب القوّة والمنعة ، من مال وقوّة عسكريّة ، وإعلام ، وإرهاب ، وإدارة ، ولم يكن الإمام ( عليه السلام ) بقادر ـ بما كان يتهيّأ له يوم ذاك من أنصار ـ أن يُقاوم قوّة الشام المركزيّة ، بصورة أكيدة .
كما أنّ النظام الأموي استطاع خلال هذه المُدّة أن يُخمِد جذوة الثورة في نفوس الناس ، وأن يُقنِع الناس بأنّ من الخير لهم أن يُؤثروا السلامة والعافية على الثورة والتمرّد على النظام ، وأن يخلدوا إلى الهدوء والسكينة والسمع والطاعة ، ولا يُفكِّروا في شيء من أُمور الدولة ونظامها ، ولا ينقادوا لدعوات دُعاة المعارضة . وقد أفلح معاوية بشكل خاصّ في تدجين الناس للنظام ، وتثبيت رهبة النظام وسطوته في نفوس الناس ، وتعويدهم على الاستسلام والرضوخ .
وكان الإمام الحسين ( عليه السلام ) يعرف هذا جيداً ولا يجادل فيه ، ولم يكن يأمل أن يجد في العراق جيشاً قويّاً ، يدعمه في موقفه ضدّ سلطان بني أُميّة ، ويتبنَّى دعوته لإسقاط النظام ، ويقف إلى جانبه ويثبت ، وكان يعلم جيّداً أنّ هؤلاء الناس الّذين تجمّعوا لدعوته وبيعته وكتبوا إليه ، سُرعان ما ينقشعون أمام قوّة الشام والحكومة المركزيّة ، ولا يبقى معه غير قلَّة قليلة من شيعته ، الّذين دبّ فيهم التفكّك والضعف ، وروح الاستسلام والانهزاميّة .
ولقد كان الإمام ( عليه السلام ) يعرف ذلك أيضاً معرفة جيدة . ولم يكن خروج أخيه الحسن ( عليه السلام ) لقتال معاوية ، وما أصاب جيشه من التفكّك والخيانة ، واضطرار الإمام الحسن لإيقاف القتال ، ببعيد عنه ، ولم يكن الإمام الحسين ( عليه السلام ) يتوقَّع أن تتهيَّأ له من الظروف السياسيّة والقتاليّة أفضل ممّا توفَّرت لأخيه الحسن ( عليه السلام ) من قَبل .

التحذير من الخروج إلى العراق :
ولم يكن يغيب عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ما كان يراه ، ويُذكّره به الكثير من شيعته والناصحين والمُحبِّين لـه ، ممَّن كان الإمام لا يَتّهم نُصحهم وصدقهم ، وفَهْمَهم لساحة العراق .
يقول ابن أعثم في ( الفتوح ) ، والخوارزمي في ( المَقتَل ) : ( قدم ابن عبّاس إلى مكّة ، وقد بلغه أنّ الحسين ( عليه السلام ) عزم على المسير ، فأتى إليه ودخل عليه مُسلِّماً ، ثُمّ قال له : جعلت فداك ، إنّه قد شاع الخبر في الناس ، وأرجفوا بأنّك سائر إلى العراق . فقال : ( نعم ، قد أزمعتُ على ذلك في أيّامي إن شاء الله ، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ) ، فقال ابن عبّاس : أُعيذك بالله من ذلك ، وأنت تعلم أنّه بلد قد قُتل فيه أبوك ، واغتِيل فيه أخوك ) (33).
ودخل عليه عُمَر بن عبد الرحمان بن هشام المخزومي ، فقال : يابن رسول الله ، إنّي أتيتُ إليك لحاجة أُريد أن أذكرها ، فأنا غير غاشّ لك فيها ، فهل لك أن تسمعها ؟ فقال الحسين : ( هات ، فو الله ما أنت عندي بسيّء الرأي ، فقُل ما أحبَبت ) .
فقال : قد بلغَني أنّك تريد العراق ، وإنّي مُشفِق عليك من ذلك ، أنّك تَرِد إلى قوم فيهم الأُمراء ، ومعهم بيوت الأمـوال ، ولا آمن عليك أن يُقاتِلك مَن أنت أحبّ إليه من أبيه وأُمّه ؛ ميلاً إلى الدينار والدرهم ، فقال له الحسين : ( جزاك الله خيراً يا بن عمّ ، فقد علمتُ أنّك أمرت بنُصح . ومهما يقضي الله من أمرٍ فهو كائن ، أخذتُ برأيك أم تركته ) (34).
