لماذا اختار الحسين (ع) القتال وسيلةً للمواجهة؟!

عندما نحاول أن نقف متأمّلين في القضيّة الحسينيّة، بعيداً من أجواء الحزن والنّواح والصّراخ التي تحوّلت إلى تقاليد متنوّعة الأشكال، مختلفة الأبعاد في سلبيّاتها وإيجابيّاتها؛ فإنّ علينا، بدايةً، أن نحدّد صورة الحسين (ع) في وعينا الإسلامي؛ هل هو رجل العنف الرّافض لمنطق الحوار الهادئ والرّصين، وبالتالي لا يجد وسيلة للتفاهم إلا لغة القوّة والسيف حول القضايا التي تفرض نفسها على الواقع الإسلامي، ويختلف المسلمون حولها، أو أنّ الحسين (ع) يملك صورة غير هذه الصّورة؟

قد يتبادر إلى الأذهان أنّ الحسين (ع) رجل لا يقبل بالحلول الوسط، ولا يرضى بأيّ حوار يُراد منه حلّ المشكلة.

ولكنّنا نعلم أنَّ الحسين (ع) إمام الإسلام، يرتكز في كلّ أقواله وأفعاله وتقريراته على مبادئ الإسلام الحنيف وقيمه وأحكامه وتشريعاته. ونعرف، أيضاً، من خلال القرآن الكريم، ومن خلال سيرة النبيّ محمّد (ص)، أنّ الحوار سُنّة قرآنيّة نبويّة في التصدّي لنقاط الخلاف، ومواطن الاشتباك والتحدّي. فنحن عندما نتابع سيرة النبيّ (ص)، ولا سيّما في صلح الحديبية وفي غيرها، فإنّنا نرى النبي (ص) يدخل في مفاوضات مع قريش المشركة، في الوقت الذي كان كثير من المسلمين لا يرتاحون إلى ذلك. ولكنّ النبيّ (ص) كان ينظر إلى الأفق الأبعد، ويعتبر أنّ الأهداف الاستراتيجيّة لا تعني أن ترتبط بمضمونها بشكل مباشر، ولكن لا بدّ لك من أن تقطع عدة مراحل للوصول إليها، من دون أن تواجه المشاكل الصّعبة التي قد تسقطها في الطّريق، فلا تستطيع بلوغها.

عندما نريد أن نفهم الإمام الحسين (ع) جيّداً، فإنّ علينا أن لا نفهمه في كربلاء فحسب، بل علينا أن نفهمه في الكوفة عندما كان مع أخيه الإمام الحسن (ع).

كان الإمام الحسن (ع) هو إمام الحسين (ع) الذي كان في عصره، والإمام الحسين (ع) كان عليه أن يطيعه. وكان الإمام الحسن يرى في الحسين (ع) الأخ المنفتح على الإسلام كلّه، الذي عليه أن يستشيره، وكانا يتكاملان في مواجهة المشكلة، حرباً عندما شنّ الإمام الحسن (ع) الحرب، وسلماً عندما اختار الإمام الحسن (ع) السِّلم بفعل الظروف الموضوعيّة الصّعبة التي أحاطت بالواقع الإسلامي.

بين الحسن والحسين (ع)

ولذلك، فإنّ من الخطأ الحديث عن أسلوب حسنيّ وأسلوب حسيني، لأنّ الحسن (ع) كان الإنسان المحارب العنيف، ولكنّه واجه الظّروف التي لم تجعل امتداد الحرب واقعيّاً من خلال مصلحة الإسلام العليا في ذلك، كما كان المسالم عندما رأى مصلحة الإسلام تقتضي ذلك.

وهكذا، كان الإمامان الحسن والحسين (ع) شريكين في السِّلم والحرب معاً، وقد تعلّما من أبيهما أمير المؤمنين (ع) الكثير من الأمور في الفترة التي كانت بين وفاة رسول الله (ص) وبين خلافته، فحين كان يسالم ويسلِّم، بالرّغم من كل الصعوبات التي كانت تفرضها عليه مسالمته وتسليمه، كان يقول: “لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصّة“، وكان يقول، وهو يشير إلى دوره في النصح والمشورة والمساعدة للخلفاء الذين تقدَّموه: “فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدّين وتنهنه”.

كان عليّ (ع) الإنسان الذي يتحرّك في السِّلم والحرب من موقع حاجة الإسلام إلى نوعيّة حركته، لا من خلال مزاج عسكريّ يفرض عليه أن يهاجم. كان عليّ (ع) أكثر الناس هدوءاً في إحساسه وهو يدخل الحرب، كما قد يكون أكثر الناس ثورةً وهو يمارس السِّلم.

