هل من مبرِّرٍ شرعيٍّ للحيل الشّرعيَّة؟!

قضيّة الحيل الشرعيّة من القضايا المعقّدة، وإنّ القائلين بها ينطلقون من أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها، فإذا استطعنا أن نغيّر الموضوع، فإنّ الحكم يتغير.

لهذا، فإنّ مسألة الحيل الشرعيّة تنطلق من إيجاد بعض الأساليب التي تخرج الموضوع من موضوعيّته المحدّدة، لنحصل على حكم جديد.

ومن الأمثلة التي ترد في هذا المجال، المعاملة الربويّة التي تكون خاضعة لاشتراط الزّيادة، كما هو الحال عندما تقرض إنساناً مالاً بفائدة قدرها كذا، وهذا ربا بعينه، أمّا إذا بعته ما قيمته ليرة بعشرة آلاف ليرة، ففي هذه الحالة، لا تكون هذه معاملة ربويّة، لأنَّ ما أخذته من الزّيادة أخذته مقابل شيء بعته، ولا مانع من أن يشتري الإنسان شيئاً يساوي مثلاً درهماً بألف درهم، إذا كانت الظّروف المحيطة تقتضي أن يشتريَ هذا الشّيء بثمن أكبر. كما في المثال المعروف: نذر شخص أن يبيع جملاً بدرهم، وعندما أراد أن يفيَ بنذره، حار كيف يفعل، فذهب عند الفقيه، فعلّمه أن يبيع الجمل مع القلادة بألف درهم، والقلادة لا تساوي ألف درهم. وبهذا، فإنّه وفى بنذره، حيث باع الجمل بدرهم، من خلال ضمّ القلادة إليه الّتي جعل قيمتها تساوي قيمة الجمل.

إنّ القائلين بهذا المعنى، قد يستندون إلى بعض الأحاديث التي جاءت عن أهل البيت (ع). قال بعضهم للإمام الباقر (ع): إنّها حيلة، قال: نعم، إنّها حيلة للفرار من الحرام إلى الحلال…وإذا كانت هناك روايات وردت بهذا المعنى، إلا أنّ بعض الفقهاء امتدّوا بها إلى غيرها من الأحكام، حتى أصبح هناك باب يسمّى باب الحيل الشرعيّة.

ولكنّنا عندما ندرس هذه المعاملات، نرى أنَّ العقود تابعة للحالات الجديّة، وإنّنا لا نرى أنَّ هناك جديّة إراديّة التزاميّة في هذا المجال. لكنّنا نقول: لو ثبت عندنا دليل على بعض هذا، فعلينا أن نلتزم به في مورده تعبّداً، وأن نرجع في غيره إلى القواعد العامّة، ونجد أنّ هذه القواعد عقلائيّة، فإنَّ العقلاء يعدوّن مثل هذه المعاملات (الحيل) خارجة عن الأصول المتّبعة بالعنوان الذي يتحرّك معه، لأنّهم يرون أنّ المعاملة هذه لا قصد فيها، فليس هناك أحد يشتري علبة كبريت بألف دينار، إلا في الحالات التي إذا كان عود الثقاب له ضرورة كبيرة جداً، بحيث يفقد نفساً أو يفقد فرصةً كبيرةً، ففي هذه الحالة قد يشتريه، أمّا عندما يشتري علبة كبريت قيمتها ليرة واحدة بمليون ليرة، بمجرّد أن يقرضه ذاك، فإنّ الناس يفهمون بأنّها عمليّة ربويّة.

لذلك نقول: إنّ الحيل الشرعيّة قد لا تكون مبرّرة شرعاً ما لم يرد هناك نصّ فيها، ولعلّنا نستوحي ذلك من التَّوبيخ الحاصل على أثر الحيلة الشرعيَّة التي كان يقوم بها اليهود، عندما حرّم الله عليهم الاصطياد في يوم السّبت، فوضعوا حظائر يتجمّع فيها السّمك، فيصطادونها يوم الأحد، فوبّخهم الله على ذلك، ما يوحي بأنّه تعالى يريد من تكاليفه أن تؤخذ من الواقع لا من خلال الشّكل.

* من كتاب “الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل”.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

التعليق


*