قراءة في كتاب مناهضة العنف ضد المرأة


إنّه السيّد الإنسان، لا زال يعيد للإنسان حقوقه التي أعطاه الله إياها وكرّمه بها، ولا سيّما أضعف الإنسان، المرأة – الأنثى، فجاء السيّد لينصف هذا الإنسان بإعادة ما سُلب منه، وإنصافه بما أنصفه الله ودينُه الحنيف… ” معلناً أنّ المرأة إنسانٌ مستقلٌّ كما الرجل في حقوقه وواجباته، وليس للأب أو الأخ أو الزوج أيّةُ سلطة على المرأة البالغة الرشيدة…” كما جاء في مقدّمة الكتاب لمدير المركز الإسلامي الثقافي السيّد شفيق الموسوي…

السيد فضل الله الفقيه المجدِّد في الدين والحياة، اراد أن يصدم المجتمع بفتواه، ليعيده إلى رشده، وكان ذلك في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة في 27/11/2007… فيعقّب السيّد الموسوي في المقدّمة: ” إنّها نظرة التخلّف لهذا المخلوق السويّ الذي كرّمه الله سبحانه وتعالى ويحاول البشر أن يرسموا له صورة غير ما رسمها المولى تعالى.

جاءت هذه الفتوى لتهزَّ هذا الواقع وتعلن من منطلق قرآني إلهي أنَّ الضرب والقهر ومصادرة الحقوق للمرأة محرّم ومستوجبٌ لغضب الله تعالى، وأنَّ للمرأة دوراً يساوي دور الرجل، وقد تتفوّق عليه في مواقع كثيرة “…

وأبرز ما جاء في هذه الفتوى

إنّ قوامة الرجل على المرأة لا تعني سيادة الرجل عليها، بل تعني تحميل الرجل مسؤوليّة إدارة الأسرة التي لا بدّ أن لا يستبدّ بها، بل أن يتشارك مع الزوجة في كلّ الأمور المشتركة بينهما كزوجين….

إنّ إقبال المرأة على العمل المنزلي والاضطلاع بأعبائه من خلال إنسانيّتها وعاطفتها وتضحيتها، في الوقت الذي لم يكلّفها الإسلام أيّاً من ذلك…

لقد وضع الإسلام للعلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجيّة والأسرة عموماً قاعدةً ثابتة، وهي قاعدة “المعروف”، فقال الله تعالى في القرآن الكريم: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، وقال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]…

اعتبر الإسلام أنّ المرأة ــــ في إطار الزواج ــــ كائنٌ حقوقيّ مستقلّ عن الرجل من الناحية المادّية؛ فليس للرجل أن يستولي على أموالها الخاصّة…

إنّ الإسلام لم يبح للرجل أن يمارس أيّ عنف على المرأة، سواء في حقوقها الشرعية، أو في إخراجها من المنزل، وحتّى في مثل السبّ والشتم والكلام القاسي السيّئ…

إذا مارس الرجل العنف الجسديّ ضدّ المرأة، ولم تستطع الدفاع عن نفسها إلاّ بأن تبادل عنفه بعنف مثله، فيجوز لها ذلك من باب الدفاع عن النفس. كما أنّه إذا مارس الرجل العنف الحقوقي ضدّها، بأن منعها بعض حقوقها الزوجيّة، كالنفقة أو الجنس، فلها أن تمنعه تلقائياً من الحقوق التي التزمت بها من خلال العقد.

لقد أكّد الإسلام على موقع المرأة إلى جانب الرجل في الإنسانية والعقل والمسؤوليّة ونتائجها، وأسّس الحياة الزوجيّة على أساسٍ من المودّة والرحمة… كما جاء في البيان الذي أصدره السيّد رضوان الله عليه.