ولم يكن الإمام يُكذِّب هؤلاء ، أو يتردّد في كلامهم ، وقد كانوا يُؤكِّدون للإمام أنّ أهل العراق لا يثبتون طويلاً أمام جيوش الشام ، وأنّ العاقبة لن تختلف عن عاقبة الجيش الّذي صحب أخاه الحسن ( عليه السلام ) من قبل . كان الإمام يتقبَّل كلّ ذلك ويُصدّقه ، من دون مناقشة أو تردّد .
يقول الخوارزمي : إنّ الإمام عندما بلغ ( ذات عرق ) ، في خروجه إلى العراق ، لَقيه رجل من بني أسد ، يُقال له بِشر بن غالب ، فقال له الحسين ( عليه السلام ) : ( ممَّن الرجُل ؟ قال : من بني أسد .
قال : فمن أين أقبلت ؟ قال : من العراق .
قال : فكيف خلّفت أهل العراق ؟
فقال : يا بن رسول الله ، خلّفت القلوب معك ، والسيوف مع بني أُميّة .
فقال له الحسين : صدقت يا أخا بني أسد . إنّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ) (*) .
وفي الطريق في منزل ( الصفاح ) ، لقي الإمامُ الفرزدقَ بن غالب ( الشاعر ) ، فواقف حسيناً فقال له : ( أعطاك سؤلك ، وآملك فيما تحبّ . فقال له الحسين ( عليه السلام ) : بيّن لنا نبأ الناس خلفك ، فقال له الفرزدق : من الخبيرِ سألت ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أُميّة … والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء .
فقال له الحسين ( عليه السلام ) : صدقت ، للهِ الأمر ، ويفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن ) (35).
ولمّا بلغ عبد الله بن جعفر سفر الحسين ( عليه السلام ) إلى العراق ، أرسل إليه كتاباً مع وَلدَيه ، عون ومحمّد ، يُخبِره بأنّه خائف عليه من الوجه الّذي يسير إليه العراق ) (36)، فلم ينثنِ الإمام عن عزمه .
ومع هذه التأكيدات الّتي ذكرنا طرفاً منها هنا ، فإنّ من غير المعقول أن يغيب عن الإمام ما كان يعرفه هؤلاء الناس ، الّذين لم يكن الإمام يشكّ في نصحهم وصدقهم وحُبّهم له .
فلم يكن الإمام ـ إذن ـ يطمح في إسقاط نظام بني أُميّة بهذه القوّة الّتي تطّوعت له في العراق ، وكلّ القرائن التاريخيّة الّتي رافقت خروج الإمام تنفي هذا الاحتمال من الأساس .
إذن ، لم يُفكِّر الإمام في خروجه إلاّ بتوعية الرأي العامّ ، وإثارة سخط الناس ضدّ حُكم بني أُميّة ، وتثوير المجتمع الإسلامي وتحريكه ضدّ سلطان بني أُميّة ، دون الإسقاط المباشر .
والأمر الثاني : إنّ الإمام ( عليه السلام ) كان مُصمّماً على الشهادة ، عالماً بأنّ غاية خروجه هذا هي الشهادة في سبيل الله ، وكلّ القرائن الّتي رافقت حركة الإمام ( عليه السلام ) تُؤكِّد هذه الحقيقة .
فلم يكن من الممكن أن يترك بنو أُميّة الحسين ( عليه السلام ) مُعلِناً رفضه للبيعة ، خارجاً على بني أُميّة في رفضه وامتناعه عن البيعة ، ولم يكن الإمام يقبل بالتنازل عن رفضه للبيعة وإعلانه للرفض ، وخروجه على يزيد ، مهما بلغ الأمر ، في وقت لم تكن له قوّة تحميه .
فليس بُدّ ـ إذن ـ من الشهادة ، إلاّ أن يتنازل الحسين ( عليه السلام ) عن رفضه للبيعة والخروج على يزيد ، ويتقبّل بيعة يزيد ، أو يعتزل الساحة السياسيّة إلى بعض شعاب الجبال أو البوادي ، وهو ما كان يرفضه الإمام رفضاً قاطعاً وأكيداً لا يقبل المناقشة ، وكلمات الإمام في هذه المسيرة صريحة أيضاً على عزمه الأكيد على الإقدام على الشهادة.
