كيف نحب الله؟

:: الجزء الأول ::

ولك أن تسألني وأتساءل معك: إذا كانت علاقتنا مع الله لا بدّ أن تُبنى على أساس الحبّ لا الخوف، فكيف يتسنّى لنا أن نتذوّق حلاوة حبّ الله تعالى؟ أو كيف نصل إلى مرتبة المحبّين لله سبحانه؟

والجواب: إنّ الوصول إلى درجة المحبّين لله تعالى، ليس بالأمر الهيّن، ولكنّه في الوقت عينه ليس بالأمر المستحيل أو المتعذر، فالله سبحانه قد هيّأ نفوس العباد ومنحهم استعداداً ذاتياً لتلقي وتقبّل كلّ معاني الكمال والجمال والخير، وفطرهم على توحيده وغرس في قلوبهم أشجار محبّته، وهو عزّ

وجل لا يحتجب عنهم، وإنّما هم الذين يصنعون الحجب بينهم وبين الله تعالى، وقد ورد هذا المعنى في دعاء السَّحّر للإمام زين العابدين والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، حيث يتوجّه (ع) إلى محبوبه وخالقه قائلاً : “وأنّك لا تحتجب عن خلقك إلاّ أن تحجبهم الأعمال دونك”، فأعمالهم السيئة

والقبيحة هي الحجب التي تمنعهم من رؤية الله تعالى بعين البصيرة، وهي الموانع التي تفقدهم الإحساس بتذّوّق حلاوة الحبّ الإلهي، ومن هنا فكلّما انجرف الإنسان مع الشهوات فإنّ ذلك سيبعده عن الله تعالى، ويفقده شيئاً من حلاوة حبّه، الأمر الذي يجعلنا بحاجةٍ ماسّة إلى إعداد برنامج خاص

يمكّننا اعتماده من الوصول إلى تلك المرتبة.

وهذا البرنامج يقوم على عدة أسس قد تـحدّث عنها علماء الأخلاق والعرفان، ويهمّني هنا الإشارة إلى بعض الخطوات الأساسية التي يمكننا استلهامها من القرآن الكريم، وهي خطوات هامّة ولا يستغني عنها الإنسان السائر في طريق محبّة الله، والساعي للوصول إلى تلك الكرامة العظيمة، وهي

أن يكون ممن يحبّهم الله، وأعتقد أنّ اعتماد هذه الخطوات سيضع الإنسان على الطريق الصحيح، والخطوات هي:

1- ” فاتّبعوني يحببكم الله”

وأولى هذه الخطوات التي لا يتسنّى للإنسان دونها الوصول إلى رتبة “يحبّهم الله” هي الالتزام بالخطّ الرساليّ الذي جاءت به الرسل، فمحبّة الله تعالى لا تنال بمجردّ الإدعاءات الفارغة والمظاهر الخادعة والمزاعم العريضة، كما جرى مع بعض أتباع الشرائع السماوية السابقة الذين حدثنا عنهم

القرآن الكريم بالقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، وقد فنّد الله تعالى مزاعمهم وردّ ادعاءاتهم: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة 18].

إنّ محبّة الله إنّما تُنال بالالتزام والسير العملي الجادّ والصادق في خطّ طاعة الله، واتّباع رسله، وعلى رأسهم نبيّنا محمّد (ص)، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران 32].

أعمال يحبّها الله:

وقد أوضح لنا القرآن الكريم في العديد من آياته أهمّ الأعمال التي يحبّها الله تعالى، وإليك العناوين العامّة لهذه الأعمال التي جاء التعبير القرآني حولها بصيغة “يحبّ”، دون الدخول في بيان تفاصيلها ودون ذكر ما يناظرها في المعنى مما ورد في القرآن أو في السّنة المعتبرة بألسنة مختلفة: 

منها: التوكل على الله، قال تعالى: {فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران  159].

ومنها: الإحسان، قال تعالى: { .. وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة 195، ولاحظ آل عمران 134، المائدة 13وغيرها]

ومنها: الصبر، قال تعالى:{ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } [آل عمران 164 ]

ومنها: التقوى، قال تعالى: { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران 76 ولاحظ: التوبة آية 4 و7]

ومنها: التوبة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة 222]

ومنها: العدل، قال تعالى: { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة 42 ولاحظ: الحجرات 9، والممتحنة 8].

ومنها: التطّهر، قال سبحانه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة 108].

ومنها: الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف 4].

وأخرى يبغضها:

وفي المقابل، فإنّ هناك أعمالاً صرّح القرآن الكريم بأنّ الله لا يحبّها، لأنّها تمثّل خروجاً عن خطّ الاستقامة، وتعود بالضرر البليغ على الإنسان، وإليك عرض مجمل ومختصرة لهذه الأعمال، مع الاقتصار – أيضاً – على العناوين الواردة بصيغة “لا يحبّ” في القرآن الكريم دون ما يناظرها في

المعنى مما ورد في الكتاب والسّنة المعتبرة:

منها : الإعتداء، وقد ورد ذلك في العديد من الآيات، قال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة 190، والأعراف 55].

