بين صناعة الإنسان وصيانته

اسمحوا لي أن أقول إنَّنا اليوم في عالم صراع النَّماذج على مساحة هذا العالم، وفي مساحة هذا الشَّرق الَّذي ربما فتح عينيه على الدّنيا وهو في حرب، ومن حربٍ إلى حربٍ، بكلِّ ما تختزنه الحرب من عنفٍ ومن قسوةٍ، وما تخلِّفه من مآسٍ وأحزان.

هذا الشَّرق يشهد اليوم صراع نماذج. ومع الأسف، فإنَّ واحدًا من هذه النَّماذج يراد أن يطبع الإسلام كنموذجٍ متخلّف، كنموذجٍ لا يملك في قلبة ذرّة من رأفة ومن رحمة، نموذج يعيش سطحيَّة العلم وجمود العقل، نموذج تكراريّ خشبيّ لجملةٍ من المقولات الّتي يحسبها السَّامع ديناً، وهي ليست من الدِّين في شيء. قد تتلو بضع آيات من القرآن، لكنَّها لا تعرف معنى القرآن في عمقه وفي حركيَّته في الحياة.. قد تأتي ببضع كلمات مرويَّة عن رسول الله محمّد(ص)، ولكنَّها لا تفقه تلك الأقوال في قاعدتها، ولا تستوعب تلك الأفعال في سياقاتها المرجعيّة الّتي لا يمكن أن نفهمها إلا من خلالها.

نحن أهل علم، ونعرف أنَّك عندما تنزع مفردةً تريد أن تفهمها بمعزلٍ عن مرجعيَّتها الفكريَّة، فإنَّك قد لا تفهم منها إلا سطحها، لا تفهم منها إلا شيئاً ما قد يغريك بالكثير من البهرجة والزَّهو، لكنَّه فارغ في المضمون.

بين الأصالة والعلم

النَّموذج الّذي تقدِّمه هذه المؤسَّسات اليوم، يختلف عن كلّ ذلك. هو النَّموذج الّذي يجمع بين الأصالة والعلم، الأصالة بكلِّ معنى الطّهر الّذي ينطلق الإنسان ليغرف فيه من الينابيع الصّافية، ونحن لدينا هذا الطّهر، فكلام الله كلّه طهر، وكلام رسول الله وفعله فيما ثبت عنه كلّه نقاء وصفاء وطهارة.. فالنَّموذج الّذي تقدّمه هذه المؤسّسات هو نموذج يجمع بين الأصالة والعلم، لأنّنا نعرف من خلال أصالة النصّ الإسلاميّ، أنّه ليس هناك من حدود أمام هذا العقل، الله خلق هذا العقل في الإنسان، فأكسب الإنسان معنى إنسانيَّته، وجعله من خلال العقل خليفة الله على الأرض. ومع الأسف، حتى مصطلح الخلافة ـ بمعنى أن يكون الإنسان خليفة الله على الأرض ـ تمَّ تشويهه وتسطيحه، ذلك المصطلح الّذي يعني أن ينطلق الإنسان في آفاق العلم والمعرفة والخير والمحبَّة والرّأفة، وكلّ المعاني الإنسانيّة التي انطلقت في أصالتها من صفات الله عزّ وجلّ. ما معنى أن يكون ربّنا هو الرَّحمن الّذي اتّسعت رحمته العالمين جميعاً، وأنا أريد أن أكون خليفة الرّحمن على الأرض؛ هل يمكن أن أكون خليفة الرّحمن على الأرض وقلبي كلّه قسوة ووحشيّة، وكلّه تدمير وإلغاء للفكر الآخر وإقصاء للرّأي وللتّاريخ وللتراث ولكلّ شيء جميل في هذا الوجود؟!

إنّ “الله جميل يحبُّ الجمال، ويكره البؤس والتَّباؤس” – كما ورد في الحديث -. بالله عليكم، الّذي يكون خليفة الله في ذلك، أليس من وظيفته ومسؤوليَّته أن يعزّز هذا الجمال في الكون، أن يعزّزه في الفكر الجميل، وفي الحركة الجميلة، وفي الأفق الجميل، وفي الخطِّ الجميل في كلّ مسارات الحياة؟!