ونذكر فيما يلي بعض النصوص :
أوّلاً : كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) قد وعد أخاه محمّد بن الحنفية ، بأن ينظر في رأيه في الإعراض عن العراق ، فلمّا غادر ( عليه السلام ) مكّة مُتوجِّهاً إلى العراق ، جاءه محمّد بن الحنفية ، وأخذ بزمام ناقته ، واستنجزَه الوعد ، فقال :
يا أخي ، ألَم تعِدني النظر فيما سألتُك ؟! ، قال : بلى . قال : فما حداك على الخروج عاجِلاً ؟
قال : أتاني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بعدما فارقتك ، فقال : يا حسين ، اخرج ، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً . فقال محمّد بن الحنفية : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فما معنى حمْلك هؤلاء النسوة معك ، وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟!
قال : فقال لي ( صلّى الله عليه وآله ) : إنّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا .
فسلَّم عليه ومضى ) (37).
ثانياً : لمّا عزم الإمام على الخروج من المدينة ، أتتْه أمّ سَلَمَه ـ رضي الله عنها ـ فقالت : ( يا بُني ، لا تحزنِّي بخروجك إلى العراق ، فإنّي سمعتُ جدّك يقول : يُقتَل ولدي الحسين بأرض العراق ، في أرض يُقال لها كربلاء . فقال لها : يا أماه ، أنا والله أعلمُ ذلك ، وأنّي مقتول لا محالة ، وليس لي من هذا بُدّ ) (38).
ثالثاً : في الليلة الثانية ، أو الثالثة ، من دعوة الوليد الإمام إلى البيعة ، ذهب الإمام إلى قبر جدّه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، وقضى الليل كلّه في الصلاة والدعاء ، حتى إذا كان في بياض الصبح ، وضع رأسه على القبر ، فأغفى ساعة ، فرأى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) قد أقبل في كوكبة من الملائكة … حتّى ضمّ الحسين ( عليه السلام ) إلى صدره ، وقبّل بين عينيه ، وقال : ( يا بُنيّ يا حسين ، كأنّي عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء من عصابةٍ من أُمّتي ، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقَى ، وظمآن لا تروى ، وهُم مع ذلك يرجون شفاعتي ، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ) (39).
رابعاً : روي أنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) لمّا عزم على الخروج إلى العراق من مكّة ، قام خطيباً فقال : ( الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلَّم .
خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جِيد الفتاة ، وما أولَهني إلى أسلافي ، اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخِير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تُقطِّعها عسلان الفلَوات ، بين النواويس وكربلاء ، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً ، وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم .
رضا الله رضانا أهل البيت . لن تشذَّ عن رسول الله لُحمَته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تُقِرُّ بهـم عينـه ، وتنجز لهم وعْده ، مَن كان فينا باذلاً مُهجَته ، موطِّناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنّي راحل مُصبِحاً إن شاء الله تعالى ) (40).
خامساً : يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( لمّا مضى الإمام مُتوجّهاً ، دعا بقرطاس وكتُب فيه إلى بني هاشم : بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، إلى بني هاشم .
أمّا بعد ، فإنّه مَن لحقَ بي منكم استُشهد ، ومَن تخلَّف لم يبلغ مبلَغ الفتح والسلام ) (41).
سادساً : كتَب الإمام من كربلاء إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة :
( بسم الله الرحمن الرحيم .
من الحسين بن علي ( عليه السلام ) ، إلى محمّد بن عليّ ، ومَن قبلَه مِن بني هاشم .
أمّا بعد ، فكأنّ الدنيا لم تكن ، والآخرة لم تزل ، والسلام ) (42).
فالإمام إذن ، كان قد خرج بدافع إعلان رفض البيعة ، وإعلان الثورة على يزيد ، ولم تكن لدعوة أهل العراق أثَر في مسيرة الحسين ( عليه السلام ) وحركته ، إلاّ بقَدرِ ما يتعلَّق بتحديد الجِهة في حركة الإمام وسَيره .