وهكذا، كانت مسألة الإمام الحسين (ع)، كمسألة أخيه، تنطلق من خلال عنوان واحد: ما مصلحة الإسلام في هذا، وما مصلحته في ذاك؟

أما السِّلم في حياة الإمامين الحسين والحسن (ع)، وأمّا الحرب والعنف في حياة الإمام الحسين (ع)، فالمرحلة هي التي تحدّد ذلك. كانت المرحلة والتحدّيات وطبيعة الحصار الذي فُرض على الإمام الحسين (ع)، ولم يُفرض مثله على الإمام الحسن (ع)، هي التي حدّدت وجعلت أسلوب العنف يتحرّك باعتباره الوحيد. ليست المسألة رفضاً للخيارات التي تنسجم مع مصلحة الإسلام، وإنما ركّزت المسألة بين هذا الخيار وذاك، فكان الخيار الكربلائي هو الخيار الوحيد.

عندما نقرأ سيرة الحسين (ع) في انطلاقته، فإنّنا نجد أنَّ العنوان الذي كان يحكم مسيرته هو عنوان الإصلاح في أمَّة جدّه؛ الإصلاح الفكري في مواجهة الانحراف الفكري، والإصلاح السياسي في مواجهة الانحراف السياسي، والإصلاح الاجتماعي في مواجهة الانحراف الاجتماعي.. وهذا ما لخّصه في كلمتي “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” اللّتين تمتدّان إلى كلّ معروف أو منكر في خطّ الإسلام.

واقعيَّة حركة الحسين (ع)

وكانت واقعيَّة حركته تنطلق من أنَّ هناك قوماً بايعوه عبر سفيره مسلم بن عقيل، وأنّ هناك وضعاً في الواقع الإسلامي في المنطقة الحجازيّة يأخذ شكل ثورة جنينيّة، عبّرت عن نفسها في واقعة الحرّة بعد ذلك، وفي المنطقة العراقيّة، من خلال هذا الضجيج السياسي الرافض الذي كان يتمثّل في أكثر من موقع، ولا سيما في الكوفة.

كانت واقعيّة حركته تنطلق من أنّ الحجّة قد قامت عليه، لأنهم كتبوا إليه: “فقد اخضرّ الجَنَاب، وأينعت الثّمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنَّدة”. ولم يستطع أن يرفض، لأنّ صاحب الرّسالة لا يملك حقّ الرفض عندما تقوم عليه الحجّة، ولو في الشّكل، في مرحلة من المراحل، بحيث تكون الوقائع المحيطة بالتحرّك تمثّل مسألة واقعيّة في الوصول إلى الهدف.

وهكذا رأينا أنّ الحسين (ع) سار في اتجاه أنّ هناك مواجهة، وأنّ هناك وسائل واقعيّة للمواجهة. حتى إذا عرف خذلان الناس في الكوفة، وعرف أنّ المسألة قد اختلفت عما بدأت به، كان لا يزال يعيش هاجس المطالبة للنّاس الذين كتبوا إليه ليقيم عليهم الحجة. ولذلك رأيناه عندما التقى بالحرّ بن يزيد الرياحي في الطريق، أخرج إليه الكتب، وبيّن له سبب قدومه، فقال: “قدمت لأنّ كتبكم جاءت إليّ”. ولم يكن الحرّ، وربما لم يكن الناس الذين معه ممن أرسلوا إليه هذه الرسائل، ولذلك لم يتحمل مسؤوليّة ذلك.

ونحن نلاحظ أنّ كلًّا من الإمام الحسين (ع) والحرّ في تلك الفترة لم يكونا يفضّلان الدخول في المعركة، ولذلك انتهى الأمر إلى تسوية عرضها الحرّ، وذلك بأن يسلك الإمام الحسين (ع) طريقاً لا يرجعه إلى المدينة ولا يدخله الكوفة؛ ما يوحي بأنَّ الحرَّ كان لا يريد أن يدخل الإمام الحسين (ع) الكوفة، كي لا يضعه في يد ابن زياد، وأنَّ الحسين (ع) كان يحاول أن يرجع إلى المدينة من أجل أن يبدأ تحرّكاً في اتجاه جديد أو بأسلوب جديد. لذلك، كانت التسوية المطروحة أن ينطلق في طريق لا يرجعه إلى المدينة ولا يدخله الكوفة، وهكذا وصل الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء…

ولكنّ ابن زياد تدخّل في المسألة، فأرسل إلى الإمام الحسين (ع) ـ كما حدّث ابن سعد ـ الحرّ بن يزيد الذي طرح عليه فكرة أن يكون هناك حلّ سلمي ـ كما نقول في هذه الأيّام ـ فقال له: إنّ أميرك لا يقبل إلا بأن ينزل الحسين (ع) على حكمه وحكم يزيد بن معاوية. والحسين (ع) يرفض ذلك، لأنه يرفض الذلّ، وكان الإمام الحسين (ع) يعمل بكلّ مواعظه وحواراته على اجتذاب هذا الجيش…

إننا نستطيع أن نعرف من كلّ ذلك، أن الحسين (ع) كان بمختلف الأساليب يطرح مسألة حلّ المشكلة بالطريقة التي لا توصل إلى حرب، لأنّ الحرب لن تكون متكافئة، ولكنّه عندما فرضت عليه المسألة في حجم الخضوع لحكم ابن زياد ويزيد، عند ذلك، أصبحت القضيّة تمسّ الاستراتيجيّة ـ كما نقول ـ وتمسّ القضايا الأساسية، وتُحوّل المسألة إلى أن يكون الإمام الحسين (ع) مجرد شخص يبحث عن نجاته. والحسين (ع) عندما كان يعرض الحلول أو الحوار، كان يبحث عن نجاة الرّسالة، وعن بدائل لتحرك جديد يمكن أن ينطلق فيه من اليمن إذا ذهب إلى اليمن، أو إلى المدينة من جديد إذا رجع إلى المدينة، وما إلى ذلك، وانتهى الحوار هنا.