الله جميل يحبّ الجمال، وخلق هذا الكون جميلاً، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، حتى الشّكل الإنسانيّ، هناك من يريد أن يبشّعه! عندما يريد أن يوحِّده في فكر واحد وشكل واحد وحركة واحدة وممارسات واحدة بالقهر والغلبة والقتل والذّبح، والله تعالى يقول: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}[هود: 118-119]. لقد شاء الله أن تكون هذه الحياة مختلفةً، فعندما اختلف النَّبات، أظهر الجمالَ في التنوّع، وعندما اختلفت ينابيع المياه في فيضاناتها وفي حركتها وفي اتجاهاتها، أظهرت لنا هذا الجمال وهذه الحركيَّة المميَّزة في حركة الماء، وأيضاً خلق الإنسان متنوّعاً، لأنّه سبحانه يعرف أنَّ الإنسان محدود فيما ينتج من فكرٍ، وأنَّه يحتاج دائماً إلى الحوار مع الآخر، يحتاج حتّى إلى أن يحافظ على الآخر ويلتقي به، لأنَّه يرصد فيه الوجهة الأخرى عندما يريد أن يدرك الحقيقة كلَّها.

كلّ منّا يدرك الحقيقة من وجهة نظره. أنا أدرك الحقيقة من وجهة نظري عندما أكون مخلصاً لله ومخلصاً للحقّ، ذلك لأنَّ الله هو الحقّ. كيف أكون مخلصاً للحقّ؟ وأنا أحجز الحقَّ في إطارٍ ذاتيّ؟! من منَّا لم يختبر في حياته تغيّر فكره كفردٍ؟ فعندما كنَّا صغاراً، كنَّا نفكِّر بطريقة، ولما كبرنا قليلاً، أصبحنا نفكِّر بطريقةٍ اتَّسعت معها مداركنا.. هذا يعني أنَّنا محدودون، وحتى الإنسان الّذي يبلغ كلّ آفاق العلم، تجده اليوم يتبنّى نظريَّة، وبعد البحث يتبنّى نظريّة أخرى. هذا يعني أنّنا نسبيّون في إدراكاتنا للحقيقة، وأنّنا نحتاج دائماً لكي نبرهن عن إخلاصنا للحقِّ إلى آخر يشاركنا في الحياة.

الإلغائيّون لا يوحِّدون الله! حتّى إن كانوا ينطقون باسم التَّوحيد.. الموحِّد لله هو الّذي يحافظ على التنوّع ويدير هذا التنوّع من خلال الحوار ومن خلال اللّقاء، ومن خلال أن نجعل الحقَّ مسؤوليَّتنا وهدفنا في أن نسعى جميعاً في رحلة البحث الّتي قد لا تنتهي إلا بانتهاء البشريّة.. ما معنى أن يظهر الله في آخر الزّمان تأويل الكتاب، أو أن يظهر حقّ تأويله، أو أن يخرج المخلّص كلّ كنوز الأرض أمام العالم؟ ما معنى ذلك؟ إنَّ هناك تكاملاً للبشريّة، وبالتّالي، نحن لا يمكن لنا أن نكون موحِّدين نفهم عمق التَّوحيد في حركتنا وفي عقيدتنا، بينما ننطلق في حياتنا ملغين مقصين للآخر، مدمِّرين له، أيّاً كان هذا الآخر، إذ إنَّ كلّاً يشكِّل نقطة غنى لهذه الحياة.

بين الأصالة والمعاصرة

النَّموذج الّذي تقدِّمه هذه المؤسَّسات، هو الَّذي يجمع بني الأصالة والمعاصرة، لا بمعنى أن نسقط أمام روح العصر، بل بمعنى أن ننطلق لنتحسَّس ما يجري من حولنا، أن نعي هذا الكون في هذا الوجود، أن نعي أين وصلت مسيرة العلم.. لا يهمُّنا شرق أو غرب في مسيرة العلم، نحن نعتقد أنَّ مسيرة العلم واحدة في الحياة، سبق إليها المسلمون في وقتٍ ما، ثم تركوها وانشغلوا بأمورٍ هامشيَّة، وتابع المسيرة مَنْ في الغرب، فزادوا البحوث بحوثاً، وراكموا على ما أنتجه المسلمون، وأفاضوا في إنتاجٍ جديدٍ وإبداعٍ جديد. واليوم، إذا أراد المسلمون أن يتحركوا في ركب الحضارة والعلم، فعليهم أن لا يعتبروا أنَّ هناك حاجزاً أو فاصلاً بين شيءٍ اسمه شرق وشيءٍ اسمه غرب في مسيرة العلم، كلّ علمٍ هو علم ما دام يبرز دليله على كلّ فكرة، وبرهانه على كلّ نظريّة.. هذا العلم الّذي أراده الله ساحةً للبحث البشريّ، فالعقل عندما يتحرَّك باحثاً بعيداً عن كلّ ما يؤثِّر سلبًا في حركة العقل، هو يدرك شيئاً من آيات الله في الكون، حتى ولو لم يكن مسلماً؛ إذ لا معنى لأن “نؤسلم” العلم، ولا معنى لأن نطلق عليه أيّ وصف. العلم هو علم الحياة الّذي ينطلق ليكتشف ما قدَّره الله من أسبابه في هذا الوجود.