ولمّا تبيَّن الإمام أنّ القوم قد انقلبوا عن رأيهم وموقفهم ، عندما اعترضه الحُرّ بن يزيد الرياحي بجيشه ، عرض عليهم الحسين أن ينصرف عنهم إلى حيث يشاء من الأرض ، على أن يختار هو ( عليه السلام ) الجهة الّتي يريدها ، لا أن تُفرَض عليه من قِبل ابن زياد .
وقد عرض الإمام ( عليه السلام ) هذا الأمر على الحُرّ مرّتين يوم اللقاء ، مرّة بعد صلاة الظهر ، ومرّة بعد صلاة العصر (43).
وليس في كلام الإمام هذا إشارة إلى أنّه إن انصرف عن العراق فسوف يكفّ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَـر ، ودعوة الناس للثورة ضدّ سلطان بني أُميّة ، أو يحتجب برأيه وموقفه السلبي تجاه بني أُميّة في بعض شعاب الجبال أو ثغور المسلمين .
ولم يتعهّد الإمام للحُرّ يوم ذاك بشيء من هذا ، وإنّما طلب منه أن يتنحّى عنه ، حتّى ينصرف إلى حيث يشاء من أرض الله الواسعة . وقد ذكرنا قبل هذا كلمة عقبة بن سمعان ـ الّتي رواها الطبري ـ في امتناع الحسين ( عليه السلام ) من أن يضع يده بيَد يزيد ، أو يعتزل الناس في ثغرٍ ناءٍ من ثغور المسلمين .
إذن ، كان الحسين ( عليه السلام ) مُقدِماً على إعلان الخروج على يزيد على كلّ حال ، وكان يبحث عن الفرصة الّتي تُهيّئ له هذا الإعلان ، ووجد في دعوة أهل العراق وبَيعتهم هذه الفرصة ، وكان على يقين أنّ هذا الموقف السياسي والثوري سوف يُكلِّفه نفسه ، والنُخبة الصالحة من أهل بيته وأصحابه ، ولم يكن من ذلك بُدّ ، ولذلك فقد قدمَ الإمام على الشهادة ، راضياً مُطمئنّ البال .
وكان هناك من شيعة الإمام الناصحين له مَن كان يحمل رأياً آخر ، يختلف عن رأي الإمام ، ويعتقد أنّ الإمام إذا خرج وقُتل ، انتُهكت بقتله حُرمة الإسلام ، ولا يحترم بعده بنو أُميّة أحداً من وجوه المسلمين وأعلامهم ، ومن هؤلاء ابن عمّه عبد الله بن جعفر ، وكان ممَّن لا يشكّ الإمام في صدقه ونُصحه .
أرسل إلى الإمام كتاباً مع ولديه ، عون ومحمّد ـ كما أسلفنا ـ ، والإمام في طريقه إلى العراق ، يقول فيه للإمام : ( فإنّي مُشفِق عليك من هذا الوجه ، أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك .
إن هلكتَ اليوم ، أُطفئ نور الأرض ، فإنّك علَم المُهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسَير ، فإنّي في أثَرِ كتابـي ) (43).
ومنهم عبد الله بن مطيع العدوي ، التقى الإمام في الطريق إلى العراق ، على ماء من مياه العرب ، فقال للإمام : ( بأبي أنت وأُمّي يا بن رسول الله ، ما أقدَمك ؟ فقال له الحسين ( عليه السلام ) : ( كتَب إليّ أهلُ العراق ، يدعونني إلى أنفسهم ) . فقال له عبد الله بن المطيع : أُذكّرك الله يا بن رسول الله ، وحرمة الإسلام أنّ تنتهك … فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني أُميّة ليقتُلنَّك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً ) (44).
وكان الإمام ( عليه السلام ) يرى على خلاف هؤلاء ، أنّ الشهادة هي الفتح ، وأنّ هذه الأُمّة لا يُمكن تحريكها ، ولا يُمكن أن تُبعَث فيها الحياة والحركة والعزم من جديد إلاّ بشهادته ، وشهادة النُخبة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه . وقد كتب بذلك إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة :
( بسم الله الرحمن الرحيم .
من الحسين بن علي ، إلى محمّد بن علي ، ومَن قَبِلَه من بني هاشم .
أمّا بعد ، فإنّ مَن لَحقَ بي استُشهد ، ومَن لم يلحق بي لم يُدرِك الفتح ، والسلام ) (45).
