أيّ علاقة كانت بين الحسين(ع) والله؟!

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.

في ذكرى أربعين الحسين(ع):

نستعيد في العشرين من شهر صفر كل عام، ذكرى أربعين استشهاد الإمام الحسين(ع)، والّتي ارتبطت بزيارة مقامه في كربلاء، حيث يفد إليه ملايين البشر من كلّ بقاع الأرض، ليعبّروا عن حبّهم وولائهم واستعدادهم لبذل التضحيات، لتحقيق الأهداف التي سعى إليها، كتلك التي بذلها هو وأصحابه وأهل بيته.

لذلك، نحن ممن يدعون إلى هذه الزيارة لا في هذا اليوم، بل في كلّ يوم، ونشجّع عليها، كونها تمثل تعبيراً عملياً عن الوفاء لهذا الإمام(ع)، الذي بذل كلّ ما بذل من أجل أن يصل الإسلام إلينا نقيّاً صافياً، وللآثار الروحيّة والإيمانيّة التي تتركها الزيارة على الزائرين، وللثّواب الذي يحظون به، ويكفي في ذلك ما ورد عن أحد أصحاب الإمام الصادق(ع)، وهو معاوية بن وهب، قال: استأذنت على أبي عبد الله(ع)، فقيل لي: ادخل، فدخلتُ، فوجدته في مصلّاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربَّه، ويقول: “اللَّهمَّ اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي الحسين بن عليّ صلوات الله عليهم، الّذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم، رغبةً في برّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا. اللّهمّ إنّي أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان، حتَّى ترويهم من الحوض يوم العطش الأكبر”.

إنّنا نريد لهذه الذّكرى، كما لكلّ ذكرياتنا، أن تمثّل لنا فرصة ومناسبة لاستعادة المعاني والقيم التي عاشها الإمام(ع) في حياته، لا لنكتفي كما يكتفي البعض بإظهار عظمة هذا الإمام(ع)، بل حتى نقتدي به لنكون على صورته ومثاله.

وبهذا الاقتداء نحقّق الولاية له، فالولاية ليست فقط عاطفة ومشاعر حبّ ودموعاً، فهي أبعد من ذلك؛ هي سلوك وعمل على نهج من نتولّاه.

وبذلك، لا تعود هذه الذّكرى مناسبةً عابرةً في حياتنا، بل مناسبة تترك أثرها في سلوكنا ومواقفنا، وتتحوَّل بعدها إلى ورشة عمل تهدف إلى الإصلاح وإعادة البناء لنفوسنا وللمجتمع.

علاقة الحسين(ع) بالله:

ونحن اليوم سنتوقَّف عند واحدةٍ من القيم الّتي عاشها الإمام الحسين(ع)، والتي طبعت شخصيَّته في كلّ مراحلها، ولم تغادره حتى اللَّحظات الأخيرة من حياته، وهي علاقته بالله، فقد عاش الحسين(ع) أسمى معاني الحبّ لله، وقد عبّرت عن ذلك فقرات دعاء يوم عرفة؛ الدّعاء الذي يفيض حبّاً وتقديراً وشكراً لله على نعمه وعطاياه، هذا الدّعاء الذي يحرص الحجّاج على قراءته في هذا اليوم المهيب، تعبيراً عن عمق هذه العلاقة. فقد جاء فيه:

“اللَّهُمَّ اجعَلني أخشَاكَ كأنِّي أرَاك، وأسعِدْني بِتَقواك، وَلا تُشْقِنِي بِمعصيتك، وخَرْ لي في قضائك، وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أحُبَّ تأخيرَ ما عَجّلْتَ، وَلا تَعْجيلَ ما أخّرْتَ. اللّهمَّ اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنّور في بصري، والبصيرة في ديني”.

وفي فقرة أخرى من هذا الدّعاء، يستعرض الإمام(ع) مراحل خلق الإنسان، والرّعاية التي خصَّه الله بها في مرحلة من هذه المراحل، والتي تستوجب شكراً وإقراراً بالربوبيّة له تعالى:

“اللّهمَّ إنّي أرغب إليك، وأشهد بالربوبيّة لك، مقرّاً بأنّك ربّي، وأنَّ إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً… فابتدعت خلقي من منيّ يمنى، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث؛ بين لحم وجلد ودم…ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّاً، عَطَفْتَ عَلَيّ قُلُوبِ الْحَوَاضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمَ… أوجبت عليَّ حجّتك بأن ألهمتني معرفتك… لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَجُرْأَتِي عَلَيْكَ، أَنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ ، ووفّقتني لما يزلفني لديك، فإن دعوتك أجبتني، وإن أطعتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني، كلّ ذلك إكمالاً لأنعمك عليَّ، وإحسانك إليَّ، فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد، حميد مجيد…”.

وفي فقرة أخرى من هذا الدّعاء، يدخل الإمام(ع) في تفاصيل نعم الله، فيقول: “يا من حفظني في صغري، يا من رزقني في كبري، يا من أياديه عندي لا تحصى، ونعمه لا تجازى، يا من عارضني بالخير والإحسان، وعارضته بالإساءة والعصيان، يا من هداني للإيمان من قبل أن أعرف شكر الامتنان.. يا من دعوته مريضاً فشفاني، وعرياناً فكساني، وجائعاً فأشبعني، وعطشاناً فأرواني، وذليلاً فأعزني، وجاهلاً فعرَّفني، ووحيداً فكثّرني، وغائباً فردّني، ومقلّاً فأغناني، ومنتصراً فنصرني، وغنيّاً فلم يسلبني، وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأني، فلك الحمد والشّكر، يا من أقال عثرتي، ونفّس كربتي، وأجاب دعوتي، وستر عورتي، وغفر ذنوبي، وبلغني طلبتي، ونصرني على عدوّي، وان أعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها”.