هذا النَّموذج الّذي نقدِّمه ونسعى إلى تقديمه، هو النَّموذج الّذي يجمع بين المعاصرة والاتِّزان، بين المعاصرة والقيم، لأنَّ كثيراً من النَّاس قد يسقطون أمام ما يقدَّم لهم في عصر السّرعة وفي عصر اللاتفكير حتى في موقف أقدامنا. المنظومة القيميَّة الإنسانيَّة التي أكَّدتها كلّ الرّسالات وكلّ الأديان، هي الّتي تسمح لنا بأن نبرز كفاعلين في ركب الحضارة الّذي تنطلق عجلته بسرعة كبيرة، والّذي يكون فاعلاً في هذا الرّكب، هو الّذي يعبّر عن ذاته، لا الّذي يُسقط ذاته أمام الآخرين.

نعم! نحن نركِّز على الشخصيَّة الإسلاميَّة الأصيلة والمنفتحة المفكِّرة الواعية الّتي تعمل على أن تنفتح على كلّ فكرٍ آخر عندما يقدّم برهاناً ودليلاً، ليكون العقل هو الدّليل.. نقدِّر الشخصيّة الإسلاميّة الّتي تنخرط في قلب العصر لتكون فاعلةً فيه من موقع قيمها الّتي لن تختلف بين إسلامٍ ومسيحيّة، وبين حقٍّ يعيش معنى الطّهر الإنسانيّ والفطرة الإنسانيَّة، ودينٍ هنا أو دين هناك.. هذا هو النّموذج الذي نقدِّمه، وهذا هو مسؤوليَّة الجميع.

ودعوني أرجع إلى العنوان الّذي يمكن أن نلمسه في هذا اللّقاء.. فما بين هذا اللّقاء وهذا الصّرح عنوان الإنسان.. بعضنا ـ وهي مسؤوليَّة هذه الصّروح ـ يعمل على صناعة الإنسان؛ لأنّ الإنسان إنما يصنع في فكره وفي قيمه، والجناح الآخر هو هذا الحضور الكريم الَّذي يعمل على صيانة الإنسان.

بين صناعة الإنسان وصيانة الإنسان، نشترك لنكمل هذين البعدين؛ البعد الّذي هو نفحة من روح الله، والبعد الطّيني الّذي يمثِّل هذا الجسد: إنَّ الله تعالى عندما خلق البشريّة قال: {إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}.

إنَّ الطّبّ والصّيدلة، إنّما يعملان على صيانة الإنسان في هذه الحياة، والجسد المريض لا يملك طاقة التّحليق في آفاق الله كما يفعله الجسد الصّحيح، ولن يفكّر عقل بحريَّة بطاقة خاملة.. نحتاج إلى صيانة الإنسان لكي يعبد الله حقَّ عبادته. ولعلّنا ندرك هذا المعنى عندما ندرس كيف أنَّ الشّريعة جعلت للمريض أحكاماً مخفَّفة، ففرضت على الصَّحيح الصّيام، ولكنَّها قالت: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. لماذا؟ لأنَّ الصَّحيح البدن هو الَّذي يستطيع أن يستثمر عناصر الصوم الروحيَّة؛ فإنّ مرتع هذه الرّوح هو هذا الجسد، يكمل كلّ منهما الآخر في معنى الإنسانيّة، وبالتّالي، إذا لم نعمل على صيانة الإنسان، فإنّه سيكون هناك نقصٌ في حركة القيمة الّتي ينطلق الإنسان إليها بروحه، وعندئذٍ، نستطيع أن ندرك أنَّ الطّبَّ أو الصَّيدلة لا يمكن أن تكون مهنةً إذا كانت تتحرَّك لتحقيق المعنى الأصيل لخلافة الله على الأرض {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}. من هو هذا الخليفة؟ هو هذا المخلوق الطّيني، والَّذي فيه نفخة من روح الله.

بين صناعة الإنسان وصيانة الإنسان رحلة مشتركة بيننا في خطِّ الخير وفي خطِّ المحبَّة وفي خطِّ الرَّحمة، ليبقى للإنسان معناه، ولتبقى للإنسانيّة أصالتها، وليبقى الخير هو الّذي يجعل القلب على القلب، والرّوح تعانق الرّوح.

في خطّنا نحو الله، لنرجع إليه يوم نرجع وقد حملنا مسؤوليَّتنا، وأدّينا ما علينا من أمانة..

كلّ الشّكر لكم، كلّ المحبَّة لكم، كلّ العرفان بالجميل لكم، لأنّكم في هذا الخطِّ الإنساني الذي يبقي للإنسانيَّة معناها، في زمنٍ وفي شرقٍ يتوحَّش.

سماحة السيد جعفر فضل الله

التعليق


*