وليس من المُمكن الإجابة بأفضل من هذا الجواب ، فمَن لحق بالحسين ( عليه السلام ) لابُدّ أن يستشهد ، ومَن لم يلحق به فاتَته الشهادة ، وهي الفتح الّذي لا يشكّ به الحسين ؛ عندما ينظر إليها في امتداداتها البعيدة ، والنتائج التي تُحقّقها في حياة المسلمين .
فلولا شهادة الحسين ( عليه السلام ) ، والنخبة المؤمنة التي خرجت معه إلى العراق ، والهزَّة العميقة الّتي أحدثَتها في وجدان الأُمّة وضميرها … لمَضى بنو أُميّة في غَيِّهم وطيشهم ، وعبثهم بمُقدَّرات الأُمّة ورسالتها . بَيد أنّ شهادة الحسين ( عليه السلام ) أعادت الأُمّة إلى وعيها ورشدها ، وأحسَّتها بمسؤوليّتها الشرعيّة في مواجهة طغيان بني أُميّة وضلالهم .
يقول الشيخ جعفر التُستري ( رحمه الله ) في كتابه القيِّم ( الخصائص الحسينيّة ) :
( فلو كان الحسين يُبايعهم [ بني أُميّة ] تقيّة ، ويُسلِّم لهم ، لم يبقَ من الحقِّ أثَر ، فإنّ كثيراً من الناس اعتقدوا أنّه لا مُخالِف لهم في جميع الأُمّة ، وأنّهم خلفاء النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) حقّاً .
فبعد أن حاربهم الحسين ( عليه السلام ) ، وصدر ما صدر إلى نفسه ، وعياله وأطفاله ، وحُرَم الرسول ، تَنبَّه الناس لضلالتهم ، وأنّهم سلاطين الجَور ، لا حُجَج الله وخلفاء النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) ) (1).
وقد سأل إبراهيم بن طلحة بن عبد الله الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، عن الغالب في معركة الطفّ ، حين الرجوع إلى المدينة ، فقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) :
( إذا دخل وقت الصلاة ، فأذِّن وأقِمْ ، تعرف الغالِب ) (2).
وجواب الإمام السجاد ( عليه السلام ) دقيق متين ، لمَن يتمكّن أن ينفذ من ظواهر الأحداث وسطحها إلى الأعماق ، وعندما يتمكّن الإنسان من رؤية الامتدادات والنتائج البعيدة للأحداث .

سماحة  آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي (ره)

الهوامِش:
(1)الإمامة والسياسة : ص186 ، ط مصر ـ 1969م .
(2)الفتوح ، لابن أعثم : 5 / 10 . وتاريخ الطبري : 7 / 316 .
وقد ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسية : ( أنّ عامل المدينة حينذاك كان خالد بن الحكم ، كتب إليه يزيد يطلب منه أن يأخذ البيعة من الحسين ( عليه السلام ) ) ، كتابه الإمامة والسياسة : ص203 .
(3)الطبري : 7 / 216 ـ 219 ، ط ليدن .
(4)الفتوح : 5 / 10 ـ 19 ، ط حيدر آباد ـ 1968م .
(*) الزرقاء : هي جدّة مروان ، وكانت من البغايا المومِسات ذوات الرايات .
(5)الفتوح لابن أعثم : 5 / 18 .
(6)الإمامة والسياسة : ص 205 .
(7)الفتوح ، لابن أعثم : 5 / 32 . والمقتل ، للخوارزمي : ص188 . ومقتل المقرّم : ص134 ، ط 2 النجف 1956م . ونفس المهموم ، للشيخ عبّاس القمّي : 74 .
(8)إثبات الوصيّة ، للمسعودي : 142 ، ط النجف ، الحيدريّة .
(9)اللهوف : ص15 ، ط صيدا .
(10)نفس المهموم : ص353 ، تحقيق الشيخ رضا أُستادي ، 1405 هـ ـ قم .
(11)الطبري : 7 / 276 . الكامل لابن الأثير : 4 / 28 .
(12)الفتوح لابن أعثم : 5 / 116 . مقتل الخوارزمي ، ط المفيد ـ قم : 8 / 2 ، باختلافٍ يسير .
