الدّم القليل المعفوّ عنه في الصّلاة

النجاسات، مصطلح فقهيّ، وهو جمع النجاسة، ويقال للمتّصف بها “نجس”، أي غير طاهر. وهناك قاعدة في الفقه بما يتعلّق بحكم النجاسة المعفوّ عنها، وهي أنّ الدّم الذي تقلّ مساحته عن الدّرهم، أي ما يكون أقلّ من مساحة عقدة السبّابة (السبّابة، الإصبع التي بجانب الإبهام) معفوّ عنه في الصلاة، ولكنّه نجس، فيتنجّس ما يلاقيه برطوبة مسرية، ويطهر محله بإزالة عين النجاسة وصبّ الماء عليه.

في ما يُعفى عنه من النجاسة في الصّلاة أمور، منها: الدم القليل: يعفى عن الدّم الذي تقلّ مساحة انتشاره عن سعة الدّرهم، والأحوط اعتبارها بمقدار عقد الإصبع السبَّابة، وهي المجاورة للإبهام، بلا فرق بين ما كان على البدن أو اللّباس، ولا بين ما كان من دم النفس أو الغير.

وإذا شكّ في أنَّ هذا الدم هل يبلغ المقدار المعفوّ عنه أو أنّه أكثر، يبنى على كونه معفوّاً عنه، إلاَّ أن يكون المكلّف عالماً قبل ذلك الشّكّ أنَّ الدم أكثر من المقدار المعفوّ عنه.

وإذا كانت سعة الدّم أقلّ من مقدار الدرهم، لكنَّه شكّ في كونه من الدّم المعفوّ عنه أو من غيره، بنى على العفو كذلك، ولا يجب عليه الفحص، وتصحّ الصّلاة به، حتى لو انكشف بعدها أنّه من غير المعفوّ عنه.[فقه الشّريعة، ج1].

فيما يعفى عنه في الصّلاة من النجاسات، يذكر منها المرجع السيّد علي السيستاني:

الدم في البدن واللّباس، إذا كانت سعته أقلّ من الدّرهم، ويستثنى من ذلك دم الحيض، ويلحق به على الأحوط لزوماً دم نجس العين والميتة والسّباع، بل مطلق غير مأكول اللّحم، ودم النفاس والاستحاضة، فلا يعفى عن قليلها أيضاً، ولا يلحق المتنجّس بالدّم به في الحكم المذكور.

إذا اختلط الدّم بغيره من قيح أو ماء أو غيرهما، لم يعف عنه. وإذا تردّد قدر الدّم بين المعفوّ عنه والأكثر، بنى على العفو، إلا إذا كان مسبوقاً بالأكثريّة عن المقدار المعفوّ عنه، وإذا كانت سعة الدّم أقلّ من الدّرهم، وشكّ في أنه من الدم المعفوّ عنه أو من غيره، بنى على العفو ولم يجب الاختبار، وإذا انكشف بعد الصّلاة أنّه من غير المعفوّ، لم تجب الإعادة.

والأحوط لزوماً الاقتصار في مقدار الدّرهم على ما يساوي عقد الإبهام. [منهاج الصالحين] .

وما ذكر في كتب أهل السنّة والجماعة، أنّ الدّم نوعان؛ مسفوح وغيره. ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح، فلا تصحّ الصلاة معه، سواء كان في الثّوب أو البدن أو المكان؛ لعموم قول الله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى? طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا}[الأنعام: 145]، وقد نَقل الإجماع على نجاسته ابن حزم في مراتب الإجماع، وعزاه ابن رشد في بداية المجتهد 1/‏ 86 إلى الجمهور.

أمّا غير المسفوح، وهو الذي يكون على الجلد بعد إصابته بجراحة، أو على الثّوب، فإن الجمهور من أهل العلم على أنه معفوّ عنه؛ لكونه يسيراً، ولمفهوم تقييد تحريمه ونجاسته في الآية الكريمة بالمسفوح، فدلّ بالإشارة على أن غير المسفوح معفوّ عنه.

وهو ما نصّ عليه أئمّة المذاهب الأربعة في كتبهم المختلفة، وقد حددوا القليل المعفوّ عنه بقدر الدّرهم البغلي، أي الدائرة التي تكون بباطن الذّراع من البغل، ويدخل في هذا العفو من رعف في الصّلاة وكان يعلم أنّ الدّم لا ينقطع، فإنه يتم صلاته على حاله، وله الإيماء بالرّكوع والسجود، كما نصّ عليه ابن شاس المالكي في الجواهر الثّمينة 1/‏113.

التعليق


*