وفي تعبيرٍ آخر عن هذه العلاقة، ما حصل ليلة العاشر من المحرَّم، عندما جاء إليه العبّاس قائلاً له: إنّ القوم استعدّوا للقتال ويريدون الهجوم، فقال له: “ارجع إليهمواستمهلهم هذه العشيّة إلى غد، لعلَّنا نصلّي لربّنااللّيلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني أحبّ الصّلاةله وتلاوة كتابه وكثرة الدّعاء والاستغفار”.

وهنا تأمّلوا، أيّها الأحبَّة، كيف سمت علاقته بربّه إلى هذا المستوى، فهو لا يحبّ شيئاً كحبّه للصَّلاة وتلاوة القرآن والدّعاء والاستغفار، ولا يريد لأيّ شيء أن يبعده عنها.

وتذكر السّيرة أنَّ الحسين(ع) وأصحابه باتوا ليلة العاشر ولهم دويّ كدويّ النَّحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد.

وقد روي عن الإمام زين العابدين(ع): “أنّه في اللّيلة التي قُتل أبي في غدها، قام اللّيل كلَّه يصلّي، ويستغفر الله ويدعو ويتضرّع”.

وفي يوم العاشر، وفي أصعب الأوقات وأحلك الظّروف، حرص على أن لا يفوته اللّقاء بربّه، فعندما جاء إليه من يقول له: حان وقت الصّلاة، أدّى(ع) الصّلاة جماعةً بأصحابه، رغم السِّهام التي كانت توجَّه إليه. حينها، وقف أحد أصحابه أمامه يحميه بجسده، حتى نخرت السِّهام جسده، وسقط شهيداً بعد انتهاء الحسين من صلاته.

هذا هو الحسين(ع)، فإذا أردنا أن نضيء على أبرز معالم شخصيَّته، فإنّنا لا نراها إلا في هذا الحبّ الدَّافق له، هذا الحبّ هو الّذي جعله يبذل كلَّ شيء ويضحِّي بكلِّ شيء في كربلاء لأجله، كان يرى الموت سعادةً، ولأجله كان لا يرى الألم، حتى لو كان بحجم ذبح ولده الرّضيع بين يديه، والذي عبَّر عنه بقوله: “هوَّن ما نزل بي أنّه بعين الله”، ولسان حاله في ذلك:

تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواك وأيتمتُ العيالَ لكي أراك

فلو قطّعتَــني بالحـبّ إرباً لَـما مال الفؤادُ إلى سواك

صمّام الأمان وسبيل العزّة:

إنّنا أحوج ما نكون إلى هذا الزاد الروحيّ، إلى تعزيز هذا الحبّ لله، ونحن إذا كنّا نخشى على أنفسنا وواقعنا، فإنّنا نخشى أن نفقد هذا الحبَّ، حينها، لن نعطي أهميّة للصّلاة أو لصلاة الجماعة أو الجمعة والدّعاء وتلاوة القرآن وقيام اللّيل أو الحضور إلى المساجد، وستفقد هذه العناوين روحيّتها في النفوس، بحيث تتحوَّل إلى طقوس لا أثر لها.

إنَّ هذه العلاقة بالله، أيُّها الأحبَّة، هي صمَّام أماننا وحصننا التي نتحصَّن به، وهي الباب الّذي نطرقه لبلوغ عزّتنا وتحقيق أهدافنا في الدّنيا والآخرة، والّتي لا يمكن تحقيقها إلّا من خلال الله، فلا عزَّة إلا به، ولا نصر لا رزق ولا تدبير إلا منه.

وهذا ما نقرأه في الدّعاء: “اللّهمّ إنّي أخلصتُ في انقطاعي إليك، وأقبلتُ بكلِّي عليك… فكم قد رأيتُ يا إلهي من أناسٍ طلبوا العزَّ بغيرك فذلّوا، وراموا الثَّروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الارتفاع فاتّضعوا…”.

فنحن مع الله لن نخسر، نحن رابحون دائماً، نربح في الدّنيا، ونربح الرّبح الوفير في الآخرة؛ نربح في الدّنيا قلوب النّاس ومحبّتهم واحترامهم، ونربّح عزّة وحريّة، كما نربح الجزاء الأوفى عند الله وفي ظلال رضوانه. وهنا نورد الحديث: “من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين النّاس، ومن أصلح أمر آخرته، أصلح الله أمر دنياه”.

والحسين(ع) هو خير مثال، فهو عندما أحبّ الله، ومتّن علاقته به، تجلَّت شعاراته ومواقفه في القلوب والضّمائر، وتحقَّقت في الحياة في استمرار الرِّسالة التي بذل حياته لأجلها.

هذه سنَّة الله في الحياة، عبّر عنها الله عندما قال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً}.

نسأل الله أن نكون من الموالين للحسين(ع)، ولكلِّ هذه العترة الطّاهرة، ولن تجد لسنَّته تبديلاً، ولنأخذ العبرة ونرى أين هو وأين أعداؤه.

السيد علي فضل الله

التعليق


*