(13)الإرشاد ، للشيخ المفيد : ص206 . وفي رواية ابن الأثير في الكامل : 4 / 39 ( حتى يكونوا أذلّ من فرام المرأة ) أو ( الأُمّة في بعض الروايات ) .
وفرم المرأة : الخرقة الّتي تستعملها المرأة في الحيض .
راجع كذلك : بحار الأنوار : 44 / 375 .
(14)الكامل لابن الأثير : 4 / 38 ـ 39 ، دار صادر ـ بيروت 1965 .
(15)الكامل لابن الأثير : 4 / 16 ـ 17 .
(16)تاريخ الطبري : 7 / 304 . وكذلك كتاب نفس المهموم للشيخ عبّاس القمّي : ص194 . وكذلك المقتل للسيّد عبد الرزاق المُقرّم : ص200 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 369 ، دار إحياء التراث ـ بيروت ، 1983م .
(17)اللهوف للسيّد ابن طاووس : 13 . والفتوح لابن أعثم : 5 / 24 . مقتل الخوارزمي : 184 ـ 185 .
وليس في المصدرين الأخيرين عبارة ( ولقد سمعتُ جدّي رسول الله ) . ومقتل المُقرّم : ص130 .
(18)تنكّب عبد الله بن الزبير عند مغادرة المدينة الجادّة العامّة التي يسلكها الناس . راجع : الطبري : 7 / 219 ـ 220 . وكذلك الإرشاد للمفيد : ص203 ، مكتبة بصيرتي ـ قم .
(19)الفتوح لابن أعثم : 5 / 34 ـ 35 . وكذلك مقتل الخوارزمي : ص189 . وكذلك الطبري : 7 / 232 .
(20)مقتل الخوارزمي : ص190 .
(21)الفتوح لابن أعثم : 5 / 36 ـ 37 .
(22)مقتل الخوارزمي : ص190 .
(23)تاريخ الطبري : 7 / 314 .
(24)الطبري : 7 / 276 . وكذلك الكامل : 4 / 38 .
(25)مقتل المُقرّم : 256 ، وقد أورد النص بعض أرباب المقاتل بصيغة ( ولا أقرّ لكم إقرار العبيد ) . وكذلك مثير الإحزان : 62 ، ط النجف ـ الحيدريّة ، 1386 .(25)وسائل الشيعة : 6 / 407 ، دار إحياء التراث ، بيروت ـ 1391هـ ، عن تفسير الإمام العسكري .
(26)وسائل الشيعة : 6 / 405 . وكذلك روضة الواعظين للفَتّال النيسابوري : 2 / 364 ـ 365 ، المطبعة الحيدريّة النجف ـ 1386هـ . ق .
(27)الفتوح لابن أعثم : 5 / 27 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 328 . مقتل الخوارزمي : 1 / 186 . وكذلك مقتل المُقرّم : 130 . وكذلك نفس المهموم : 73 .
(28)مقتل الخوارزمي : 10 / 188 . وكذلك الفتوح لابن أعثم : 5 / 33 ـ 34 . وكذلك نفس المهموم : 74 . وكذلك معالم المدرستين : 3 / 61 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 329 .
(29)الطبري : 7 / 240 . وكذلك مقتل المقرّم : 142 ـ 143 . وكذلك نفس المهموم : 90 .
(*) البيضة : ما بين واقصة إلى عذيب الهجانات ، وهي أرض واسعة لبَني يربوع بن حنظلة .
(30)تاريخ الطبري : 7 / 300 . وكذلك نفس المهموم : 190 . وكذلك مقتل المقرّم : 197 ـ 198 .
وفي بحار الأنوار ـ رواه باختلاف يسير ، بعنوان كتاب بعثه الإمام من كربلاء إلى أشراف الكوفة ـ : 44 / 381 ـ 382 . وكذلك الفتوح لابن أعثم : 5 / 143 ـ 144 .
(31)الطبري : 7 / 300 ـ 301 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 381 . وكذلك نفس المهموم : 191 .
(32)تاريخ الطبري : 7 / 277 . كذلك راجع : الكامل لابن الأثير : 4 /40 . والبداية والنهاية : 8 / 166 . ومقتل الخوارزمي : 1 / 220 . ونفس المهموم : 171 ـ 172 . ومقتل المقرّم : 181 .
(33)مقتل الخوارزمي : 1 / 216 . وكذلك الفتوح لابن أعثم : 5 / 111 ـ 112 .