الردود على هذه الفتوى

ولقد أحدثت هذه الفتوى عاصفة من الردود المؤيّدة والرافضة، من علماء الدين والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني… وكذلك انقسم الناس بين مؤيد ورافض ومتحفّظ…

ففي الكويت قال الناشط في حقوق الإنسان والمحامي في محكمة التمييز الدكتور سعد العنزي لجريدة الرأي إنّ “فتوى فضل الله المذكورة في جواز ضرب المرأة للرجل في إطار العلاقة الزوجية “قول شاذ ورأي لم يسبقه به أحد وهو مخالف للفطرة السليمة والعقول النظيفة”… وعقّب ” مشيراً إلى أنّ “رأي فضل الله مخالف للعلاقة الزوجية الحميمة، ذلك أنَّ الضرب عادة لا يؤدّي إلى الاستقرار ولا إلى الاستمرار في العلاقة الزوجية وإنّما نتيجته الشقاق والخصام وانتهاء العلاقة الزوجية”…

وقال أستاذ الدعوة والإعلام في جامعة الكويت الدكتور بسام الشطي إنّ “المرأة لا يجوز لها أن تضرب زوجها، بل عليها أن تتّقي الله وتراقبه في زوجها، كما يجب على الزوج ذلك”، مشيراً إلى أنّ “النبيّ (ص) قال: “لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرةٍ المرأة أن تسجد لزوجها”…

أما رئيس جمعية مقومات حقوق الإنسان الشرعية الدكتور عادل الدمخي، فأكّد أنَّ “فتوى فضل الله تخالف بصراحة قوامة الرجل على المرأة التي أعطاه الله إيّاها”، مشيراً إلى أنّ “القوامة الشرعية تكون في الإنفاق والكلمة الأولى في البيت وفي إصلاح اعوجاج المرأة”. وقال الدمخي إنَّ: “في هذه الفتوى ستتحوّل البيوت إلى حلبات مصارعة، عنف مقابل عنف، ولن تستقيم الحياة الزوجية بذلك، بل تستقيم بالطاعة والاعتراف بحقّ الرجل، كما قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} [النساء:34] أي مطيعات”…

وقال الدكتور طلال عتريسي عميد كلية العلوم الاجتماعية السابق في الجامعة اللبنانية بأنّ هذه الفتوى ” قد تدفع بعض الرجال ممّن يعنِّفون نساءهم إلى المزيد من العنف في عملية تحدّ خاصة إذا فكّرت الزوجة في ردّ الاعتداء بالمثل”… ويضيف: “كيف يمكن أيضاً أن نتخيّل حال البيت الذي يلجأ فيه الرجل عادة إلى العنف ضدّ زوجته إذا عاملته بالمثل”؟، ويتساءل مستنكراً: “هل ستؤدّي هذه المعاملة إلى ردعه عن العنف أم ستجعله أكثر نزوعاً إليه؟”…

في المقابل أصدرت الهيئة الوطنية للطفل اللبناني بياناً أعلنت فيه “إنَّ الهيئة، بمختلف فروعها، تعتبر أنَّ فتوى العلّامة محمد حسين فضل الله المفصلة برفض كلّ أنواع العنف ضدَّ المرأة نافذة نور للحق والخير في أيامنا الصعبة التي ازداد فيها العنف المنزلي وبرزت نتائجه السلبية على أفراد العائلة، وخصوصاً الأطفال”. وأضاف البيان “إنّ الفتوى أعطت للمرأة المعنّفة الحق في الدفاع عن نفسها، كما أوضحت مفهوم القوة الصحيحة عند الرجل على أنّها القوة على تحمل المسؤولية لا على البطش المدمِّر والنفوذ الأناني والسيادة المستبدّة”.

كذلك أشادت منظَّمة “كفى عنف واستغلال” بالفتوى التي أصدرها العلّامة محمد حسين فضل الله بخصوص العنف ضدّ المرأة. ورأت المنظّمة أنَّ الاجتهاد الذي بذله السيد فضل الله للتوصّل إلى إصدار هذه الفتوى، ذو قيمة عالية وحاجة ملحّة في ضوء الهوة الكبيرة المتزايدة ما بين جمود النصوص القانونية، خاصة فيما يتعلّق بالأحوال الشخصية وبين دينامية حركة المجتمع وما تؤدّي إليه من تطوّرات علمية واجتماعية وحقوقية بالنسبة لواقع المرأة وموقعها الاجتماعي…