ومنها: الفساد والإفساد، قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة 205]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة 64، والقصص 77]


ومنها: الكفر، قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران 32، الروم 45]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة 276]

ومنها: الظلم، قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران 57، 140، والشورى 40]


ومنها: التكبّر، قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان 18، ولاحظ: النساء 36، والحديد 23]، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل 23].

ومنها: الخيانة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيماً} [النساء 107]، وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال 58، ولاحظ: النحل 38].

ومنها: الفحش وقول السوء، قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء 148].

ومنها: الإسراف، قال تعالى: { وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام 141، والأعراف 31].

ومنها: البطر، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص 76].

ومن الضروري التنبيه إلى أنّ الله تعالى يهتمّ بدوافع العمل (النوعية) أكثر مما يهتّم بكثرته (الكمية)، وعليه فكلّ عمل يؤدّيه المكلّف خالصاً لوجه الله، أو لخدمة عيال الله، ولا ينطلق في عمله رياءً أو عجباً فهو عمل يرضاه الله ويحبّه ويثيب العبد عليه حتى لو كان يسيراً، وكل عمل يدخله الرياء

والعجب فهو عمل يبغضه الله حتى لو كان جليلاً وكبيراً، ومن هنا فإنّ الله قد امتدح أهل بيت النبيّ (ص)، لأنّهم يطعمون الطعام على حبّ الله تعالى، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان 8 و9]، بناءً على

أنّ مرجع الضمير في كلمة {حبّه} إلى الله تعالى، كما يرى جمع من المفسرين، وليس إلى الطعام كما يرى جمع آخر.

ونظيره قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا

وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة 177].
وفي تفسير قوله: {وآتى المال على حبّه} يأتي الاتجاهان المذكوران في الآية السابقة.

2- مجاهدة النفس” أروضها بالتقوى”:

وثاني هذه الخطوات وهي مكمّلة للخطوة الأولى، هي العمل على مجاهدة مستمرّة للنفس الأمارة حتّى لا يسيطر عليها حبّ الأنا أو حبّ الدنيا، بما يعميها عن الهدى أو يصدها عن التقى، أو يحجبها عن حبّ الله أو يبعدها عن لذيذ مناجاته، وما أكثر الحجب التي تَحجُبنا عن الله تعالى! فيغيب حبّ

الله عن قلوبنا في غمرة الهوى، وسطوة الشهوات، ووسوسة الشيطان!

وما أكثر العناصر التي تشدّنا نحو الإخلاد إلى الأرض وتحول بيننا وبين الطاعة والزلفى، فهناك النفس الأمّارة بالسوء التي تزيّن لنا الهوى، وهناك الشيطان الذي يغوينا ويملأ صدورنا بالوساوس، أمام كلّ ذلك يكون لزاماً علينا بعد الاستعانة بالله تعالى[1] أن نعيش حالة طوارىء روحيّة

وحالة استنفار مستمرّة، وحالة جهاد لا تتوقّف للنفس الأمارة بالسوء، قال عليّ (ع): “إنّما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتيّ آمنةً يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق”[2].

ولنتأمل في استخدامه (ع) لفعل المضارع “أروضها” الدال على الاستمرار والتجدد.

والرياضة بطبيعة الحال تستدعي محاسبة النفس ومراقبتها في دوافعها ومنطلقاتها وفي هبوطها وارتفاعها، وللإنسان بحاجة إلى المراقبة والمحاسبة المستمرّة لا لنفسه وقلبه فحسب، بل لعقله وسلوكه أيضاً، لأن تلوّث العقل سيؤثّر سلباً على القلب، كما أنّ أيّ انحراف في السلوك، سوف يؤثّر على

القلب أيضاً وربّما يميته، في الحديث القدسي: “يا موسى (ع) لا تنسني على كلّ حال فإنّ نسياني يميت القلب”[3].

3- التأمل في آيات جماله وجلاله:

والخطوة الثالثة على هذا الطريق، هي أن يعيش العبد على الدوام حالة تأمّل وتفكّر في آيات جمال الله وسبحات جلاله ومعاني كماله ودلائل حكمته ومظاهر قدرته عزّ وجلّ، فإنّ ذلك مدعاة لمحبته وعشقه، وعشقُ المحبوب يبدأ بعشق صفاته.

وقد أشارت رابعة العدوية إلى بعض هذه المعاني في مناجاتها الشعرية المعروفة :

أحبّك حبّينِ: حبَّ الهوى * وحبّاً لأنّك أهلٌ لذاكا

فأمّا الذي هو حبُّ الهوى * فشغلي بذكركَ عمّن سِوَاكا

وأمّا الذي أنت أهلٌ له * فكشفُك لي الحجْبَ حتى أرَاكا

فلا الحمدُ من ذا ولا ذاك لي * ولكن لكَ الحمْدُ في ذا وذاكا[4].

