الصّبر

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 153].

جاء في تفسير المنار: “إنّ الصبر ذكر في القرآن سبعين مرّة، وهذا يدلّ على عظم أمره، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقروناً بالتواصي بالحقّ، إذ لا بدّ للدّاعي إلى الحقّ منه”.

واشتطّ صاحب البحر المحيط، حيث قال: إنّ الصبر والصلاة ركنا الإسلام .

وذهل عن حديث: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً.. وليس الصّبر منها، كما ذهل عن أنّ التكاليف الإسلامية منها مولوية إلزامية يلحظ فيها الصّدور من الأعلى إلى الأدنى، ويحاسب المكلّف ويعاقب غداً على مخالفتها، كالأمر بالصلاة ووفاء الدَّين، وما إليهما، ومنها تكاليف إرشادية وردت لمجرّد النصيحة أشبه بالأمر من المساوي، لا يعاقب المكلَّف على تركها، كالأمر بالنّظافة، وغسل اليد قبل الأكل، والنّهي عن إدخال الطعام على الطعام، ونحو ذلك. والأمر بالصبر من هذا النّوع يراد به مجرد الإرشاد والنصيحة، وأين هذا من أركان الدين التي يستوجب تركها الخروج عن الدّين؟

ثم إنّ الصّبر لا يحمد لذاته، ومن حيث هو، وإنما يحمد ويحسن إذا كان وسيلة لغاية نبيلة، كالصبر في الجهاد المقدَّس، والصبر على الفقر والعوز من أجل العلم وتحصيله، والصبر على المكاره من أجل العيال وتربية الأطفال، أو لإغاثة ملهوف، والصّبر على كلمة من سفيه دفعا للشّرّ، أو على فقد عزيز لا يردّه الجزع والهلع، بل يزداد المصاب تفاقماً، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “من عظَّم صغار المصائب، ابتلاه الله بكبارها”، أي أن تفاقم الجزع يوقع الرّجل المصاب في ما هو أشدّ وأعظم. وقيل لبزرجمهر: “ما لك أيّها الحكيم لا تأسف على ما فات، ولا تفرح بما هو آت؟ فقال: إنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة” . وقال آخر: “لا أقول لشيء كان ليته لم يكن، ولا لشيء لم يكن ليته كان”.

وقد يكون الصبر قبيحاً مذموماً، كالصبر على الجوع مع القدرة على العمل، وعلى الاضطهاد، ففي هذه الحال، يحسن الصّبر في كفاح الظالم ونضاله .

وتسأل: ما هي المناسبة بين الصّلاة والصّبر، حتى قرنا معاً في آية واحدة؟.

الجواب: إنّ معنى الصّبر توطين النفس على احتمال المكاره، ويحتاج هذا إلى الثقة بالله، والإيمان بأنه (مع الصّابرين). وليس من شكّ أنّ الصلاة تؤكّد هذه الثقة، وتثبت هذا الإيمان، بالإضافة إلى أن مناجاة الله سبحانه تخفّف من وطأة المصاب.

الشيخ محمد جواد مغنية
*من كتاب “تفسير الكاشف”،ج1.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*