(34)الفتوح لابن أعثم : 5 / 110 ـ 111 . وباختلاف يسير ، مقتل الخوارزمي : 1 / 216 .
(*) مقتل الخوارزمي : 1 / 220 ـ 221 . وكذلك مثير الأحزان لابن نما : 31 . وكذلك المقتل للمقرّم : 182 ـ 183 .
(35)تاريخ الطبري : 7 / 277 ـ 278 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 365 . وكذلك إرشاد المفيد : 218 . وكذلك مقتل المقرّم : 182 . والكامل : 4 / 40 . وكذلك الفتوح لابن أعثم : 5 / 124 .
وبين النصّ الأوّل وبين النصوص اختلاف يسير .
(36)الكامل : 4 / 40 . وكذلك الطبري : 7 / 279 . وكذلك الفتوح لابن أعثم : 5 / 115 . وكذلك الإرشاد للمفيد : 219 ، مكتبة بصيرتي ـ قم .
(37)الملهوف : 56 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 364 . وكذلك نفس المهموم : 164 ـ 165 . وكذلك مقتل المقرّم : 174 .
(38)بحار الأنوار : 44 / 331 .
وقريباً من هذا المضمون ، في إثبات الوصية : 141 . ونفس المهموم : 77 . ومقتل المقرّم : 135 .
(39)الفتوح لابن أعثم : 5 / 27 ـ 28 . وقد أورد هذه الرواية آخرون :
كالمقتل للخوارزمي : 1 / 186 ـ 187 . والمجلسي في البحار : 44 / 328 . وكذلك نفس المهموم : 72 ـ 73 . وكذلك مقتل المقرّم : 130 ـ 131 . ورُويت الرواية أيضاً في معالم المدرستين : 2 / 185 ـ 186 . ط 1 ، 1405هـ .
(40)بحار الأنوار : 44 / 366 ـ 367 . وكذلك اللهوف : 52 ـ 53 . وكذلك نفس المهموم : 163 . وكذلك معالم المدرستين : 2 / 199 . وكذلك لواعج الأشجان للسيّد محسن الأمين ، مكتبة بصيرتي : 63 . وكذلك الوثائق الرسميّة لثورة الحسين : 77 و 78 ، دار التعارف للمطبوعات .
(41)اللهوف : 57 . وكامل الزيارات : 75 . والمقتل للمقرّم : 48 . ونفس المهموم : 75 .
وفي الروايات اختلاف يسير في النصّ .
(42)كامل الزيارات : 75 ، المطبعة المرتضويّة في النجف ، 1956 . وكذلك مثير الأحزان للجواهري : 48 .
(43)الفتوح لابن أعثم : 5 / 135 ـ 137 . وكذلك الإرشاد للمفيد : 224 ـ 225 . ونفس المهموم : 188 ـ 190 . إلاّ أنّ رواية الإرشاد حدَّدت المرّتين ، قبل صلاة الظهر وبعد صلاة العصر من نفس اليوم ، واتبعه في ذلك الشيخ عبّاس القمّي في نفس المهموم .
(43)الكامل : 4 / 40 . وكذلك الطبري : 7 / 279 . والبداية لابن كثير : 8 / 163 . وكذلك الإرشاد للمفيد : 219 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 366 . وكذلك مقتل المقرّم : 174 ـ 175 . وكذلك مقتل الخوارزمي : 1 / 218 . وكذلك لواعج الأشجان : 77 و 78 .
(44)الطبري : 7 / 290 . وكذلك بحار الأنوار : 44 / 371 . وكذلك نفس المهموم : 179 . وكذلك معالم المدرستين : 2 / 202 . وجاء في المصدر السابق : 3 / 63 ( لا يهابون بعدك أحداً أبداً ) .
(45)كامل الزيارات لابن قولويه : 75 / الباب الثالث والعشرون . وكذلك اللهوف : 57 . وكذلك مقتل المقرّم : 48 . وكذلك نفس المهموم : 75 .
(46)الخصائص الحسينيّة للشيخ جعفر التستري : 44 ، المطبعة الحيدريّة في النجف ـ 1956م .
(47)مقتل المُقرّم : 48 . عن أمالي الشيخ الطوسي : 66 ، مكتبة الداوري ـ قم .

التعليق


*