إنّ التعرّف على الله تعالى والارتباط الروحيّ به من خلال التأمّل في صفاته والتدبّر في آياته سوف يركّز الإيمان به في القلوب ويجذّره في النفوس، ولا يبقى هذا الإيمان مجرّد قناعة فكرية وعقليّة جافّة وباردة، لأنّك عندما تؤمن به من خلال آياته البادية في الآفاق والأنفس فهذا يعني أنّه لن يقع ناظراك على شيء أو تمتد يداك إلى شيء إلاّ وترى الله فيهوقبله ومعه، ليغدوَ كلّ هذا الكون (وليس مكاناً خاصاً فحسب) هو معبد لله سبحانه، وليغدوَ الزمانُ كلُّه في كلّ مقاطعه وفواصله هو فرصة ملائمة للقاء المحبوب، فتكون دائماً في حالة اتصال روحيّ وتواصل عباديّ معه، وكما قال
الشاعر[5]:

فيا عجباً كيفَ يُعصى الإلهُ * أم كيف يجحده الجاحد!

وللهِ في كلِّ تحريكةٍ * وفي كلِّ تسكينةٍ شاهِدُ

وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ * تدلُّ على أنّهُ واحِدُ.

4- الإمساك بالحبّ “أبصرت فاثبت”:

والخطوة الرابعة التي ينبغي الإنتباه إليها هي أنّ المُحِبَّ لله – وفي سعيه المتواصل للفوز برضا المحبوب وحظوته بلذيذ مناجاته وقربه الدائم – بحاجة مستمرّة إلى الحرص على الإمساك بالحبّ والعناية الدائمة به واختباره، لأنّ الحبّ إذا أفلت منه وانطفأت حرارته وخلا القلب من وميضه أو خبا

نوره، فإنّ ذلك سيخدش صفاء المودّة بينه وبين حبيبه، ومن غير المعلوم أن يُوّفق للإمساك به مجدّداً.
ورد في الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه الصادق (ع) قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّه (ص) حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَه:

كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةَ بْنَ مَالِكٍ؟

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه مُؤْمِنٌ حَقّاً!

فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص): لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ؟

فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأَسْهَرَتْ لَيْلِي وأَظْمَأَتْ هَوَاجِرِي وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي – [وَ] قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ، وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِي الْجَنَّةِ وكَأَنِّي أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ.

فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص): عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّه قَلْبَه، أَبْصَرْتَ فَاثْبُتْ!

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه ادْعُ اللَّه لِي أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ مَعَكَ.

فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْ حَارِثَةَ الشَّهَادَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا أَيَّاماً حَتَّى بَعَثَ رَسُولُ اللَّه (ص) سَرِيَّةً – فَبَعَثَه فِيهَا فَقَاتَلَ فَقَتَلَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً ثُمَّ قُتِلَ”[6].

أنظر إلى قوله (ص ) لحارثة “أبصرت فاثبت”، إنّه يريد القول له: لا يغرّنك ما وصلت إليه، ولا يكفي أن تصل أو تُبصر وإنّما الأهمّ كيف تثبت وتحافظ على ما وصلت إليه.

وقول حارثة: “كأنّي أنظر إلى أهل الجنة..” ورد نظيره في صفات المتقين، مما جاء في كلام عليّ (ع): “عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون”[7].

يتبع…

العلامة الشيخ حسين الخشن

الهوامش:

[1] ومن أروع ما ورد في المناجاة حول هذا الموضوع هو ما نسب إلى الإمام زين العابدين (ع) في مناجاة الشاكين: “إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمارة ، وإلى الخطيئة مبادرة ، وبمعاصيك مولعة ، ولسخطك متعرضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل طويلة الأمل، إن مسّها الشرّ تجزع، وإن مسّها الخير تمنع، ميالة إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تسرع بي إلى الحوبة وتسوفني بالتوبة. إلهي أشكو إليك عدواً يضلني، وشيطاناً يغويني، قد ملأ بالوسواس صدري، وأحاطت هواجسه بقلبي، يعاضد لي الهوى، ويزيّن لي حبّ الدنيا، ويحول بيني وبين الطاعة والزلفى. إلهي إليك أشكو قلباً قاسياً، مع الوسواس متقلباً، وبالرين والطبع متلبساً وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة، وإلى ما يسرّها طامحة ..” أنظر: بحار الأنوار ج 91 ص 143.

[2] نهج اابلاغة ج 2 ص 71.

[3] الكافي ج2 ص498.

[4] قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي ص 94، والفتوحات المكية لابن عربي ج 2 ص 359، وإحياء علوم الدين للغزالي ج 14 ص 68.

[5] هذا الشعر هو لأبي العتاهية ” إسماعيل بن مسلم “، أنظر: تاريخ بغداد ج6 ص251.

[6] الكافي ج2 ص 54 باب حقيقة الإيمان واليقين، قال الكليني: “وفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ اسْتُشْهِدَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ”، انظر المصدر نفسه، وروى قبلها وفي الباب نفسه رواية أخرى بإسناده إلى أبي عبد الله (ع) قال: إنّ رسول الله (ص).. وهذه الرواية معتبرة سنداً، ويظنّ قوياً وحدة القضيّة المنقولة في الروايتين.

[7] نهج البلاغة ج2 ص161.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*