رفض خيار الذّلّ

ومن هنا، نلاحظ أنّ الموقف الحسيني كان الموقف الرافض للحالة الجديدة التي أريد لها أن تفرض عليه، لذلك نلاحظ أنَّ الكلمات التي صدرت عن الإمام الحسين (ع): “لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذّليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد“، كانت رفضاً للطّرح الذي فرض عليه، والذي سوف يؤدّي إلى سقوط الرّسالة تحت تأثير الاعتراف بحكم يزيد وبحكم ابن زياد. والاعتراف بذلك يعني الاعتراف بشرعيّة ما يفرضه عليه الحرّ على كلّ الخطّ الذي يمثّله. من هنا، رأى أنّ الحوار انتهى إلى طريق مسدود وإلى غير نتيجة، لأنّه في كل مسألة تفاوضيّة، يمكن أن يبقى التفاوض مستمراً، ما دام لا يمسّ القضايا الأساسية التي يُراد لها أن تسقط في نهاية المطاف؛ وعند ذلك لا معنى للحوار.

فالحوار والجدال هما في الإسلام وسيلتان للوصول إلى الحقّ وإلى النتائج الإيجابيّة الكبرى، وليسا مجرّد حالتين تنطلقان من مأزق يريد الإنسان أن يخرج منه، ولكنّهما يمثّلان أسلوباً إسلامياً في الأخذ بالرّفق ما دام الرّفق يمكن أن يؤدّي إلى نتيجة، حتى إذا لم يؤدّ الرّفق إلى نتيجة، عند ذلك يأتي العنف… عندما لا يكون هناك حلّ بالرّفق، فالعنف هو الذي لا بدّ أن ينطلق ليحلّ المشكلة وليؤكّد الخطّ.

وعلى هذا الأساس، نفهم أيضاً: “ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللّئام على مصارع الكرام“.

متى نختار العنف؟!

ومن خلال ذلك، نفهم الإيحاء الذي نستطيع أن نعيشه في المسألة الحسينيّة، وهو أنّنا عندما نواجه القضايا الصّعبة والشّائكة في المجتمع الإسلامي من أجل القضايا الكبرى، فعلينا أن نفسح المجال في البداية للوصول إلى نتائج إيجابيّة ما أمكننا ذلك، من خلال الوسائل الموجودة بين أيدينا. حتى إذا أريد لنا أن نرضخ لوضع يلغي الخطّ كلّه أو يُسقِط العزّة كلّها، عند ذلك، يُغلق باب الحوار لينفتح باب العنف، أو باب الجهاد، أو باب القوّة، وما إلى ذلك من كلمات تترادف أو تتنوّع في خصائصها.

وهذا التحليل الذي نطرحه، هو الذي يجعلنا نصل إلى الفكرة الواحدة في كلّ سيرة الأئمّة (ع)؛ وإن كثيراً من الناس يتساءلون: لماذا انطلق الإمام عليّ (ع) ليسالم في مسألة الإمامة في فترة معيّنة، والحقّ له؟ ولماذا يحارب في فترة أخرى؟ لماذا بدأ الإمام الحسن (ع) الحرب ثم وافق على السِّلم؟ لماذا انطلق الإمام الحسين (ع) مع الإمام الحسن (ع) في حركة السِّلم، واختار في نهاية المطاف الحرب؟ لماذا لم يحارب الأئمة من أهل البيت (ع)؟ هل إنّ الأئمة لا يوافقون الإمام الحسين (ع) في حركته، أو أنّ المسألة التي تحكم الخطّ كلّه هي ما هي مصلحة الإسلام، وما هي طبيعة المراحل في تأكيد الأسلوب، وما هي النتائج السلبية أو الإيجابية هنا وهناك؟!…

ولذلك، فإنّ علينا عندما نريد أن ننفتح في كلّ مسيرتنا الإسلاميّة على المسألة الحسينيّة، أن ننطلق من خلال هذه الخطوط التي ترتكز على خطّ فاصل بين الظروف التي تفرض فيها مصلحة الإسلام العليا الأسلوب السلمي، وبين الظروف التي تفرض فيها أسلوب العنف، فالعنف الإسلامي لا ينطلق إلا من خلال مصلحة الإسلام؛ فإذا كان العنف ضدّ المصلحة، فإنّ الذين يعنفون يخونون الإسلام.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
* من كتاب “من وحي عاشوراء”

التعليق


*