رد وتوضيح مكتب السيّد(رضوان الله عليه)

وبعد هذه الردود أصدر مكتب السيّد فضل الله ردّاً وتوضيحاً، من السيّد جعفر فضل الله، جاء فيه: “”من دواعي السرور أن يثور الجدل في شأن مسألة ترتبط بحدود العلاقة بين الرجل والمرأة، والتي تتّصل بفهم النص الديني من جهة، وبإشكالية نظرة الآخرين إلى الإسلام من جهةٍ أخرى”… والهدف “ليس تسجيل ردود على مخالفة الرأي الذي أطلقه المرجع السيّد محمد حسين فضل الله في ما يخصُّ المرأة في ردّ الاعتداء عليها من زوجها، أو على رميه بالشذوذ العلمي، بقدر ما أحاول إثارة بعض الأمور التي قد يكون من شأنها أن ترسم خطّاً منهجياً في فهم النص الديني في ما يتعلّق بهذه المسألة، وربما غيرها”… و من هنا ” لا بدّ من التسليم بنقطة، وهي أنّ من حقّ كلّ مُعتدىً عليه أن يردّ الاعتداء المُوَجَّه إليه من كل معتدٍ، سواء كان المعتدى عليه امرأة أو رجلاً”… ” من واضحات القرآن أنَّ الحياة الزوجية لا يُمكن أنْ تتحرّك في إطار الإضرار بالزوجة، وذلك هو قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ} [البقرة:231]، وأي ضرر أعظم من أن ينطلق الرجل من رجولته عندما يتحرّك بالعنف ضدّ المرأة، ممّا ليس له بحقّ؟”.. و”أخيراً: إنَّ اعتبار حقّ المرأة في ردّ الاعتداء إنّما يُدرجه السيّد فضل الله ضمن الخيارات، أمّا إدارة المسألة من الناحية الواقعية فتخضع لجملة من العوامل التي تفرضها طبيعة العلاقة بين الزوجين، لأنّ مدى الانسجام والسكينة التي يعيشها الزوجان سوف تُلقي بظلالها على أيّ ردّ فعل من أحدهما تجاه الآخر”…

وكان بعدها لسماحة السيّد رضوان الله عليه حوارات صحفية وتلفزيزنية عدة لتوضيح هذه الفتوى والإجابة عن الكثير من التساؤلات، كالحوار مع شبكة الحوار المتمدّن، و مجلة الشراع اللبنانية، وتلفزيون الجديد، ومجلة شؤون جنوبية والعديد من الصحف اللبنانية والعربية والأجنبية… وكذلك مع الباحثة الألمانية (راحيل فيشباخ)…

واجتاحت أخبار هذه الفتوى معظم الدول العربية وتناولتها وسائل الإعلام ورصدت كل ردّات الفعل المرحبة والمستنكرة لها… وخاصة بين علماء الدين ومؤسسات المجتمع المدني… وخاصة في الأردن ومصر والكويت والسعودية. وقامت هذه الصحف بالحديث مع الكثيرات ممن تعرّضن للعنف وكيف استقبلن هذه الفتوى بارتياح وبما يشبه النصر، وكذلك بعض الرجال الذين يعنفون نساءهم والذين عبّروا عن شعورهم الممتعض واللامستسيغ لهذه الفتوى بحجة أنه فقط بالعنف نسيطر على المرأة…

خلاصة:

يبقى أن نقول وبالرغم من كل ردّات الفعل التي حصلت، إنّ السيّد فضل الله أراد أن يعيد العديد من الأمور المستندة إلى العادات والعقليات الرجولية المتخلفة، إلى سكة الإسلام الصحيح، ويضيء على حقوق (نصف المجتمع) المهدورة، وما الردود المنتقدة إلا عبارة عن سوء فهم الفتوى أو التطرّف في التعبير عن أنّ المرأة إنسان من الدرجة الثانية.

عرض: محمد طراف

التعليق


*