قراءة في كتاب ”العالم قبل وبعد محمد“

يتعامل الغرب مع بقيَّة العالم، انطلاقاً مما يعتبره تفوّقاً حضاريّاً يتميَّز به، حيث يقود منذ “عصر النّهضة” ركب الحداثة والتقدّم، إذ لعب الدّور الأساس في التطوّر غير المسبوق على المستوى العلميّ والتقنيّ للبشريّة الّتي دخلت عصر العولمة، مع انفجار ثورة وسائل الاتصالات والتكنولوجيا، الّتي غيّرت الكثير على مستوى حياة البشر وواقعهم، وجعلت العالم بمثابة قرية كونيّة.

ويتعاطى الغرب مع التّاريخ الإنسانيّ، انطلاقاً من خلفيّة استعماريّة، ترتكز على فكرة تفوّقه على بقيّة الحضارات والأمم، واعتبارها تابعةً له، وخاضعةً لتقدّمه الحضاريّ.

وقد انعكست هذه النّظرة على تعاطيه مع قضايا العالم، وخصوصاً قضايا المسلمين، الّذين يشكّلون نسبةً كبيرةً من سكان العالم، وقد تجلّى ذلك من خلال حركة الاستشراق وكتابات المستشرقين، التي انطلقت من خلفيّات عنصريَّة واستعماريَّة.

ويبحث كتاب “العالم قبل وبعد محمد”، الصّادر عن دار نشر جامعة برنستون (2014)، لمؤلّفه غارث فودن، في موقع الإسلام على الصّعيد الحضاريّ، وعلاقته بالحضارة الغربيّة، كما ينتقد الرؤية الأوروبيّة الخاطئة لمجمل التّاريخ البشريّ، وبخاصة موقع الإسلام في مسيرة هذا التّاريخ.

يعتبر فودن أنَّ الأوروبيين ينظرون إلى التاريخ، باعتبار الحضارة الأوروبيّة هي نقطة الارتكاز فيه، حيث قاموا من هذا المنطلق بتقسيم تاريخ الحضارات إلى ثلاثة عصور:

ـ العصر القديم: يضمّ الحضارة الفرعونيّة، وحضارات بلاد ما بين النّهرين، وبلاد فارس، ثم الحضارة اليونانيّة ـ الرومانيّة، الّتي شكَّلت أساس المنظومة القيميّة اليهوديّة ـ المسيحيّة.

العصور الوسطى: تمثّل التّدهور القيميّ للحضارات القديمة، وتمثّل عصور الانحطاط والتّراجع القيميّ، الّذي أدّى إلى بناء إمبراطوريّة شرقيّة هي الإمبراطوريّة البيزنطيّة، وأخرى غربيّة، هي الإمبراطوريّة الرومانيّة الغربيّة، الّتي استمرّت حتى سقوطها على يد محمد الفاتح في القرن الخامس عشر ميلادي، بعد دخوله القسطنطينيَّة.

عصر النّهضة: الَّذي يعتبر عصر السّيطرة الأوروبيّة، ويبتدئ من القرن الخامس عشر حتى الوقت الحالي، حيث يعتبرونه العصر الّذي نهضت فيه أوروبّا وحدها، بما تمثّله من حضارة الغرب، لتبقى سائر الحضارات في مواقع التخلّف.

ترتكز هذه الرّؤية على مركزيّة أوروبّا والغرب، حيث يتمّ التَّحديد والتَّصنيف في مدراس الغرب وجامعاته، على أساس هذه المركزيّة، وهذا ما ينعكس في كتابات المؤرِّخين الغربيّين.

يعتبر الكاتب أنّه حتى يطّلع الباحثون الغربيّون بشكل علميّ على دور الإسلام في مسيرة التاريخ، ينبغي لهم أن يخرجوا من النّظرة النّمطيّة المرتكزة على التفوّق الغربيّ، ويؤكّد “أنَّ تسيّد الغرب في طريقه إلى أن يصبح تاريخاً ماضياً، ينشغل المؤرّخون بتفسير أسباب زواله، بالدَّرجة نفسها الّتي يتجادلون بها فيما بينهم عن أسباب نشأته”.

يحاول فودن على مدى سبعة فصول، أن ينظر بشكلٍ علميٍّ إلى تاريخ الحضارات ودور الإسلام الأساسي، حيث يبدو ملمّاً بالفلسفة اليونانيّة والقوانين الرومانيّة، ويتناول جوانب من التاريخ الإسلاميّ بمدارسه الفقهيّة، ويتوقّف عند إسهامات الكندي والفارابي وابن سينا، إضافةً إلى إطلالاته على الفلسفات الشرقيّة، وغيرها من الموضوعات.

أهمّ ما يقدّمه فودن، من خلال كتابه، يتمثّل في طرحه لفكرة الخروج من المركزيّة الأوروبيّة في تناول التاريخ العام للبشريّة، وتوسعة نطاق البحث شرقاً ليشمل العالم الإسلاميّ. كما أنه يوسّع نطاق البحث الزمنيّ، ليضمّ “الألف سنة الأولى بعد الميلاد”، والّتي يعتبرها منبع التيارات الفكريّة والفلسفيّة والدينيّة والقانونيّة في العصر الحديث، سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب.

يدعو فودن في خاتمة الكتاب إلى تكوين مجموعات بحثيّة، تقوم بدراسة موضوعات حضارية بشكل علمي ومنهجي أكثر اتساعاً وشمولاً مما يتمّ في الوقت الحالي.

المصدر: مختارات موقع بينات

التعليق


*